عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
سأحاول هنا جهد طاقتي التعليق علي مجموعة المداخلات التي تفضل بها مرتادو البوست الالكتروني  حول ورقتي المعنونه ( معا نحو عصر تنوير سوداني: إطار عام لاستراتيجية معارضه مختلفه).
اعتبر  التواصل مع مجموعة المداخلات حول الورقة سواء في هذا المنبر او غيره ، بما في ذلك الشفهي منها فرديا وشبه جماعي، فرصة للتعلم وتلقيح الذهن بخبرات الاخرين كما تأكيدا لحقيقة أن اقصي ماتطمح اليه الورقه وصاحبها هو إثارة نقاش حول الازمه السودانيه من زاوية مختلفه. أما استقصاء مختلف أبعاد هذا التناول المقترح نقديا لتحديد ماإذا كانت الزاويه تشكل منفذا ما أم طريقا مسدودا اخر فهو  حاصل مجهودات الاخرين من من رأوا فيها مايستحق الاهتمام. بالمقارنه لغني وعمق بعض المداخلات بما يتجاوز قدرات الكاتب الفكريه وخزينه الثقافي علي مجاراتها فأن هذه المتابعة التفاعلية مع المداخلات تبقي في حدود اوليه وينطبق هذا خصوصا علي الاحاطه الكافيه بمضامين تيارات التنوير الغربي الكلاسيكي والنقدي الحديث.  كاتب الورقه يعتبر نفسه مشروع مثقف بما تقتضيه قناعته بأن اكتمال هذه الصفه متوقف لديه ولدي جميع الناشطين ( الفكريين والثقافيين ) علي توفر شرط هذه الاحاطة الكافيه او علي الاقل الاهتمام بذلك. حتي الان ظل هذا الاهتمام مقصورا علي اساتذة الفلسفه وفي الحد الاقصي علي اهتمام معزول عن علاقة تجربة التنوير الغربي بالاوضاع السودانيه، حسب ادعاءات الورقه.   
++ احمد ضحيه : أتطلع الي استئناف الحوار  معه بناء علي الجزء القادم من مداخلته بعد ملاحظاتي علي الجزء الاول منها.
++ طلعت الطيب
هناك اجماع علي الاهمية الخاصة لموقع إمانويل كانت/ط ( 1724-1804 ) في مشهد التنوير الفكري والفلسفي الغربي، النقطة المحوريه في مداخلة طارق الطيب. معظم المراجع التي أطلعت عليها تعتبره، مع ديكارت قبله، اللحظة  الفاصلة في هذا المشهد( انظر مثلا مقال د. غانم هَنا في المجلد رقم 29 من مجلة عالم الفكر الكويتيه وهي، بالمناسبه، مصدر ممتاز للتعريف بفكر التنوير بالنسبة للقارئ غير المتخصص). هذا في حد ذاته سبب كاف لمتابعة عرض طلعت الطيب لافكارهذا الفيلسوف الالماني القيادي  بأعتبارها مكونا اساسيا في عملية التثقيف التنويري، الضرورية أيضا لسبب اخر وهو ان توضيح درجة ومسوغات الاختلاف مع ( التنوير ) السوداني المحلي مستحيل دون الالمام بتجربة التنوير الاوروبيه في مراحلها وشخصياتها المختلفه. ترتقي مداخلة طلعت الطيب درجة اعلي في سلم الاهميه إذ يعد بمتابعة انتاج كانط وغيره من مفكري عصر التنوير الاووربي متلازمة مع  "   ضرب امثله من الواقع السياسي والاجتماعي لسودان مابعد الاستقلال ".  هذه زاوية اضافيه لتلك التي تتبناها ورقة الاستراتيجيه للعلاقه بين هذا الانتاج والهموم المحليه وكلاهما يطرحان قضية قد تشكل المدخل الاكثر جاذبية للمثقف السوداني الي الاهتمام بهذا العصر وهي مدي راهنية مرحلة مابعد الحداثه ( اساسا مدرسة فرانكفورت  ) القائمة علي نقده جذريا بالنسبة لمجتمعات تعيش مرحلة اقرب الي القرن الثامن عشر الذي انتج فكر وفلسفات التنوير نفسها. حول هذه النقطه يخوض هاشم صالح ( المفكر السوري مترجم اعمال محمد اركون ) نقاشا ممتعا ومثيرا للفكر والتأمل في كتابه ( الانسداد التاريخي : لماذا فشل مشروع التنوير العربي ؟ دارالساقي، 2007 ).
