عبد العزيز حسين الصاوي ( عن جريدة الحياه )
في خضم المعالجات التحليلية والاخباريه للحدث المصري، وقبله التونسي، الكبير كان المنظور السوداني قد لاحظ محدودية الاهتمام بالمثيل السوداني رغم انه  تكرر اكثر من مره.  والمعني بذلك ما أستقر في الادب السياسي السوداني وصفه ب " ثورة اكتوبر/ تشرين اول 1964 " التي اسقطت اول نظام انقلابي في تاريخ السودان كان قد انقض علي سلطة الاستقلال الوطني بعد عامين فقط من اكتمالها. وبعد مايقارب ربع قرن من الزمان وقعت " انتفاضة ابريل/ نيسان 1985  " ضد نظام الانقلاب الثاني في تاريخ البلاد . الواقع ان قصة اكتوبر السوداني التي لم ترو بعد في كتاب النقد الذاتي اليساري السوداني، وكذلك قصة ابريل 85 التي لم ترو بعد في كتاب النقد الذاتي الاسلامي، هي قصة الانتفاضة الشعبية المغدورة بواسطة من قادوها ... ليس القيادات ولاحتي الاحزاب فقط وانما ،وهو الاخطر بما لايقاس،مجموعات النخب والمناخ العام في المرحلة المعينه. بذلك بقيت الخبرة المفيدة مستقبليا من هذين الحدثين المفصليين في تاريخ السودان الحديث غائبة عن الذهن  السياسي السوداني مايفسر تمكن الشمولية الدينية من المجتمع نفسه قبل سلطة الدوله منذ الثمانينيات خاصة، ومايجعل اعادة استكشاف هاتين الانتفاضتين مفيدا للحدث المصري الكبير الراهن .
    ثورة اكتوبر كانت حراكا شعبيا باهرا علي ساقي اضراب سياسي عام وحضور شارعي قوي، الاشمل من نوعه عربيا بالتأكيد حتي الان، وصناعة يسارية، شيوعيه خاصة،  بأمتياز.  وقتها كانت الموجة الاشتراكية  طاغية عربيا وعالمثالثيا منذ الخمسينيات حد ظهورها كلثوميا عبر البيت الشهير " الاشتراكيون انت امامهم / لولا دواعي القوم والغلواء "، في قصيدة شاعر الارستقراطيه المصرية احمد شوقي " ولد الهدي " . في السودان أطلقت هذه الموجه ديناميكية فعاله لمجموعة من  أميز مثقفي ومتعلمي مابعد الاستقلال عام 56 اختارت صيغتها الشيوعية- الماركسيه. وفي مجال نخب حَضَريه وشبه حضريه  مفتوح امامها دون منافسة من صيغة تقدمية اخري  شكلت الحركة الشيوعية أرقي اشكال التنظيم السياسي والنقابي مفتتحة عصر السياسة السودانية  المفّكِرة  القائمة علي التخطيط المشتق من اسس نظرية معينه. علي انه كما كان كعب اخيل الحركة الاشتراكية عموما ، كما اثبتت الانهيارات المتتالية لنماذجها الدوليتة منذ الثمانينيات، هو أوللة ( من أولويه ) الديموقراطي اجتماعيا علي الديموقراطي سياسيا فأن الجهد التاريخي لصيغتها السودانيه بأعلاء مصالح الطبقات الشعبية وتفجير الوعي العام بحقوق المشاركة في السلطة  والثروه صب في مسار مسدود النهايات، مما انتهي بها لتمهيد مخرج انقلابي منه. فالنجاح الباهر لهذه النخب في  تفكيك نظام الدكتاتورية الاولي ( 58- 64 ) وضعها وجها لوجه أمام مأزقها حول قضية الوصول للسلطه متمثلا في العجز عن منافسة الاحزاب التقليدية ذات الثقل الريفي الطائفي انتخابيا، بينما تنافيها الايديولوجي مع الديموقراطية الليبراليه الكامن في صلب ماركسية الحزب الشيوعي الكلاسيكية نسبيا حينذاك، يمنعها من التفكير والتخطيط لاستثمار رصيدها الاكتوبري الغني لتأهيل نفسها مستقبليا لمثل هذه المنافسه. وفي المناخ  النخبوي الجامع بين التعبئة ضد الاخطارالمحدقة بمكاسب ثورة اكتوبر من فوز أحزاب الزعامات القديمة بسلطة دولتها والتثقيف اللاديموقراطي، المتغذي ايضا بدسامة  النموذج الناصري القريب للسودان بأكثر من معني، كان حتميا ان يأتي الانقلاب الثاني من اوساط هذه النخب نفسها، لاسيما في مجتمع ماقبل- استناري لم تترسخ فيه البنية التحتية للديموقراطيه كثقافه رادعه لاي تفكير او سلوك يتناقض معها. في 25 مايو 1969 استولت مجموعة ضباط ناصرية- يساريه من الرتب الوسيطة علي السلطه بقيادة جعفر نميري وسط احتضان مادي ومعنوي ملموس من المناخ الذي صنعه ناشطو ثورة اكتوبر 64 ضد الدكتاتورية الاولي إذ تبنت برنامجا انتخابيا كانت قد طرحته القوي الاشتراكيه.
