معاً نحو عصر تنوير سوداني
إطار عام لأستراتيجيه معارضه مختلفه
  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

إشاره تقديميه

هذه الورقه هي بمعني من المعاني حصيلة جهد مشترك لان الكاتب استفاد في صياغتها ( النهائيه ) هذه من ملاحظات عدد من المثقفين والناشطين السياسيين الذين أطلعوا علي صيغتها الاولية، مع التأكيد بأن كاتب الورقه يتحمل مسئوليتها كاملة وحده وأنها تمثل وجهة نظر فرديه خالصه. بالنسبة للذين قد تستثير الورقة اهتمامهم  يشار الي أن مجموعة مقالات لصاحب الورقه كانت جريدتا الاحداث والصحافه قد تفضلتا بنشرها خلال اعوام 2006-2010، تسلط اضواء اضافية علي مضمونها.  لمزيد من الاستيضاح حول خلفية افكار الورقه وجوانبها التفصيليه يمكن العوده الي ارشيف هذه الصحف او الي كتاب صدر مؤخرا عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بعنوان " في الفكر السياسي، ديموقراطيه بلا استناره " اختيرت له مجموعة من هذه المقالات.


( 1 )  حول  جذور  الازمه  السودانيه

           علي نطاق العالم بأسره اثبتت التطورات الفعلية منذ منتصف الثمانينيات تقريبا ان الديموقراطيه هي أكثر النظم السياسية كفاءة لتأمين حياة افضل للانسان ماديا ومعنويا ولعل ميزتها الكبري انها لاتسد الطريق امام الابداع البشري لاستبداله بنظام اكثر كفاءة مستقبلا، فأفق التاريخ لاحدود  له. وفي السودان ظلت الديموقراطيه الهدف المشترك المعلن بين مختلف  القوي والتيارات السودانيه ازاء الانقطاعات الدكتاتورية المتتاليه منذ الاستقلال بينما تدل حالة التمزق الافقي والرأسي للبلاد، وحدة وطنيه ومجتمعا، بصورة قطعيه علي خطورة الفشل في تأسيس مشروع ديموقراطي سوداني حتي الان. والافتراض الذي تقوم عليه هذه الورقه هو انه لاسبيل لتفكيك معضلة الاستعصاء الديموقراطي هذه الا بعمل مواز لتفكيك معضلة الاستعصاء التنويري/الاستناري.  لاديموقراطيه بلا ديموقراطيين ... ولاديمقراطيين بلا استناريين.
   ان الديموقراطيه كما يعرفها المجتمع البشري الان نظام سياسي انبثق مما سمي عصر  النهضة والتنوير الاوروبي خلال القرنين السادس والسابع عشر مستفيدا  من منجزات الحضارات السابقة له، العربية- الاسلاميه، اليونانيه، الاسيويه.  وهو عصر تميز بازدياد  تأثير العلوم الطبيعية والانسانيه وانعتاق عقل الانسان وارادته من تراكمات ظلام العصور الوسطي نتيجة  نشوء الطبقة البورجوازيه علي حساب الاقطاع  ثم الثورة الصناعيه وفكر وفلسفة الانوار والاصلاح الديني. وقد شكلت افكار ونشاطات دعاة الاصلاح الديني والاجتماعي والسياسي  المصري امثال الطهطاوي ثم محمد عبده والافغاني وطه حسين، والشامي أمثال شبلي شميل وفرح انطون وجورجي زيدان، قناة عصر التنوير الي المجال العربي والاسلامي في السودان وخارجه نهايات القرن التاسع عشر. بتأثير  تفاعل هذا المصدر مع مخرجات التعليم الحديث بعد الاحتلال البريطاني اواخر القرن التاسع عشر، انبثقت ارهاصات  عصر التنوير والعقلانيه السوداني منذ عشرينات القرن الماضي مرسية اولي لبنات البنية التحتية للديموقراطيه كثقافه عامه وممارسات عمليه.  من خلال جمعيات القراءه في ابو روف ومجلة الفجر والجهد الفردي لشخصية مثل معاويه محمد نور، إتخذت هذه الارهاصات شكلا ادبيا وثقافيا وسياسيا غير مباشر ثم تطورت لقيام مؤتمر الخريجين والاحزاب السياسيه وظهور الفنون والاداب والعلوم العصريه وكذلك اسلوب الحياة الشخصية في الزي وغيره. ومن مجموع الشرائح الاجتماعيه الصانعه لهذه التطورات والمتأثرة بها، وهي بالاساس سكان المناطق الحضريه وشبه- الحضريه ولاسيما فئات الطبقه الوسطي والصغيره، تشكلت القوي الحديثه، مستودع حصيلة بدايات عصر التنوير السوداني، حاملة المشروع الديموقراطي ومحركة التغيير.
