عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قد يذكر بعض القراء محاولة إستقصاء العمق الاعمق للازمة السودانية وطريق الخروج منها تحت عنوان " معاً نحو عصر تنوير سوداني : إطار عام لاستراتيجية معارضة مختلفه "، لصاحب هذا المقال. الفكرة المحورية لورقة الاستراتيجية هذه هي إن جهود  إستعادة النظام الديموقراطي لابد ان تتلازم مع جهود لاستزراع الديموقراطيه كثقافة وأسلوب حياة لدي النخب المحركة للتغيير في المجتمع السوداني لكونها البنية التحتية التي تؤمن دوام النظام وتطوره. هذه هي خلاصة التجربة الاوروبية حيث ولد ونجح النظام الديموقراطي، وخلاصة تجربتنا في السودان حيث فشل. يعود الفشل السوداني حسب الورقة الي الآتي : في اوروبا سبقت وصاحبت نشوء النظام الديموقراطي تطورات اقتصادية وتيارات فلسفيه وفكرية أنتجت نخباً مستنيرة وعقلانية لاسيما في نظرتها للتراث والدين ( عصر التنوير/ الحداثه ). نظراً لاختلاف الظروف التاريخية عن اوروبا،هذا الوضع لم يتحقق عندنا الا في حدود هامشية خلال النصف الاول من القرن الماضي عندما وضع السودان أقدامه علي عتبة العصر الحديث بتأسيس النظام التعليمي وبعض القطاعات الاقتصادية الحديثة.  لذلك فأن الامكانية الوحيدة لتطور هذه الارهاصات نحو عصر تنوير  سوداني يشكل بنية تحتية للنظام الديموقراطي الذي ورثناه من الاستعمار البريطاني، كانت إستمرار هذا النظام نفسه لانه يسمح بالتلاقح بين التيارات السياسية والفكرية المحلية وبينها وبين العالم الخارجي. غير ان هذه الاستمرارية ذهبت ضحية الحلقة المفرغة التي يؤدي فيها ضعف الاساس الاستناري الي ضعف النظام الديموقراطي والعكس، إذ أفضي ذلك إلي عدم تغلغل الثقافة الديموقراطية في عقلية النخب السودانية العسكرية والمدنية وجعلها قابلة للأتجاه نحو الوسائل غير الديموقراطية للوصول الي السلطه. وبما أن  الانظمة الدكتاتورية المتتالية  كانت تتسبب في إضعاف البنية التحتية أكثر مما هي عليه بألغاء امكانية التلاقح الداخلي والخارجي، فأن مستوي شمولية هذا الانظمه وطول فترتها الزمنيه كانت تزداد بمرور الوقت حتي وصلنا الي اكثر النظم شمولية في تاريخ السودان وأطولها عمراً . بناء علي هذه الرؤية للازمة العامة وأزمة الديموقراطية كجزء منها، تقترح الورقة إستراتيجية تتعامل مع عملية تغيير النظام في سياق عملية تغيير أعمق وأوسع تستهدف تطوير البنية التحتية الاستنارية، دون تعارض بينهما، يبرز فيها عنصرا المجتمع المدني والاصلاح التعليمي.     
نُشرت الورقة التي يمكن الحصول علي نصها عبر العنوان أعلاه، في هذه الصحيفة خلال أكتوبر العام الماضي كما تم توزيعها الكترونياً علي مجموعة كبيرة من الناشطين الثقافيين والفكريين والسياسيين مباشرة او من خلال الموقع الالكتروني ( سودانيز اون لاين ) ونالت القدر الذي تستحقه من الاهتمام محدوداً كان أو اكثر أو أقل. علي اختلافه كان الاهتمام، مع ذلك،  مشجعاً ولكن أكثره مدعاة لذلك كان الوارد من خارج دائرة صاحب الورقة تماماً: بضعة شبان وشابات موزعون جغرافياً، بعيدون عنه عمراً بمراحل طبعاً، كما لاعلاقة لهم به شخصية كانت او متصلة  بتجربته الحزبية السابقه بعثية كانت أو يسارية عموماً. بدا عندئذ ان للورقة مستقبلاً ما غير ان القطاع العمري الذي ينتمي اليه هؤلاء الشباب هو نفسه الذي لم يلبث أن قال بعكس ذلك وبأعلي صوت ممكن. فبعد أقل من شهرين من نشر الورقه إفتتحت تونس موجة الثورات العربية التي أثبتت أن التغيير ( السريع ) ممكن بعكس ماتوحي به الورقة من أن قوة جذور أزمة الديموقراطية ، وتالياً تعقيد سبل الخروج منها، يحتمان إستطالة زمنية وخطوات جزئية. هنا أفكار جدل مضاد مع هذا الاستنتاج.
