عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مثل كثيرين من جيله يصعب علي صاحب هذا المقال ان يتعامل ببرود عقلاني مع الملحمة الخالدة التي يسجلها الشباب المصري في كتاب الثورات، إذ يعايشها بقدر أو اخر مستعيدا ايام اكتوبر 64 وابريل 85 السودانية الخالده. علي ان نظراً أعمق في هاتين التجربتين بالذات يحتم علي المرء ان يتجرد من كل العواطف والانفعالات ويلقي اضواء علي  الحدث المصري بقدر ما يستطيع، انطلاقا من تقييم  التجربتين السودانيتين من منظور حصيلتيهما في استدامة الديموقراطيه.
الواقع ان قصة حدثي اكتوبر  وابريل  الكبيرين التي لم ترو بعد في كتاب النقد الذاتي الانتفاضي السوداني، هي قصة الانتفاضة الشعبية المغدورة بواسطة من قادوها ... ليس القيادات ولاحتي الاحزاب فقط وانما ،وهو الاخطر بما لايقاس،مجموعات النخب والمناخ العام الذي تمخضت عنه الانتفاضه. بذلك بقيت الخبرة المفيدة مستقبليا من هذين الحدثين المفصليين في تاريخ السودان الحديث غائبة عن الذهن  السياسي السوداني مايفسر تمكن الشمولية الدينية من المجتمع نفسه قبل سلطة الدوله. بعبارة اخري ليس صحيحا، وفق ادعاء هذاالمقال، ان اجهاض المكاسب الديموقراطيه للانتفاضتين كان بفعل قوي من خارج صناعها، اوعلي الاقل، بفعل هذه القوي وحدها.
 ثورة اكتوبر كانت حراكا شعبيا باهرا علي ساقي اضراب سياسي عام وحضور شارعي قوي شارك فيه الجميع أحزابا وأفرادا تحضيرا وتنفيذا، ولكن الوقائع تقول بأنها كانت صناعة يسارية، وشيوعيه خاصة.  وقتها كانت الموجة الاشتراكية  طاغية عربيا وعالمثالثيا منذ الخمسينيات والرأسمالية ورصيفتها الامبريالية يتراجعان تحت ضغط انظمة ناصر  المصري  ونكروما الغاني  وسوكارنو الاندونيسي وأضرابهم، والهزائم الامريكيه في فيتنام وغيرها ونمو الحركات السياسيه المسلحة بالايدولوجيا الاشتراكيه حتي في امريكا نفسها مثل " الفهود السود ". في السودان كانت بداية هذه الموجه قد أطلقت ديناميكية فعاله لمجموعة من  أميز مثقفي ومتعلمي مابعد الاستقلال عام 56 اختارت صيغتها الشيوعية- الماركسيه. وفي مجال النخب الحَضَريه وشبه الحضريه  شكلت الحركة الشيوعية أرقي اشكال التنظيم السياسي والنقابي مفتتحة عصر السياسة السودانية  المفّكِرة  القائمة علي التخطيط المشتق من اسس نظرية معينه، ومن ذلك اكتشاف وطرح فكرة الاضراب السياسي ومن ثم إعداد مستلزماتها. علي انه كما كان كعب اخيل الحركة الاشتراكية عموما ، كما اثبتت الانهيارات المتتالية لنماذجها الدوليتة منذ الثمانينيات، هو أوللة ( من أولويه ) الديموقراطي اجتماعيا علي الديموقراطي سياسيا، فأن الجهد التاريخي لصيغتها السودانيه بأعلاء مصالح الطبقات الشعبية وتفجير الوعي العام بحقوق المشاركة في السلطة  والثروه صب في مسار مسدود النهايات، مما انتهي بها للتمهيد لمخرج انقلابي منه. فالنجاح الباهر لهذه النخب في  تفكيك نظام الدكتاتورية الاولي ( 58- 64 ) وضعها وجها لوجه أمام مأزقها حول قضية الوصول للسلطه متمثلا في العجز عن منافسة الاحزاب التقليدية ذات الثقل الريفي الطائفي انتخابيا، بينما تنافيها الايديولوجي مع الديموقراطية الليبراليه الكامن في صلب ماركسية الحزب الشيوعي الكلاسيكية نسبيا حينذاك، يمنعها من التفكير والتخطيط لاستثمار رصيدها الاكتوبري الغني لتأهيل نفسها مستقبليا لمثل هذه المنافسه. وفي المناخ  النخبوي الجامع بين التعبئة ضد الاخطارالمحدقة بمكاسب ثورة اكتوبر من فوز أحزاب الزعامات القديمة بسلطة دولتها، والتثقيف الفكري اللاديموقراطي، كان حتميا ان يأتي الانقلاب الثاني من اوساط هذه النخب نفسها. وهكذا في 25 مايو 1969 استولي خليط ناصري – يساري من ضباط الرتب الوسيطه علي السلطه بقيادة جعفر نميري متبنيا برنامجا انتخابيا كانت قد طرحته القوي الاشتراكيه، وكان طبيعيا ان يجد احتضانا ماديا ومعنويا ملموسا من المناخ الذي صنعه ناشطو ثورة اكتوبر 64 ضد الدكتاتورية الاولي.
