عام 2000 اصدر مجلس قيادة الثورة العراقي قرارا يقضي بتنفيذ عقوبة قطع اللسان علي الجرائم المتعلقة بالاساءه الي القياده، وذلك بعد ست سنوات من قرارات عقوبة قطع الاذن علي الفرار من الخدمة العسكرية واخري تعاقب بقطع الايدي والاقدام.  قائمة القطع البشعة هذه كانت اخر درجات سلم الانحدار في مسيرة قطع اللسان المجازي، والاخطر، المتمثل في الالغاء الكامل والشامل للصوت العراقي- العربي  الاخر، بما في ذلك صوت دستور حزب البعث الصادر عام 47.  يصعب تصديق ان ثمة علاقة بين هذا الحزب وذاك الذي يقوم المبدأ الثاني في دستوره علي حرية الفرد، جوهر الليبرالية، مثبتاً إن : " حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة ان تنتقصها " ثم يفصل ذلك في عدة مواد ، الا اذا أدركنا ان هذا الانحدارالبالغ الشذوذ يندرج ضمن مايمكن تسميته ب " ظاهرة تحجر اليسار العربي". فالصيغة البعثية زاملت مجموعة صيغ ايديولوجية اشتراكية التوجه خلال النصف الاول من القرن الماضي شكلت سعياً مركزاً ومخلصاً لهز جمود العقل العربي الناجم عن اغلاق باب الاجتهاد الاسلامي، أعاقه أن القاسم المشترك بينها كان إغلاق باب التفاعل النقدي ولكن الايجابي مع التنوير الغربي.  رغم كون التنوير الغربي، في قول مبسط، هو  "بضاعتنا التي ردت الينا" من فلسفة ابن رشد حتي موسيقي الفارابي، الا ان ظروفا تاريخية معينة دفعت بتلك الصيغ الي حضن نموذج التحديث الماركسي المطبق سوفياتيا وبقيت عاجزة عن الاستيقاظ علي الخلل الجوهري في هذا النموذج،وهو محاولة إنجاز تحرير الانسان- الطبقه بسلب حرية الانسان- الفرد، رغم التأكيدات علي الخصوصية ومحاولات التميز، لاسيما من قبل النموذج البعثي.
الانغلاق المعني سنلحظه قاسما مشتركا أيضا مع الاسلام السياسي في نشوئه الانحرافي خلال نفس الحقبة الزمنية عن تراث الشيخ  محمد عبده، أحد اهم ممثلي بواكير التعاطي العربي الاسلامي الايجابي مع التنوير الغربي، عبر مرحلة خليفته  الشيخ رشيد رضا.  وهو التقاسم الذي افضي حتمياً في نهاية المطاف الي التماهي مع صيغة الاسلام السياسي  التقليدي في أدني درجات انحداره تبشيعاً بكرامة الانسان وجسده، رغم الصراعات، الدموية احيانا، بين القومي-اليساري والاسلامي..
كما أن هذا الانغلاق أفضي، فيما يخص الاحوال العربية الحالية، الي حرمان العراقيين من الخيار الليبي : الترحيب، بل والمطالبة، بدور غربي فعال ومباشر لفك قبضة الاستبداد  ( الوطني ) الخانقة علي الارادة الشعبية، سبيلٌ لم يترك هذا الاستبداد غيره لحق الشعب الليبي الانساني بالشروع في إقامة نظام ديموقراطي يحرره نهائيا من حاجات كثيره من بينها الاستعانة بالجيوش الاجنبيه. خلف توجه المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي لم يستثن الحضور الغربي البري صراحة، رأينا الاف الليبيين يحملون اعلام الولايات المتحدة الامريكية ولافتات الشكر باللغة الانجليزية، فهل حقاً كان موقف العراقيين إزاء الجيوش الغربية عام 2003 مختلفاً أم ان حملة الابتزاز  الضارية التي اطلقها التحالف الاسلامي- القومي- اليساري ممتدة من التخوين الي التكفير، قطعت السنتهم مجازاً حتي بعد زوال النظام الذي ابتدع القطع فعلا ومجازا؟ لقد انتخب العراقيون، واكثر من مره، السياسيين الذين قبلوا بالاحتلال المشرعن دوليا بعد وقوعه ولكن علي اساس طائفي واثني- قومي كشف عن الاثار العميقة لحملة التجريف من كل اثر استناري التي تعرضت لها البيئة العراقية نتيجة انحدار القيادة البعثية الصّدامية نحو تديين السياسة والثقافة والمجتمع والايغال في احتكار السلطة. تحت هذه الوطأة الباهظة، مقرونة بالضغوط الجبالية الناجمة عن الحروب والحصارات علي حياة الناس اليومية، لجأ العراقيون مرغمين الي حصون الانتماءات ماقبل- الوطنية حفاظا علي الوجود المجرد مستسلمين في الوقت نفسه، نفسيا وذهنياً، لطوفان التديين المحيط بهم من كل المنافذ في ظروف عزلة مطلقة عن العالم الخارجي . من هنا كان العقل العراقي عام 2003 مهيئاً لنقيضين : التعامل الايجابي القبولي بالتدخل الغربي برأس  حربته الامريكي كرد فعل طبيعي ضد حالة القمع الممتدة طولا وعرضاً، وفي الوقت عينه الاستجابة للتحريض ضده لكونه عدو ديني وفق منطوق الخطاب الديني الخام الذي تشربه من الحقبة الصّدامية. وبينما وفرت قابلية الاستجابة هذه البيئة الحاضنة لبؤر التكفيريين المحليين والمستوردين القاعديين وغير القاعديين، فأنها لم تلبث ان فجرت مخزون الانقسامات الطائفية- المذهبية والاثنية- القومية الموروث من نفس الحقبة مرتفعاً الي أتون الحرب الاهلية الشيعية- السنية بين عامي 2006-2008 بعد نسف مرقدي الامامين في سامراء.
شرارة الحرب الاهلية لازالت متقدة تحت الرماد والعملية  السياسية تترنح من أزمة الي اخري، فهل ينجح العراقيون في عبور هذه المرحلة الحرجة التي تهدد بأستيلاد دكتاتور جديد غب رحيل القوات الاجنبيه ؟ مشروعية التساؤل مصدرها الارتفاع المضطرد لمطلب الاستقرار والامان بأي ثمن في سلم اولويات الشعب العراقي.  والاهم ان هذا الارتفاع معزز بغربة الديموقراطية عن الثقافة السياسية العربية عموما بسبب جفاف منبعها التنويري بعد توقف عملية التفاعل مع رصيد تجربة التنوير الغربيه. هذا هو البعد الحقيقي للتحدي الذي يواجه مهمة بناء الديموقراطية عراقيا وليبيا، وأمام كافة ( الثورات ) العربية الجارية والمحتمله، ولايعتبر القبول الاضطراري المشروع بالتدخل العسكري الغربي دليلا علي امكانية النجاح في مواجهته.
( عن جريدة الحياه/ لندن 21 مايو 2011 )
http://international.daralhayat.com/internationalarticle/268793