تتقاسم الورقة مع جميع المحللين والسياسيين الاعتراف بأن ماوقع كان خارج التوقعات تماماً. أكيد ان الورقه توحي بعدم إمكان وقوع التغيير السريع بأكثر من الاخرين لان الخروج من العمق الاعمق لازمة الاستعصاء الديموقراطي الذي تدعي تحسسه أصعب من الخروج من العمق الاقرب الي السطح،  ولكن هل يمكن القول بأنها، رغم ذلك وبأفتراق عن الاخرين، وضعت اليد باكراً علي أهم الحقائق التي ابرزتها هذه الثورات وهي  ان قياداتها المحركة في طور المبادرة جاءت من خارج أطر العمل السياسي المباشر والحزبي خاصة وأن طبيعة التكوين التعليمي شكلت العنصر الحاسم في ترشيحها لهذا الدور ؟ في مصر تصدرت المشهد القيادات النابعة من حركات شبه سياسية مثل " كفايه " واخري إنترنتية مثل موقع خالد سعيد ( وائل غنيم )، وانتفاضة تونس كانت بلا رأس معروف سوي شبكات التواصل الاجتماعي. هذه قوي غير متماسكة او محددة ايدولوجياً او تنظيمياً فهي بذلك أقرب الي مفهوم المجتمع المدني اللاسياسي الذي توصلت الورقة الي أنه ركيزة الخطوة الاولي علي طريق الخروج  من حالة الاستعصاء، مقروناً بالاصلاح التعليمي. نظام بن علي الشمولي والعلماني معاً إنطوي علي احد مقومات هذا الاصلاح لان نظامه التعليمي كان مفتوحاً وخالياً من الحشو الديني الذي تلجأ اليه الانظمة الشمولية غيرالعلمانيه ( السودان نموذجاً ). كذلك كان الحال، بدرجة أقل ولأسباب مختلفة، بالنسبة لنظام مبارك المصري.
بهذا المعني يمكن للورقة الادعاء بأنها كانت أقرب الي توقع الانتفاضات من غيرها. بل إن توسيع نطاق هذا الادعاء ممكن بالاشارة الي أن الخطة التي تطرحها الورقة  للخروج من الازمة توفر حوافز أقوي لأمكانية وقوع التغيير السوداني السريع، مجنبة إياه في نفس الوقت نوعية المصاعب الجمة التي يعانيها النموذجان المصري والتونسي بعد وقوعه. اذا افترضنا صحة استقصاء الورقة لأصل الازمة وكيفية تفكيكها،علي الاقل لكونها لاتجرب المجّرب دون نجاح حتي الان، فأنها بذلك تزيل العقبة المزدوجة التي تقف الان أمام الاندفاع الكلي  للقيادات الشبابية نحو صنع التغيير. فصّحة الافتراض تعني أن الورقة تقدم  تشخيصاً جديداً  وأسلم لمكامن قوة نظام  يونيو 89 وضعفه لكونه تفرعاً عن الازمة العامه، بما يهيئ إمكانية إحداث إختراق في حالة التخبط والمراوحة في المكان التي نتجت عن غياب مثل هذا التشخيص في عمل المعارضة الحالي، مبدداً الشعور بالاحباط المتقطع او الدائم ودافعاً، بذلك ،لاستمرار النشاط المعارض وتصعيده. وأكثر من ذلك فأن صحة الافتراض تعني أن الورقة تجيب علي السؤال الذي يلخص الشكوك الشبابية وغير الشبابية حول مدي نجاعة جهودها وتضحياتها : ماهو البديل للنظام الحالي، وتحديداً، هل هو  عودة القيادات القديمه ؟ الواقع أن الورقة تقول للشاب /ه : البديل هو أنت. وهي لاتقول ذلك بشكل وعظي أو أعتباطي وإنما بشكل مقنع لكونها ترسم خارطة طريق جديدة نحو تأسيس نظام ديموقراطي قابل للحياه. فذلك يعني ان كل جهد يبذله الشاب/ه  للتفاعل مع هذه الخارطة لن يذهب هدراً كما يحدث حالياً وأنما سيصب في مجري التطوير النوعي والكمي للعمل المعارض بما في ذلك تأمين نجاح عملية التأسيس بالتوفير التدريجي للشرط الذي تسبب غيابه في الفشل حتي الان وهو نشر وتعميق الديموقراطيه كثقافه وسط النخب المحركة للتغيير. كما أن إعادة تأسيس العمل المعارض علي هذا النحو التطويري تضيق فرص وجود مكان فيه لاي قيادات لاتنسجم افكارها او تصرفاتها مع متطلباته لان مايُبقي القيادات التي فقدت صلاحيتها طافية علي سطح الحياة السياسية قبل وبعد  التغيير هو تدني مستوي العمل السياسي مما يجعلها موضع ولاء لدي قطاعات معينة من الجمهور كما لايسمح بظهور قيادات جديدة تحل محلها.  