      عند هذه النقطه  بدأ الترسب التدريجي للنموذج الانتفاضي  النقيض- المشابه ليتجسد متكاملا بعد 15 عاما في انقلاب يونيو 89 منبثقا، هذه المره، عن مناخ صنعه الناشطون الاسلاميون مستثمرين مجموعة من التطورات السودانية وغير السودانيه التي  رشحت الفكر السياسي الديني وممثليه الحركيين كبديل لليسار. داخليا، وكما هو شأن كافة السلطات اللاديموقراطية  المنشأ، تدهور التعايش القلق بين قيادة انقلاب مايو 69 و( حلفائه ) من اليسار المنظم حزبيا الي صراع عنيف، دفع بها تدريجيا نحو اليمين متخلية عن مشروعيتها التقدمية الي مشروعية تنمويه محايده ايدولوجيا تمشيا مع نشوء الحقبة الساداتيه  في مصر ومع الحاجة للدعم من الاوساط الحزبية والشعبية السودانيه غير  اليساريه. ومع انطفاء جاذبية النموذج الاشتراكي الناصري بعد هزيمة 67 وتزايد وزن  النموذج السعودي – الخليجي الاسلامي اثر تدفق البترو دولار بعد حرب 73  ، متزامنا مع تفاقم الازمات الاقتصاديه والمعيشيه السودانيه التي وصلت حد المجاعه في غربي البلاد، انفتح الذهن النخبوي والشعبي السوداني ملجأ للتدين الخام والتبسيطي. هذه البيئة المناقضة تماما لبيئة ماقبل اكتوبر 64 هي التي نفخت الروح في حركة الاخوان المسلمين الخامله لتنجب قيادة الترابي الشابه عمرا وتفكيرا فولدت من جديد بديناميكية عاليه رفعت معدلات نمو الحركة الاسلامية بمراحل مقارنة بمعدلات نمو كافة الأحزاب الاخري منذ اواخر السبعينيات ، مقصية اليسار من موقعه في قيادة النخب المديينية ( بلغت نسبة اصوات الجبهه الاسلاميه في انتخابات مابعد الانتفاضه 18.5 % مقابل 1.7 % للحزب  الشيوعي ). من هنا فأن انتفاضة 6 ابريل 85 التي اطاحت بسلطة مايو 69 كانت، بالاساس، ناتج فك تحالفها مع الحركة الاسلاميه قبل ذلك بشهر واحد وليست ناتج احتشاد ديموقراطي التوجه قريب بأي درجه من مستوي احتشاد ثورة اكتوبر وعيا او تنظيما، لان الحركة كانت مؤهلة تماما لافشال اي اضراب سياسي او حضور شوارعي لو بقي التحالف قائما. ودليل ذلك الاقوي ان الجبهة القوميه الاسلاميه، الاسم الجديد للحركه الاسلاميه وقتها،  تمكنت بسهوله من العوده الي قلب مرحلة مابعد العهد الانقلابي الثاني رغم تحالفها معه لمدة 7 سنوات وحتي اللحظة الاخير (تحديدا  9 مارس 85)  مخترقة كافة مؤسساته في تشكيلة المجلسين العسكري والوزاري الانتقاليين والاجهزة الامنية والعسكريه وحتي برلمانه حيث حققت مايشبه الاكتساح في الانتخابات  التي جرت عام 86 قافزة الي المركز الثالث بعد الحزبين الانتخابيين تقليديا، الامه والاتحادي الديموقراطي (نسبة الاصوات : الامه 38 %، 29.5 % للاتحادي، 18.5 % للجبهه). علي أن عقائديتها الدينيه المحتوي جعلتها مصمتة ضد الديموقراطية الليبراليه أكثر من اليسار، فانجرفت علي طريق الانقلاب والشموليه، فكانت سلطة انقلاب يونيو 89 المتسلطة حتي الان في مجتمع مدجن ومرتبك أمام الموضوع الديني بفعل تدهور خصائصه ماقبل- الاستناريه الي خصائص ضد- استناريه فائضا بفكر الخرافة والغيبيات.
