حدث ذلك والانتفاضة لازالت ندية خضراء لم يتجاوز عمرها بضعة اشهر. علق احد الاصدقاء ساخرا : " انها انتفاضة من نهض واقفا ونفض عن ثيابه التراب  ليعود للتمرغ فيه مرة اخري". بدت النبوءة لصاحب هذا المقال وقتها مغرقة في التشاؤم، مع ذلك فأن ماهداه اليه تفكيره حول هذا الموضوع فيما بعد لم يكن بعيدا عنها وان اتخذ شكل محاولة للتفسير وبالتالي انعاش الامل في امكانية تفادي هذا المصير.  وفق هذه المحاوله فأن قصر عمر الانتفاضة وضالة مكاسبها مصدرهما ان الاركان الثلاثة للمؤسسة المايويه بقيت حية الي درجة او اخري رغم نجاح الجهد الشعبي والنخبوي في اقصاء قمتها ممثلة برئاسة الجمهوريه برمزها ومركزها جعفر نميري واداتيها السياسيه ( الاتحاد الاشتراكي ) والامنيه ( الامن  القومي ).  هذه الاركان الثلاثة هي : النخبة الحاكمه غير السياسيه والتركيبة الطبقية- الاجتماعيه  والايدولوجيه الاسلاميه.
       لب النخبه المذكوره كان المجلس العسكري الانتقالي الذي نازع مجلس الوزراء الانتقالي سلطته منتهكا بذلك مقتضيات حياديته كرأس للدوله وفقا للدستور وبدا منحازا ضد قوي الانتفاضة الحزبية والنقابيه بوضوح اكثر من ذلك في قراره بتسريح 12 ضابطا هم المجموعة الاقرب في تكوينها الفكري والسياسي ونشاطها لهذه القوي.  تاريخ علاقة العسكرية السودانية بالسياسه عرف ثلاثة  اطوار يبدو  المجلس العسكري خارجا عنها. الطور الاول ، ممثلا في انقلاب عام 58، هو طور العسكري المحترف الذي فرض عليه الدور السياسي بأوامر من الرؤساء المدنيين الي قيادة الجيش. الطور الثاني هو طور العسكري السياسي. فمجموعة انقلاب مايو 69 تكونت من رتب متوسطه وصغيره ومعظم عناصرها كانت متداخلة في النشاط السياسي بدرجات متفاوته وموزعة بين اكثر من جهه. والطور الثالث ،ممثلا في انقلاب 89 ، هو طور العسكري العقائدي وهي درجة التسييس القصوي بحكم تميزه  بقدر عال من الانضباط الفكري والتنظيمي، وانتماء قادة الانقلاب ثابت الي حزب عقائدي معين بطبعاته المتعدده : الاخوان المسلمون وجبهة الميثاق الاسلامي والجبهة القومية الاسلامية.  اما المجلس العسكري الانتقالي فهو هجين من ملامح الطورين الاول والثاني محترف جزئيا ومسيس جزئيا، لانه نتاج بداية عملية انهاء الطابع الاحترافي للجيش بدمجه في نظام شمولي من حيث وظيفته ونظم التجنيد والتدريب والتعبئة خلال الحقبة المايويه واستكملها الطور الثالث.  هذا النوع من الانظمه يدخل عنصر الولاء السياسي له بشكل مباشر وغير مباشر في تعريف المهنية او الاحترافيه اذ يشترط، في الحد الادني، انعدام الميول السياسيه لدي منتسبي الجيش ولاسيما القيادات العليا الا اذا كانت لمصلحته فتصبح المهنية بذلك حراسة للنظام سواء توقف الامر عند حد انعدام الميول او وصل درجة الانتماء للنظام سياسيا. من هنا فان دوافع الدور الذي لعبه المجلس العسكري الانتقالي، وخاصة رئيسه المشير سوار الدهب ونائبه الفريق تاج الدين عبد الله فضل، في تعويق مسار الانتفاضه، مستحقا بذلك صفة الركن في المؤسسة المايويه، تقع في مكان ما بين هاتين الخاصيتين.