++ التجاني الحاج عبد الرحمن : سبق له ان حاور صاحب الورقه حول موضوع " ( استنارة ) الاسلاميين " الذي كنت قد اثرته في بعض مقالاتي بجريدتي الصحافه والاحداث. أشكره علي هذا الاهتمام الذي يرفع بالتأكيد من شأن المادة التي يعلق عليها. طلبت من جريدة الاحداث نشر مقاله المسهب وسأعقب عليه في الصحيفه نفسها. هنا النقاط الاساسيه.
مقتطف من مقال التجاني الحاج : " خلافاً لما يرى الصاوى فأن الأزمة ليست أزمة "نظم ديمقراطية" وإنما هي أزمة "مشروع وطني"، مفهوم "المشروع الوطني" أكثر شمولاً وإتساعاً لانه يتضمن داخله عناصر كثيرة ـ بما فيها النظام الديمقراطي نفسه ـ  ويمثل درجة قصوى من الإتفاق ما بين الكيانات الإجتماعية/السياسية في الدولة على قواعد لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها، وأهمها: (1) هوية الدولة، (2) نظام الحكم، (3) نمط التطور الإقتصادي وعدالة إقتسام الموارد، (4) العلاقات الإجتماعية و (5) القاعدة الدستورية."
في الواقع ورقة الاستراتيجيه تستخدم مصطلح " مشروع ديموقراطي " وليس نظام بأعتبار ان الاخير هو نتاج الاول الذي تربطه الورقه مع الاستناره، وعلي هذا الاساس تعتبر الثقافه واسلوب الحياه عموما جزء عضويا من مفهوم الديموقراطيه. لاأعتراضات لي علي عناصر المشروع الوطني الخمسه ولكن الورقه ترهن إمكانية انجازه بأحياء القوي الحديثه الديموقراطيه، وتفسر تعذر ذلك حتي الان، رغم الجهود والتضحيات الكبيره، بأنعدام جهد مواز لتفكيك ازمة الاستناره السودانيه. هناك إذن قول بأوللة ( من اولويه ) الديموقراطيه ضمن الجهد الرامي لتحقيق المشروع الوطني.  
من ناحية اخري لدي مشكله مع ماأعتبره اللاتاريخيه الثاويه في تفسير التجاني لظاهرة ( عربنة وأسلمة هوية وسلطة الدوله ). هذه  الظاهره حقيقه ولكن مقال التجاني  لايفيدنا في مضمار تفسيرها سوي كونها اصرار نخب الحكم وهو امر مفهوم بالنظر لانتشار هذه المسلمه وسط قطاع عريض من المثقفين السودانيين، ولكنني ازعم بأنطوائها علي خطأ بين يتجاهل حقيقتين. الاولي هي ان العربنه والاسلمه كانت خيارا مفروضا علي طلائع حركة الثقافه والوعي الوطني منذ العشرينات بحكم ميلادهم في بيئتها، مدعوما بكونها الجسر الوحيد تقريبا المفتوح امامهم وقتها الي العالم الاكثر تطورا، العربي والمصري خاصة. درجة الوعي في أي مجتمع إبنة التاريخ الزمكاني وسقفه المتدني حينئذ لم يكن يسمح بأدراك حقائق التنوع   . والحقيقة الثانية هي ان هذا الجسر نفسه كان مصدر أرهاصات أفكار العلمانيه والعدل الاجتماعي في اوساط هذه الحركه ودلالة ذلك انها شكلت البيئة الحاضنه لمطالع الحركة النقابية العماليه والطلابيه وللحركة الشيوعيه والاشتراكيه ( مجموعة ابو روف والحزب الوطني الاتحادي لاحقا ) وكانت، لذلك، محملة بأمكانية تطوير فهم منفتح للعروبه والاسلام. عدم تحقق هذه الامكانيه بل وتحولها للنقيض علي يد الحركة الاسلامية وعروبتها واسلامها، وهذا ماتركز عليه مقالة التجاني، هو حاصل التدهور النوعي للنخب السودانيه الذي تشرح ورقة الاستراتيجيه أسبابه مشتقة منها المعالجات الممكنه بما يمكن من انتاج وعي بناء وطنيا وانسانيا للروابط القومية العربيه والدينيه الاسلاميه السودانيه.
كذلك فيما يتعلق بمقولة التجاني حول استدامة سيطرة  مجموعه محكومه ب " عقل سياسي تمثل ايديلوجيا العروبه والاسلام البنية اللاشعوريه لتوجهاته" علي السلطة المركزيه، لاتقدم مقالة التجاني تفسيرا فتبدو هذه السيطره معلقة في اللازمان واللامكان وليست ظاهرة قابلة للتفسير العلمي وبالتالي للتغيير.  
