وأنت تقرأ كتابات كمال الجزولي الفكريه تستطيع الاطمئنان الي ان تسلل مواهبه وثقافته الادبيه، خاصة الشعريه، الي صياغاته الاسلوبيه لايقلل من وضوح افكاره وتماسكها المنطقي مخدومة برصيد معارف متنوعه. فإذا كنت من متذوقي الادب والشعر خرجت منها ببهجتين الاولي إشباع المزاج والخواطر والاحاسيس والخيال والثانية إشباع الذهن والافهام حتي لواختلفت مع الكاتب قليلا او كثيرا.      
تتداخل هذه المقالة القصيره مع كتاب كمال الجزولي المعنون " الاخر : بعض إفادة مستعرب مسلم عن ازمة الوحدة المتنوعة في السودان "  من زاوية تعتبرها بالغة الاهميه ان لم تكن الاكثر اهمية من غيرها لمستقبل هذه البلاد وهي التعاطي النقدي للكتاب مع مايمكن تسميته بمدرسة او تيار او حركات الهامش من موقع تنتفي فيه شبهة التحيز والافكارالمسبقه التي تكاد تجعل هذا الامر مستحيلا إذا جاء من موقع اخر.  ماهو مصدر هذه الاهمية الاستئنائيه؟  هذه مستمدة من تقدير للوزن السياسي لهذه الحركات/ التيارات يتجاوز الانطباع الذي يوحي بها تشرذمها خاصة الدار فوري. فحقيقه الامر هي ان اطلاق صفة الهامش علي حركات دارفور والشرق، والنوبي شمال الشمال القريب من سطح التحقق، يبدو مجافيا لمغزي كونها اضحت صاحبة اقوي نفوذ وسط النخب المثقفة والناشطة سياسيا في مناطقها، وبالتالي في البلاد الشمالية عموما. يندر ان تجد من تنطبق عليه هذه الصفه من ابناء/ بنات المنطقه الجغرافيه- الاثنيه المعينه في الفئات العمرية الشابة نسبيا من لاينتمي الي هذه الحركات بدرجة من الدرجات، اقتناعا او اضطرارا، والاضطرار ناجم عن الاثر الاستقطابي القوي للعمل المسلح المعزز بأشتداد الروابط القبليه لان التضحيات التي يتطلبها تجعل الاختلاف الصريح معها صعبا لاسيما في مجتمعاتنا التقليدية التي تعلي من شأن الشجاعه الصداميه مقابل الادبيه. كذلك يندر ان تجد  بين كهول وشيوخ المنطقة المعينه من ذوي الانتماءات السياسية القومية العابرة للمناطق  يسارا ويمينا وووسطا من لايجد نفسه موزع الذهن والعواطف والنشاط بينها وبين تلك الانتماءات المستجده وسط الشباب.  والدليل الاوضح علي صحة هذا الاستنتاج وتاليا انتفاء صفة الهامش عن الحركات المعنيه، من حيث وزنها السياسي ( وينطبق هذا علي الجنوب ايضا) وليس حالة المناطق التي تنطلق منها، انها اضحت الاكثر قدرة علي التأثير في توجهات السلطه المركزيه. من نايفاشا الي ابوجا الي اسمرا الي مفاوضات الدوحه الجارية حاليا، تعرضت سلطة المؤتمر الوطني ( الاسلامي ) الحاكمه الي تحديات اجبرتها علي تقديم تنازلات تحدث لاول مره في تاريخ هيمنتها الطويلة والمكينه.  وبينما استطاع المؤتمر في مناسبة او اخري تعطيل هذه التنازلات تحايليا وتقليل أثرها فأنها، بعكس بعض التنازلات الانفراجية الضئيلة الناتجه عن نشاط المعارضة الشماليه ( القديمه )، بقيت غير خاضعة لسيطرته الكلية عليها. 
علي ذلك فأن تصحيح نظرة هذه الحركات/التيارات لموضوع اساسي مثل موقع الثقافه  العربية في التكوين السوداني يغدو واجبا وطنيا من الدرجة الاولي وهذا مايفعله الكتاب بمحتواه ولصدوره عن مثقف قيادي في الحزب الشيوعي السوداني بالذات. فنقطة الضعف الكبيره لدي هذه الحركات قياسا بنفوذها هو الخلط بين التمرد علي السلطة المركزيه والثقافة القوميه السائدة في المنطقة التي يأتي منها معظم من تسنموا او يتسنمون المواقع الاولي في هذه السلطه.  وبينما تتقاطع مطالب وتوجهات هذه الحركات مع التيارات والاحزاب السياسيه والفكرية فوق- الجهوية- الاثنيه التاريخيه المعروفه الا ان الاقرب اليها موضوعيا، وعمليا في احيان كثيره، كان الاكثر راديكالية من بين هذه الحركات وهو اليسار والحزب الشيوعي بالذات بصفته اكثرها حضورا وتأثيرا.  حتي حركة العدل والمساواه ذات الجذور الاسلاميه بدلت لغتها واهدافها بما يقربها من هذا التوصيف.  