   الركن الثاني في المؤسسة المايويه هو المشترك الايديولوجي الاسلامي بين المايويه والجبهة الجبهة القومية الاسلاميه الذي توطد خلال سبع سنوات من تحالفهما. فلا انفضاض هذا التحالف عشية الانتفاضه ولا نهاية الحقبة المايويه كسلطه اوقف فعل هذه الايدولوجيه الذي كان قد بلغ ذروته في اصدار قوانين الشريعه عام 1983.  وهي القوانين التي استخدمتها الجبهة الاسلاميه مدفعية ثقيلة لفتح ثغرات في حصون الانتفاضه واختراق المكونات التنفيذية والتشريعية  للفترة الديموقراطيه.  علي ان توسع نفوذ الايدولوجيه الاسلاميه ظاهرة اقدم ترجع الي مزيج من ديناميكية القياده وعوامل موضوعية اهمها تقلص جاذبية النماذج اليساريه القومية والاشتراكيه والارتفاع الكبير والسريع لقابلية القسم الاكبر من النخب المدينية، الفاعل الرئيسي عادة في تطور البلاد،  للتجاوب مع المنطق والتخريجات الدينية تحت الضغوط الباهظة لتردي الاحوال المعيشيه ومناهج التعليم.  وليس  ادل علي قوة تأثير هذا الركن من اركان المؤسسة المايويه من كونه شكل المحرك الرئيسي لاعادة انتاجها منذ عام 89 في هيئة نظام حكم هو الاطول عمرا من بين الانظمة التي عرفها تاريخ السودان الحديث.
الركن الثالث في المؤسسة المايويه هو التغييرات الجذرية في البنية الاقتصادية- الاجتماعية  التي تمخضت عن تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1978، بما فيها لاحقا اجراءات الاسلمه، بدء من القطاعين المصرفي والتجاري. فصدرت قوانين تشجيع الاستثمار الاجنبي في كافة قطاعات الاقتصاد وجري تحريرالتجارةالخارجيه وفتح المجال لانشاء مصارف  خاصه كما شرع في خصخصة بعض المنشات الصناعيه.  وفي ظل انعدام شرط الديموقراطيه وبالتالي الية مراجعة السياسات الاقتصادية وتصحيحها نمت قوي ( رأسماليه ) غير منتجه من خلال قناتي السوق الاسود وتجارة العمله اساسا. ومن اهم المؤشرات هنا تراجع اسهام قطاعي الزراعة والتعدين والصناعات التحويليه في الدخل القومي خلال الحقبة المايويه بينما ارتفعت نسبة مساهمة قطاع الخدمات. ونشأت نتيجة لذلك ظاهرة الاستقطاب الحاد في توزيع الثروه اذا تشير بعض التقديرات المعتدلة الي استحواذ فئة ال10% العليا من السكان علي مايقارب ال36 % من الدخل القومي بينما لايتجاوز نصيب ال10% الدنيا 1,7 % .      
  علي اساس هذا التحليل يغدو ممكنا توصيف الحقبة الانقاذيه بأنها استمرار معدل نوعا ما للحقبة المايويه لان التعديلات الاهم التي تنطوي عليها اتفاقية نايفاشا وشراكة الحكم مع الحركة الشعبيه لازالت محدودة حتي الان. النخبة العسكرية لاتزال اللب الحقيقي للسلطه والايدولوجية الاسلامية حية شمالا وفق احكام الدستور التي تنص علي الشريعة كمصدر للقوانين بينما الرأسمالية الطفيليه اكتسبت مقومات اكثر انتاجيه ولكنها تتلازم مع تعمق طابعها الاعمي اجتماعيا في غيبة الاطار الديموقراطي.  وفي سياق هذه الاستمراريه يأتي ما نلمسه مؤخرا من تجاوز عملية رد الاعتبار لرموز الحقبة المايويه وعلي رأسهم جعفر نميري، الي اعادة تأهيلها بالاعلان عن احياء اداتها السياسيه الاتحاد الاشتراكي السوداني في العاشر من الشهر الماضي وقبل ذلك عودة اسمي المشير سوار الدهب واللواء عثمان عبد الله للتداول السياسي ضمن لجنة جمع الصف الوطني.