فيما يتصل بالبند الرابع من المشروع  الوطني ( العلاقات الاجتماعيه ) واعتمادا علي دراسة للروائي المعروف ابكر ادم اسماعيل تطرح مقالة التجاني تصورا لعملية الاستعراب في السودان يلخصه استخدام  مصطلح " الاستعمار الاستيطاني " لوصف الكيفية التي تحقق بها الاستعراب في السودان  ثم يمضي لتقييم تأثيره علي مرحليتن، معقوله في الاولي ونقيض ذلك في الثانيه لكون الثقافة العربية اضحت ثقافة مأزومه بعد اضمحلال حيوية الحضارة الاسلاميه. شخصيا اعتبر رواية د.ابكر " الطريق الي المدن المستحيله" من شوامخ الانتاج الادبي السوداني قرأتها اكثر من ثلاث مرات، أما رؤيته هذه فلي عليها الملاحظات التاليه : تاريخ التثاقف والتمازج البشري يذخر بنماذج ( الاستعمار الاستيطاني ) وأشهرها التغول  الروماني علي الحضارة اليونانيه الذي تبني فيه المنتصر ثقافة المهزوم، فهو احد مظاهر طفولة البشريه قبل ان تنضج فيها انسانيتها. وفي السودان هناك نماذج أخري يمكن اطلاق تلك الصفه عليها ( كتاب حوارات الهويه والوحده الوطنيه، مركز الدراسات السودانيه : استتباع الفرتيت فوراويا من خلال غارات الاسترقاق واعادة التوطين الاجباريه عند تكوين سلطنة الكيرا " أوفاهي "، وعملية تحويل مجموعات كبيره من الدينكا الي نوير نتيجة للهجره والاسترقاق " ريموند كيلي ") إذن فالمسألة لايمكن تصويرها كأستعمار من اي نوع.   ثانيا : مع التسليم بحقيقة مأزومية الثقافه العربيه ورافعتها الاسلاميه فأن مقولة د. ابكر تفترض انها حالة غير قابلة للتغيير. هنا ايضا افتراض لاتاريخي. الثقافات تنهض وتتراجع بنهوض وتراجع أهلها.
++ د. حيدر ابراهيم : عبر مقال مباشر حول الورقه ثم مقالين اخرين حول المجتمع المدني وتكوين السودان التاريخي علي صلة بالورقه طرح الاخ حيدر مجموعة اسئله يمكن تلخيص جوهرها واهمها في : من اين نأتي/ تأتي بالقوي الحديثه ؟ ماهي مسوغات القول بتنوير سوداني ماضيا او مستقبلا ؟ سأكتب تعقيبا مطولا للصحافه وهنا إشارة لوجهة الاجابات.  حول السؤال الاول : من نفس المصدر الذي اتت منه تاريخيا وهو الصدمه/ الصدام مع الاخر الغربي، الاستعماري من جهه والديموقراطي التنويري من جهة اخري. لاسباب معينه حرمنا انفسنا او حرمتنا الظروف من معاناة سؤال التمييز بين هذين  الوجهين للظاهرة الغربيه. هل التمييز ممكن اصلا؟ ولو كانت الاجابه نعم لماذ فشلنا في انجازها واخترنا الاجابه الاشتراكية والماركسية خاصة علي سؤال التقدم ؟  حول السؤال الثاني: أفكر في الشيخ بابكر بدري وبعده معاويه محمد نور. من اين جاء تجاوزهما لزمانهما السوداني بالفراسخ والاميال بما يجعلهما اعلام تنوير؟ هل يعقل ان يكونا نبتا شيطانيا؟ ارجح الاجابة بلا ولكن لاأعرف لها حيثيات علي وجه الدقه.
++ زين العابدين صالح عبد الرحمن : تفضل الاستاذ زين العابدين بأكثر من تعليق علي الورقه في شكل مقالات منشوره بجريدة الاحداث التي يكتب فيها بأنتظام. ناقشت هذه المقالات مفهوم التنوير وتطور تكوين النخبه السودانيه ودورها السياسي ثم قضية الثقافه. هذا التشعب الي مجالات لصيقه بموضوع الورقه سواء في جزئها التمهيدي النظري حول جذور الازمه اوالتطبيقي حول انعكاسها علي الواقع السياسي، يعتبر اضاءة هامة وتطويرا للنقاش لاسيما وانه اعتمد علي عدد من المصادر ذات الوزن.