ماهو السر خلف الحصيلة الفقيرة من حيث الاستدامة الديموقراطية للانتفاضتين بحيث أعقب كل منهما انقلاب اخر، والي ذلك،من داخلها وأطول عمرا واكثر شمولية من سابقه ؟  هناك حليف سري فعال للانقلابيين مدنيين كانوا او عسكريين، يساريين كانوا ام يمينيين مؤدلجين كانوا او مجرد مغامرين، غاب ويغيب وغائب حاليا عن رؤية المعارضين هو  حالة التبرم من النظام ( الديموقراطي ) التي تنتشر  بسرعه  بين سواد الشعب بعد الانتفاضات مع انه الاكثر معاناة بما لايقاس من أفلاسات الانظمة الدكتاتوريه. بمرور الوقت تتكثف هذه الحاله الي سلبيه لاتبالي كثيرا بمصير النظام الجديد ترتفع الي مستوي التأييد الصريح للانقلاب عليه . مايو 69 استقبلته  الجموع المتأثرة بأطروحات اليسار، وكانوا اغلبية كاسحة في المدن، عبر موكب  2 يونيو الحاشد ، وازاء يونيو 89 بقي ميثاق الدفاع عن الديموقراطيه الذي وقعته كافة الاحزاب ورقة في مهب الريح. بهذا المعني الهام الانقلابات هي صناعة ضحاياها أيضا. هذه حقيقة تشكل جانبا هاما من الصوره لاتدل تصرفات وخطط المعارضة الان او ضد نظامي نوفمبر 58 ومايو 69علي انتباهها لوجوده، سواء الرسمية منها ممثلة في " قوي الاجماع الوطني " أوغير الرسميه ممثلة في المعارضات الشبابية غير المؤطرة حزبيا ( قرفنا، شباب التغيير الخ ) وتلك المؤطرة حزبيا (حركات حشد وحق ، المؤتمر السوداني، التحالف الوطني والحزب الليبرالي ).
        الديموقراطيه علي فعاليتها الظاهرة استقرارا ونماء في البلدان التي استدامت فيها، يضمن سلامة ونجاعة قراراتها وسياساتها كونها تنضج علي نار هادئه عبر التفاعل المفتوح بين الحكومه والمعارضه السياسيه وغير السياسيه ( المجتمع المدني ). غير ان الضغوط اليومية الحياتية الهائلة التي تعانيها الشعوب المحرومه ترفع سقف توقعاتها بعد مجئ النظام الديموقراطي من حيث معدل سرعة تخفيف هذه الضغوط فتصاب بصدمة الاحباط وينفتح لديها مجال القبول بوعود الخلاص الانقلابي ( السريع ) التنفيذ. فمهما كانت قوة دوافع الاقدام علي الانقلابات لدي مجموعة عسكرية او مدنية معينه الا أن دخولها حيز التنفيذ مستحيل إذا كان الرأي العام محصنا ضد الاستجابه لاغراءاتها، بل ان التفكير الانقلابي نفسه لايطرأ علي ذهن احد جدياً من الاساس. والسؤال المصيري سودانيا ومصريا و.. و.. هو  كيف يمكن إيجاد هذه الحصانه؟  أحد المداخل الواسعة للاجابة كامن في تجربة استدامة المكاسب الديموقراطيه في انتفاضات اوروبا الشرقيه، ففيما عدا يوغسلافيا السابقه التي لعب التدخل العسكري لحلف الناتو دورا في بداية تحولاتها الديموقراطيه المستدامه، حققت بقية الدول من بحر البلطيق الي اوكرانيا تحولاتها سلميا عموما بينما بقيت الجمهوريات الاسلاميه للاتحاد السوفيتي سابقا في حالة بين بين. النقطة التفسيرية الرئيسية هنا هي :  الجسر الديني المسيحي، والثقافي عموما ، مع اوروبا الغربيه مما هيأ العقل الشعبي والنخبوي في اوروبا الشرقيه للتفاعل المفتوح والكامل مع نظامها السياسي الديموقراطي، والاهم من ذلك، مع قاعدته الاستنارية التحتيه المرتكزة الي مفهوم حرية الفرد ( مقابل  الامه والشعب والطبقات  ) والتأويل العصري للدين.