هذا من ناحيه ،ولكن الادعاء الأخطر للورقة هو ان عدم تعديل أستراتيجية المعارضة وفق الرؤية وخطوط العمل التي تقترحها معناه أن التغيير السريع بأسقاط النظام، أو سقوطه بأنفجار داخلي كما تدل بعض الاشارات هذه الايام،  يكون ناقصاً ومهدداً هو نفسه بالفشل  كما حدث من قبل مرتين بعودة الدكتاتورية  بعد اكتوبر 64 وابريل 85 وكما يشير الصراع المحتدم ضد الثورة المضادة في مصر وتونس. يعود ذلك الي ان زوال القيادة السابقة ومايتعلق بها مباشرة شئ وزوال النظام الذي تقوده شئ اخر رغم كون الاول خطوة ضرورية للثاني. فمصطلح " نظام " يشير الي مؤسسات ومصالح طبقية وامتيازات وأيديولوجية معينة تتطلب تصفيتها عملية لاحقة تشمل ليس فقط  بناء نظام بديل وإنما، وهو الاهم، إحياء تيار  التنوير/ التحديث  كشرط لاغني عنه لازدهار ثقافة الديموقراطيه والانفتاح العقلي، ضماناً  نهائياً لعدم تكرار الانقلابات. من هنا فأن جهود التغيير  السوداني ينبغي أن  تكون مسلحة منذ الان بما يمكنها من إنجاز المرحلة اللاحقة أيضاً وليس فقط الاولي كما ظل يحدث حتي الان. وفي هذا للورقة، ضمن إدعاءاتها الكثيرة، ماتقترحه كخطة عمل يبدأ تنفيذها خلال فترة المعارضة للنظام قوامها تصعيد النشاطات المجتمعية المدنية كهدف في حد ذاته وكذلك للاعتماد عليها كرافعة رئيسية لاحداث قدر متواضع من الاصلاح التعليمي خلال الفترة نفسها. تشرح الورقة كل ذلك بتفصيل. مع ذلك فأن بعض التعليقات علي الورقة إعتبرت الخطة غير عملية متعللة بأن النظام لن يسمح بذلك رغم مايمكن لاي متابعة جدية لموضوع التعليم أن تتبينه من إجماع المواطنين والخبراء حول إلحاح  الحاجة للاصلاح بل وتحديد مواطنه، مثل السلم التعليمي ، يشمل حتي دوائر مؤيدة للنظام. علي كل حال فأن جميع التعليقات خلت من الاعتراض علي الحيثيات التي تقوم عليها الخطة فيما يتعلق بجذور أزمة الديموقراطيه وصلتها بالاستناره و مراحل تطورها في السياق السوداني مما تترتب عليه إمكانية خروج جهة أو شخص اخر بخطة بديلة تخدم نفس الهدف. بغير ذلك فأن الخطة المقترحة تظل مطروحة لاختبار مدي صحتها في الواقع التطبيقي حسماً للامر. وبغير ذلك، ومعه، هناك القاعدة الصحيحة القائلة بأن الخطوة العملية المنتجة للتقدم في كافة مناحي الحياة يسبقها ويرافقها وعي يتمثل في سلامة اتجاهها بما يجعل هذا الوعي جزء لايتجزأ من الطابع العملي للخطوة نفسها إذ بدونه يتبدد هذا الطابع وتصبح الخطوة تخبطاً تشكل تراجعاً للخلف. تطبيق هذه القاعده فيما نحن بصدده يعني إن اي جهد يبذل لانضاج هذه الحيثيات وتطويرها ثم تحويلها لمادة تثقيف للناشطين السياسيين والثقافيين، شباباً كانوا أم كهولا، هو في حد ذاته جهد عملي بأمتياز.