      عند هذه النقطه  بدأ الترسب التدريجي للنموذج  النقيض- المشابه ليتجسد متكاملا بعد 15 عاما في انقلاب يونيو/ حزيران 89 منبثقا، هذه المره، عن مناخ صنعه الناشطون الاسلاميون مستثمرين مجموعة من التطورات السودانية وغير السودانيه التي  رشحت الفكر السياسي الديني وممثليه الحركيين كبديل لليسار. داخليا، وكما هو شأن كافة السلطات اللاديموقراطية  المنشأ، تدهور التعايش القلق بين قيادة انقلاب مايو 69 وحلفائه من اليسار المنظم حزبيا الي صراع عنيف، دفع بها تدريجيا نحو اليمين متخلية عن مشروعيتها التقدمية الي مشروعية تنمويه محايده ايدولوجيا تمشيا مع الحقبة الساداتيه  في مصر ومع الحاجة للدعم من الاوساط الحزبية والشعبية غير  اليساريه السودانيه. ومع انطفاء جاذبية النموذج الناصري بعد هزيمة 67 وتزايد وزن  النموذج السعودي – الخليجي اثر تدفق البترو دولار بعد حرب 73  متزامنا مع تفاقم الازمات الاقتصاديه والمعيشيه السودانيه التي وصلت حد المجاعه في غربي البلاد، انفتح الذهن النخبوي والشعبي السوداني ملجأ للتدين الخام والتبسيطي. هذه البيئة المناقضة تماما لبيئة ماقبل اكتوبر 64 نفخت الروح في حركة الاخوان المسلمين الخامله لتنجب قيادة الترابي الشابه عمرا وتفكيرا فولدت من جديد بديناميكية عاليه رفعت معدلات نمو الحركة الاسلامية منذ اواخر السبعينيات بمراحل مقارنة بمعدلات نمو كافة الأحزاب الاخري، مقصية اليسار من موقعه في قيادة النخب المدينية المدينيه الحضريه. من هنا فأن انتفاضة 6 ابريل/نيسان 85 التي اطاحت بسلطة النميري كانت، بالاساس، ناتج فك تحالفها مع الحركة قبل ذلك بشهر واحد وليست ناتج احتشاد ديموقراطي التوجه قريب بأي درجه من احتشاد ثورة اكتوبر وعيا او تنظيما، لان الحركة كانت مؤهلة تماما لافشال اي اضراب سياسي او حضور شوارعي لو بقي التحالف قائما. ودليل ذلك الاقوي ان الجبهة القوميه الاسلاميه، الاسم الجديد للحركه الاسلاميه وقتها،  تمكنت بسهوله من العوده الي قلب مرحلة مابعد العهد الانقلابي الثاني رغم تحالفها معه لمدة 7 سنوات وحتي اللحظة الاخير (تحديدا  9 مارس/ اذار 85)  مخترقة كافة مؤسساته في تشكيلة المجلسين العسكري والوزاري الانتقاليين والاجهزة الامنية والعسكريه وحتي برلمانه حيث حققت مايشبه الاكتساح في الانتخابات  التي جرت عام 86 قافزة الي المركز الثالث بعد الحزبين الانتخابيين تقليديا، الامه والاتحادي الديموقراطي.  علي أن عقائديتها الدينيه المحتوي جعلت منها مصمتة ضد الديموقراطية الليبراليه أكثر من اليسار، فانجرفت علي طريق الانقلاب والشموليه، فكانت سلطة انقلاب يونيو/ حزيران يونيو 89 المتسلطة حتي الان في مجتمع ممسوك بفعل تدهور خصائصه ماقبل- الاستناريه الي خصائص ضد- استناريه فائضا بفكر الخرافة والغيبيات الذي يستولد من الحركة الاسلاميه التكفيريات بنواصبها وروافضها المدمره حتي لهيكل الدولة المجرد كما وقع بأنفصال الجنوب والبقية تأتي.
KAMIL MAAROUF [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]