++ خالد خليل محمد بحر  : المداخله غنيه علي قصرها وتفتح الباب علي مجموعة من اهم قضايا الاستناره فهي تموضع الاصلاح الديني في قلب حركة التنوير وتقترح اسبابا لضعف الاهتمام به في السياق السوداني وتدعو للتركيز علي تشريح التصوف. اركز في هذا التعليق علي محتوي المقتطف ادناه من المداخله  : " ولكن المؤسف جدا أن الناشطين هنا فى مجال تسكين التنوير وطرح أسئلته يحاولون التأسيس لعصر تنوير سودانى بدون طرح سؤال الاصلاح الدينى ودفع إستحقاقاته و لذا كل التجارب فى السودان التى حاولت تقديم مقاربة لسؤال التنوير, لم تعطى الاصلاح الدينى مساحة كبيره من إنشغالاتها وإشتغالاتها الفكرية, وهذا قد يعزى للجبن المعرفى أو الكسل الفكرى للمثقف السودانى, الذى لا يفضل الإنكبابات المعرفية الطويلة. "
 هنا محاولة لطرح إجابة مختلفه لسؤال بطء مواجهة معضلة الاصلاح الديني : بالمقارنه لمركزية موقع الاصلاح الديني في التجربة الاوروبيه اختلاف مركزيته سودانيا يتمثل في كونها امر مستجد مرتبط بصعود موجة التدين الخام بفعل عوامل متعدده منذ اواخر السبعينيات. قبل ذلك  قضيه الاصلاح الديني لم تكن مطروحة بحده لانها لم تكن تشكل عقبة في وجه حركة التغيير السياسي- الاجتماعي- الفكري كما هو الحال اوروبيا حيث كان التحالف الوثيق بين الكنيسه والاقطاع كسلطه طبقيه- سياسيه، وواحدية المرجعيه الدينيه المسيحيه كاثوليكيا. هذان العنصران كانا مفقودين عندنا، فالاسلام غير واحدي المرجعيه في اصله كما ان علاقته بالسلطه مرت بمراحل لم يكن فيها حليفا لها بنفس مستوي اوروبا. ولكن السبب الاضافي، والاهم في تقديري، هو التطابق بين المثقف/المتعلم والسياسي في مطالع حركة التغيير منذ الاربعينيات بسبب قلة عددهم ماأضعف امكانية ميلاد المثقف/ المتعلم المفكر. هذا يحتاج الي مناخ تضعف فيه تقاليد هذا التطابق، العائد ايضا الي تقاليد الانضباط الفكري والتنظيمي التي شكلت الملمح الرئيسي للعمود الفقري لحركة التغيير بتلويناتها الاشتراكية المختلفه وهو الحزب الشيوعي. علي انجازاتها العظيمه سودانيا إمكانية تفتيح الماركسيه كانت معدومه لان المناهج الحديثة في تحليل النصوص لم تكن شائعة وقتها وتاليا غير جاذبه لاسيما بالنسبة لنمط المثقف- السياسي – الحركي الذي  ضاعف من عدم إحساسه بالحاجة الي التفتيح التصاعد المضطرد لنفوذ حركة التغيير مكتسحة فضاء النخبة السودانيه ( دوائر الخريجين في انتخابات 68 كنموذج) الي مابعد ثورة اكتوبر 64 بفتره.  علي هذا فأن طرح سؤال الاصلاح الديني وقتها لم يكن ضروريا ولاممكنا. وهذا هو المصدر الرئيسي للبطء.
      كتاب " ديموقراطيه بلا استناره " لكاتب ورقة الاستراتيجيه  يفصل عوامل ازدهار تيار الاسلام السياسي بعد تلك المرحله. عربيا واسلاميا فقد الاسلام واحديته بمعني هيمنة التفسير التقليدي- الصوفي - السلفي للدين نخبويا وشعبيا واصبح التيار سلطة معنوية وماديه موازيه لسلطة الدوله حليفا ونقيضا والنموذج السوداني واضح : الجبهه القوميه الاسلاميه شكلت هذا النوع من السلطه قبل ان تنجح في الغاء الازدواجيه بأضافة سلطة الدوله الي ترسانة هيمنتها. بعبارة اخري  الاسلام تمسحن ( المسيحيه )، او تكثلك ( الكاثوليكيه ) تحديدا بالاحري، متزامنا مع انحدار العالم العربي والاسلامي الي القرون الوسطي ونموذج المثقف- السياسي لم يعد هو السائد وانتشرت افكار المراجعة التفتيحيه للنصوص المقدسه والتراث الفقهي فأصبح لدينا نصر ابو زيد واركون الخ.. الخ... بذلك تهيأت الظروف والحوافز لولادة المثقف  التنويري/ الاستناري السوداني او الاستناديموقراطي علي قول الورقه.       
27 سبتمبر 2010