من خلال عرض تاريخي تفصيلي وتحليل لعملية الاستعراب والاسلمة في السودان يستند الي معطيات بحثيه علميه يقدم الكتاب( بدء من صفحة 155 )  تصورا للعيوب التي اعتورتها في وعي الجماعات السودانية المنتمية اليها واستقصاء لاسبابها في التطور السياسي والاجتماعي- اقتصادي. وبعكس مايحدث عند حركات/ تيارات الهامش-اللاهامشي فأن هذ العرض لاينزلق الي انكار الوزن الايجابي في البنية الوطنيه السودانيه لتلك الثقافه بل انه يؤكد عليه مميزا بوضوح بين مايطلق عليه تيار الاستعلاء السلطوي التفكيكي مقابل تيار توحيدي عقلاني وسط هذه الجماعات. وفي هذا السياق ينتقد الكاتب بأستقامة وجلاء مايعتبره  تيار استعلاء سلطوي تفكيكي مضاد وسط حركات الهامش نفسها يتهدد هو الاخر مشروع الوحده الوطنيه ( ص 172 ).
صدور هذه الرؤية المنهجية المتكامله حول الموضوع من اوساط الممثل  الحزبي الاهم للتيار التقدمي العلماني في السياسة السودانيه يهئ لها فرصة قبول لدي تيار /حركات الهامش- اللاهامش افضل بمراحل من تلك التي اتيحت لمحاولة صدرت عن اوساط ممثل اقل وزنا بكثير لنفس التوجه لدي الاطراف المعنيه كما ظهرت في كتاب ( حوارات الهويه والوحده الوطنيه في السودان : منظور مختلف الصادر عن مركز الدراسات السودانيه عام 1994 باللغتين العربية والانحليزيه ).  أمارات قلة الوزن في هذا الكتاب كانت ضعف مستوي منهجية دراساته نفسها ولكن السبب الاهم للانعدام الكلي تقريبا لصداها لدي الاطراف المعنيه عائد لانتسابها الي  وسط سياسي قومي عربي ما أغلق كافة المنافذ الي اهتماماتها.  من هنا  الاهمية البالغة لكتاب كمال الجزولي، ولكن ايضا من كونه تنبيها للاوساط التي تطرح قضية الدين والقوميه ضمن افق جامع بين التقدمية والاستناره الي عدم الاستكانه للطرح الخاطئ الصادر عن تيار الهامش  لموضوع الثقافة العربية الاسلاميه كما يلاحظ لدي الكثيرين من هؤلاء التقدميين الي درجة تبني مقولاته.  وهذه بعض الافكار التي استثارها الكتاب متجهة نحو رفع درجة ( الدفاع ) عن الثقافه العربية الاسلاميه.
        لاريب في ان العمود الفقري لتنمية وتوطيد الوحدة الوطنية المتنوعه هو في المقام الاول والاخير الاثر المساواتي في السلطة والثروه لرسوخ الالية الديموقراطيه. علي ان  تصفية الثقافة العربية الاسلامية من المتعلقات السلبية يكشف عن خصوصية معينة لدورها المساعد في انجاز الوحده لكونها  تشكل القاسم المشترك بين مكونات الموازييك القومي- الثقافي السوداني علي الاقل من ناحية اللغه. بذلك يصبح من مصلحة تيارات / حركات الهامش نفسها المساهمة في معركة التصفيه التي تبدأ بأنتزاع الثقافة العربية الاسلاميه من قبضة الاسلام التقليدي الحاكم وغير الحاكم  بدلا من دفع عرب السودان للاصطفاف مع  السلطه بتصويرها كحاضنة لهذ الثقافه وممثل لها.
  كذلك هناك اساس لتناول موضوع الجلابي بشكل مختلف عن السائد حوله سلبا وإيجابا.
الجلابي هو نُطفة الطبقه الوسطي التي تحددت معالمها بوضوح اكثر مع التغييرات التي احدثها الوجود الاستعماري فيما بعد، ليس فقط بالمعني الاقتصادي-الاجتماعي الذي يشرحه كتاب كمال  الجزولي ( ص 155- 161 )، وانما ايضا بالمعني المتفق عليه حول دور هذه الطبقه في كافة المجتمعات من انها  قاطرة الاستناره والتقدم والحضاره.  لايوجد في الظواهر البشريه سلب او  ايجاب مطلقين ولذلك مع السلبي الاستغلالي اقتصاديا في ظاهرة الجلابه وتصورها الاستعلائي لهويتها القوميه العربيه، هناك الوجه الاخر المتمثل في انها حاملة عوامل التطوير المرتبطه بأنتمائها الي واحدة مما يسمي حضارات العالم الكبري. في حدود  القدر الذي تمثله الواقع السوداني من الحضارة العربية الاسلاميه منذ القرن السادس عشر خاصة فأن الجلابي حمل الي المناطق التي نزح اليها بذرة محركات التقدم متمثلة في إدخال اقتصاد السوق بدلا من المقايضه, فكرة التعليم والكتابه ، ادوات التحديث مثل الراديو والجريده وعقيدة دينيه عابره للمحلي والقبلي. وهذه فكرة يشرحها ان احفاد هذا الجلابي نفسه  تعرضوا مع مجئ الاستعمار البريطاني اواخر القرن التاسع عشر لتأثير مشابه في سلبياته ولكن ايضا ايجابياته التحديثيه  هي التي مكنتهم من ان يصنعوا القدر النسبي من التقدم التنموي الاقتصادي والبشري في الوسط.  ويمكن علي هذا الاساس القول بأن صنيع الجلابي- الاب هو الذي ارسي القواعد الموضوعية لظهور حركات التغيير في المناطق  الطرفيه. هذه ظهرت في مرحلتها الاولي مندمجة في حركات الوسط السياسيه القومية المدي ثم انفصلت عنها متخذة طابعا جهويا عندما بدا ان هذه الحركات عاجزة عن اخضاع السلطة المركزية لمصلحة المجتمع والبلاد بأجمعها.