افتقاد هذ الجسر لدينا ليس هو المشكلة في حد ذاته لان بيئات مسلمه مثل تركيا وماليزيا توفرت فيها  قابلية التفاعل هذه، وانما ان خصوصيات تطورنا التاريخي جعلت الانتفاضتين ضد الانظمة الدكتاتوريه بقيادة النخب المتعلمه حاجزا امام نضوج البنية الاستنارية التحتيه المولده لهذه القابليه التي كانت بوادرها قد تجسدت في النهضه الثقافيه الموازيه لحركة الاستقلال الوطني منذ الثلاثينيات. علي سبيل المثال فأن دعوات التشدد الديني كانت موجودة بين ظهرانينا علي الدوام ولكنها لم تبدأ في التحول الي قبول جماعي، او استسلام في افضل الاحوال، للتزمت الاجتماعي والتعصب الفكري والسياسي حتي وسط النخب الحضريه والمتعلمه ناهيك عن الريف البدوي والزراعي، الا منذ السبعينيات.   هناك بطبيعة الحال اكثر من سبب وراء هذا التحول ولكن يجدر التركيز علي دور صناع الانتفاضتين ( الديموقراطيتين ) في هذا الخصوص لانه ظل مهملا حتي الان. فالحاجز الاكتوبري تمثل في هيمنة الاشتراكيه ناقصة الديموقراطيه علي عقل وثقافة النخب المحركة للتغيير، قائدة الجمهور العام ومصدر تنمية وعيه، والحاجز الابريلي تمثل في هيمنة الاسلام ناقص الديموقراطيه علي هذه النخب. مهما كانت الظروف المخففة لمسئولية النخب الحزبيه وغير  الحزبيه، مثل صعوبة التمييز بين الايجابي والسلبي في النموذج الغربي بسبب حدة العداء المشروع له خلال الستينيات مقرونا بالجاذبية العالية للانظمة الاشتراكية وقتها، فأن هذه المسئوليه تبدو هنا غاية في الوضوح من حيث ماهيتها/ طبيعتها وحجمها  وكذلك علاقتها ب ( مسئولية ) سواد الشعب عن الانهيارات السريعة للانظمة الديموقراطيه.
      عدم الانتباه للمسئولية علي هذا النحو عطل ويعطل امكانية التفكير والتخطيط السليمين للعمل المعارض للانظمة الدكتاتوريه إذ يحدد اهدافه ووسائل تحقيقها انطلاقا من ظاهر المعضله فقط ( سلطةالانقلاب ) وليس مرتكزاتها التحتية أيضا، من الجزء الظاهر لجبل الجليد وليس ثقله الاكبر تحت الماء. من هنا تتذبذب حركة المعارضه بين هدف الحد الاقصي ( اسقاط النظام وبوسائل الصراع المدنيه أو العسكريه ) والادني ( الحصول علي تنازلات محدوده بواسطة التفاوض) دون نسق تصاعدي جامع ومن ثم تنتهي الي التفتت، وبالقدر نفسه تعجز المعارضات ( الجديده ) التي تنتقد عجز المعارضة الرسميه، عن تنمية بديل ذي مصداقيه.  كما تخلو استراتيجية العمل لدي النوعين من المعارضه من اي تحليل يربط بين نشوء الدكتاتوريات وهشاشة الوعي الديموستناري ( الديموقراطي- الاستناري ) النخبوي والشعبي وتاليا من أي تصورات حول كيفية تنميته. والنتيجة هي ان كل الجهود والتضحيات التي تبذل قبل الانتفاضات واثناءها تتمحور كلية حول اسقاط النظام بمعني عدم استنادها الي تصورات متبلوره حول السياسات المطلوبة من قبل حكومات مابعد الانتفاضه والمعارضه الحزبيه وغير الحزبيه لاستئصال جذوره، أي الاسقاط الحقيقي الذي لادكتاتورية بعده. بذلك ايضا يستقر في روع وذهنية الجمهور العام ان توقعاته وأمانيه ستحقق بمجرد انجاز هذا الهدف مما يجعله فريسة جاهزة للاحباط واحتياطيا، بل ومحفزا، للانقلاب التالي.  بذلك نجد انفسنا من الناحية العمليه امام المفارقة التي تجعل المطالبة بأسقاط النظام ثم إسقاطه فعلا سقفاً أعلي من امكانيات المعارضه بسبب عجزها عن منع  تكرار وقوع  مثيله الاكثر شمولية والاطول عمرا.  والاخطر من ذلك أن الفراغ الناشئ بين السقف والامكانيه يستنبت الفعاليات التي  تقدم ( حلولا ) جاهزة لالام البشر السودانيين وبؤسهم المتزايد، اذا لم يكن في الدنيا ففي الاخره، نتيجة تراكم فشل الديموقراطيين في تقديم هذه الحلول. هكذا تصاعد وزن الاسلام السياسي عندنا  حركة، ثم سلطة تقع تدريجيا تحت سيطرة جناحها الاكثر تطرفا، بينما يترعرع الاسلام السلفي وسط الشباب. 
