KAMIL MAAROUF [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
يعيد هذا المقال إعادة صياغة سؤال شكيب أرسلان الشهير " لماذا تأخرالمسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟" ليقول بأن الاستثناء العربي من " الموجة الديموقراطية الثالثة " ، وفق صامويل هنتنقتون، لايزال قائماً. في الاستدلال علي ذلك يذهب المقال أبعد قليلا مما يوحي به تعثر النموذجين المصري والتونسي، وخصوصاً قدرة الانظمة السورية واللليبية واليمنية علي احتمال الضغط الشعبي العارم مستخدمة العقاب الجماعي كوسيلة رئيسية. وبينما يقدر كاتب المقال دوافع الذين يدهم في النار لإنكار استناد هذه القدرة أيضاً علي استثمار وجود ناشطين طائفيين واسلاميين متطرفين بين صفوف المعارضين لتبرير قمعيته الأهوالية واجتذاب شرائح شعبية لتأييده، إلا أنه يحاجج بأن هذا الانكار يعادل إنكار شمولية النظام نفسه. فأوضح الاثار الدالة علي ذلك عربياً ،وشرق اوروبياً وبلقانياً قبل ذلك، مايترتب حتماً علي السياسات المتعمدة لهذا النوع من الانظمة وماتفرزه طبيعتها من إرغام للناس علي الأنسحاب الي الماضي بأحياء روابطهم الاجتماعية الريفية والأستدعاء الاعمي للتراث الديني، كرد فعل دفاعي وتحصيني. يكفي في تأييد هذه المحاججة أن نظام عائلة الاسد الذي استلم  أكثر الاقطار الثلاثة تقدما وتحديثا، يتركها الان تعاني، مثلا، من( مشكلة ) كردية وشوارع تموج بمظاهر التدين السلفي شبابا وشابات.      
في مقال بعنوان " الديموقراطية والسيادة " لبسمه قُضماني ، المدير التنفيذي للمبادرة العربية للديموقراطية  : " النظام السوري لم يخترع حقيقة تكيف العقلية والنفسية السوريتين ( وكذلك العربيتين ) بذكريات التدخل الخارجي ولكنه استثمرها. في المواجهة الوحشية الحالية بين النظام والمجتمع كل من يدعو الي التدخل الخارجي  يوصم بالخيانة بسهوله. التهديد بالتدخل العسكري سيف فوق رأس المعارضة أكثر من النظام."  في الاشارة الي أن هذا التوصيف الصحيح لاينطبق علي الافارقة تثوي إمكانية العثور علي التفسير الابعد لقدرات الانظمة. فأقطار غرب افريقيا الثلاثة، سيراليون وليبريا وساحل العاج، خرجت من حروب أهلية ثم من موجة الاستثناء الديموقراطي، نتيجة التعامل الايجابي مع التدخل الاجنبي العسكري- السياسي  المباشر من قبل كافة القوي المؤثرة سياسيا. الشق الحاسم من هذا التدخل كان غربي المصدر من خلال الامم المتحدة  وثنائيا من بريطانيا وفرنسا وأمريكا، الي جانب تدخل أقليمي. ففي سيراليون إندلعت حرب أهلية  خلال ( 1991- 2001 ) حسمت بتدخل عسكري من بريطانيا، المستعمر السابق، عندما فشل التدخل العسكري الاممي في إنجاز المهمة كاملة. وبالتعاون المفتوح بين السلطة المنتخبة ديموقراطياً والامم المتحدة وبريطانيا تأسست محكمة لجرائم الحرب وتجري الان عملية إعادة البناء والتنمية. ليبريا شهدت حرباً أهلية علي مرحلتين بين أعوام 89- 2003 بفاصل ثلاث سنوات تم إيقافها ووضع البلاد علي طريق تجربتها الديموقراطية الحالية بتدخل عسكري- سياسي من الامم المتحدة، مدعوم لوجستياً من الولايات المتحدة الامريكيه وآخر من منظمة( أكواس ) الاقليمية، وأشرفت بعد ذلك علي إعادة بناء الجيش والاقتصاد. كذلك الامر في  ساحل العاج ( كوت دافوار ) حيث دارت الحرب الاهلية علي مرحلتين الاولي 2002- 2007 أنتهت بتدخل قوات من الامم المتحده مع وجود عسكري فرنسي. وأثر انتخابات عام 2010 عندما رفض الرئيس  لوران  باقبو التنازل عن السلطه بعد خسارة الانتخابات، نشبت حرب أهلية حسمها تدخل عسكري فرنسي بدعم من قوات للامم المتحده وبطلب صريح وملح من الرئيس المنتخب انتهي باعتقال الرئيس السابق وتسليمه للحكومة.الاستنتاج الممكن من هذه النماذج الثلاثه  أنه مع أنتفاء ظاهرة سهولة تجييش المشاعر الشعبية وصماً بتهمة الخيانة الوطنيه، تستديم التجربة الديموقراطية فارضة بالتدريج معاييرها الموضوعية البناءة في تقييم سياسات الحكومات والاحزاب بما في ذلك مايصون السيادة الوطنية حقاً. فالفصل بين سيادة الوطن وسيادة المواطن ، جوهر الانظمة والايديولوجيات الشمولية، هو الذي جعل الاتحاد السوفيتي العظيم يتفتت بين يوم وليله، بينما تلحق بروسيا، وتكاد تتجاوزها إقتصاديا، دول مثل تركيا والبرازيل والهند.  