 الاشارة الواردة من التجربة المصريه حول بؤرة السياسات المطلوبه لتنمية الوعي الديموقراطي- الاستناري نعثر عليها فيما يبدو من ان المحرك الرئيسي للقطاعات الشبابيه وراء الانتفاضه هو قيادات تكونت في حركات مجتمع مدني غير حزبيه مثل  " كفايه "  وبعدها " شباب 6 ابريل"  و" شباب خالد سليمان"  واخري غيرمنظمه، كما ان النسبة الاكبر منهم منتمية الي الطبقة الوسطي وواضح من اجادتهم للغة الانجليزيه واستخدام وسائل الاتصال الحديثه ومظهرهم الخارجي انهم تلقوا تعليما حديثا متطورا غالبا في المؤسسات التعليميه الاجنبيه المنتشرة في مصر. وكان ناشط سوداني مقيم في القاهره قد لاحظ ان معظم الناشطين المصريين الذين ساندوا جهودهم لنجدة ضحايا مجزرة ميدان المهنسين ضد اللاجئين السودانيين عام 2005 كانوا من خريجي الجامعة الامريكية في القاهره. إذا صحت هذه المعلومات، فأن من الممكن القول بوجود بؤر ديموستناريه مصريه نشطه، مايشكل ضمانا معقولا لاستدامة الديموقراطيه بعد إسقاط النظام.  ماهو حظ شبابنا من فرص الوعي الديموقراطي - الاستناري التي اتاحتها الظروف لشباب مصر ؟ هذا سؤال يجب ان يشغل اهتمامات مفكرينا السياسيين والملاحظة المقلقة  بصدده هي ان معظم من تتوفر فيهم مولدات  الخصائص الديموستناريه المشار اليها من شبابنا، وهم اقلية ضئيله، يأتون من خلفيات أسريه اسلاميه بحكم حدوث التراكم الرأسمالي مرتبطا  بصعود الاسلام السياسي، بينما الاغلبية الساحقه من شبابنا مسحوقون معيشيا ويتخرجون من نظام تعليمي مؤمم دينيا كلية منذ عشرين عاما وجزئيا قبل ذلك.   
الاشارة المصرية للوجه الاخر من الموضوع ، اذا اتضحت عدم صحة تلك المعلومات ونشأ التباين بين السقف والامكانيه كما يُتوقع عندنا، هو ماينعقد عليه الاجماع من ان الطرف السياسي الاقوي والاكثر تنظيما بمراحل من الاطراف الاخري المرشحة لملء الفراغ هو " الاخوان المسلمون " .وهؤلاء يشير اخر برامجهم الصادر في اكتوبر 2007، بعكس الحركات الاسلامية في تركيا وتونس، الي تمييز واضح تجاه غير المسلمين والمرأه ويقيد سيادة البرلمان بسلطة دينية اعلي. لذلك لم يكن غريبا ان انتخابات مكتب الارشاد الاخيره ابعدت الشخصيا المحسوبة علي التيار الاصلاحي. اما المرشح المصري الاخر متربصاً بأمكانية الاستدامة الديموقراطيه بعد الانتفاضه، فهو المؤسسة العسكريه. هذه  حكمت مصر منذ نهاية النظام  الملكي عام 1952 ويمكن ان تنجح في تسويق نفسها  كقلعة للاستقرار ، وهو نفس التكتيك الذي استخدمته الانقلابات سودانيا، في ظروف انحطاط المعارضة المشروعه لحكومات مابعد الانتفاضه الي فوضي نتيجة  ضعف القوي الديموستناريه ، كما أن الولايات المتحدة تطمئن الي المؤسسة العسكريه بحكم علاقة التمويل والتسليح والتدريب الوثيقة معها.