عربياً سهولة الوصم بالخيانة، إرسالا من قبل المتخاصمين سياسيا، والاهم، قابليةَ استقبالٍ لدي الجمهور العام، هي السمة الغالبة. هكذا راحت قيادات الانتفاضات السورية واليمينة والليبية تتسابق في التأكيد علي رفض التدخل الاجنبي المباشر، مع أن الاخيرة لم ترفضه صراحة في البداية وبدا عموماً أن النموذج الليبي سيضعف هذه السمة. بذلك تجردت الانتفاضات من سلاح قوي فوجدت نفسها بعد شهور من التضحيات والمشاهد الجماهيرية المذهلة مواجهة بأمرين أحلاهما مر : تخفيض سقف المطالب أو الانزلاق الي حرب أهلية، بينما تسترد الأنظمة أنفاسها كما تبتعد احتمالات انتفاضات عرب اخرين. والحال ان تأمين فعالية سلاح التدخل الاجنبي المباشر لم تكن لتتجاوز التهديد به في النموذجين السوري واليمني لو أنه طبق بنجاح في النموذج الليبي حيث يتوفر عنصر المصلحة النفطية الضروي لاقناع الحكومات الغربية بالتغلب علي مخاوفها العراقية والافغانية المصدر. أما لو كانت القابلية العربية للتعامل الايجابي مع التدخل الاجنبي المباشر في حالات الضرورة القصوي، بمستوي القابلية الافريقية فأن فعالية التهديد كانت ممكنة دون نموذج تطبيقي.
في تفسير هذا الاختلاف ينصرف الذهن العربي مباشرة الي القضية الفلسطينية والدور الغربي الفاعل في تأسيس اسرائيل وإدامتها، ولكن هل تجربة الاسترقاق الغربي البربري للافارقة قديماً ثم تأسيس وإدامة نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا لأكثر من نصف قرن والاستعمار الاستيطاني وغير الاستيطاني، أقل فاعلية في تشكيل عقلية ونفسية الافارقة؟ يبدو لهذا المقال ان هناك تفسيراً أعمق مدخله النكوص العربي، والمسلم بالذات، الي الماضي الذهبي تعويضاً عن خيبات الحاضر فيضحي عندئذ ثقلا إنعزالياً يمّوه انعدام الثقة بالنفس بالمغالاة في التعالي والرفض للاخر الحضاري، بينما لايزال الأقرار الجماعي بماضي إفريقي ذهبي رهيناً بقبول أطروحة الجذر الأفريقي للحضارة الهلينية عبر الحضارة الفرعونية ( كتاب مارتن بيرنال : أثينا السوداء ). يضاف لذلك متانة جسر التفاعل الغربي- الافريقي عبر المسيحية بالمقارنة للعربي بالنظر لغلبتها الاكبر كثيراً وسط النخب الافريقية الحديثة. ومن مؤكدات ذلك إرتفاع نسبة المسيحيين العرب وسط قيادات إرهاصات عصر التنوير العربي أواخر التاسع عشر واوائل العشرين  بالمقارنة لنسبتهم الي عدد السكان ومايلاحظ من ان التفاعل مع الغرب لم يكن عندها مسّوراً  بالتابوهات اليسارية والمحرمات الدينية : إرث التقليدية ( الحديثة ) التي أطلقت عملية إجهاض ذلك العصر، ومعه الديموقراطية والعقلانيه، عبر موجتين متتابعتتين متناقضتين في المهم متفقتين في الاهم.
( عن جريدة الحياه/ لندن 4 اغسطس 2011  )