علي ان الاختلاف الكبير في الظروف التاريخية بالمقارنة للتجربة الاوروبيه حد من امكانية النضوج المضطرد للبنية التحتية الاستناريه وتاليا بنائها الفوقي الديموقراطي بحيث تباطأ معدل تقدم التجربة السودانيه علي الصعيدين تدريجيا حتي توقف متقهقرا الي الخلف. في النموذج الاوروبي توفرت الشروط الموضوعية للاستنارة والعقلانية مما حد من اهمية الدور الموكل للالية الديموقراطيه في توليدهما كشرط لاستدامة التقدم. أما في النموذج السوداني فقد ارتهنت عملية نضوج هذه الشروط بأستدامة النظام الديموقراطي لكونه الوسيلة الوحيدة للتعويض عن انعدامها، بتأمين جو الحرية اللازم لازدهار الابداع المادي والمعنوي والتفاعل المفتوح مع الخارج وتراكم تجارب وخبرات الاجيال المتعاقبه. في هذا الفرق المتصل بموقع الديموقراطيه في استدامة التقدم والنهضه بين التجربتين يكمن جوهر مأزق  التطور السوداني منذ الاستقلال بنتائجه الكارثية الماثلة امامنا الان.
الاحزاب الكبيرة انتخابيا ( الوطني الاتحادي/ الديموقراطي والامه ) لم تكن بيئة ملائمة لانضاج الرصيد الاستناري النهضوي بسبب غلبة الثقل الطائفي في تكوينهما علي تفاوت في الدرجه،  بينما الاحزاب الكبيرة نوعيا الاكثر تمثيلا للقوي الحديثه، كان تكوينها الايديولوجي الماركسي الشيوعي والديني الاسلامي، وفيما بعد القومي العربي البعثي، متنافيا مع النظام الديموقراطي الليبرالي.  قصورات  النمطين التقليدي والحديث من الاحزاب السودانيه، وأيضا شرائح النخب غير المنتمية حزبيا، كان لها بالتأكيد مسوغات موضوعية متصلة بحالة التخلف العامه. كما ان دور النمط الاول في تسييس الولاءات الطائفيه حزبيا كان ايجابيا إذ ادخل مجموعات منها في إطار واحد مقربا بذلك بينها، بينما شكل النمط الحزبي الاخر نافذة السودان الاوسع حتي ذلك الحين للتفاعل مع تيارات وحركات التغيير في العالم ولعب الدور الرئيسي في هز البنية الاجتماعية والثقافية المتخلفه وايقاظ الطبقات الشعبية علي حقوقها. مع ذلك فأن النمطين، كل لاسبابه، شكلا العقبة الكبري في مسارتجذير الديموقراطيه كوعي عام وممارسة تطبيقيه وسدا بذلك شريان تغذية الرصيد الاستناري النهضوي الموروث من المصدرين الاوروبي والمصري والسوداني المبكر.
       هذه هي النقطة التي بدأ عندها الدوران العكسي لعجلة التطور في السودان ببطء ثم تسارع :  تراجعٌ ديموقراطي يؤدي لتراجعٍ تنويري وبالعكس توضحه  بجلاء الاستطالة المتزايده  لاعمار الانظمة الاستبدادية المتلاحقه وتزايد خصائص الشمولية فيها، دلالة علي تبخر الرصيد الاستناري ورصيفه الديموقراطي في العقل السوداني وتحول القوي ( الحديثه ) الي بيئة حاضنة لنقيض هذه الصفه علي كافة الاصعدة، عامة وخاصه. الي هذا التبدل في طبيعة هذه القوي بقابليتها للاستجابة الي الخطاب الديني الخام والطقوسي، او الارتداع به فكريا وسلوكيا، تعود ديمومة حزب المؤتمر الوطني ( الاسلامي ) الحاكم.  مقابل ذلك انحسرت الاستجابه لخطاب الديموقراطيه ومعه جدوي المجهودات الكبيرة التي بذلتها وتبذلها بعض الاحزاب والشخصيات مرتفعة الي حد التضحية بالنفس في العمل المسلح أبان مرحلة التجمع الوطني الديموقراطي، والمبادرات واشكال المعارضة المتعددة بعد ذلك.
     منذ اواخر سبعينات القرن الماضي تقريبا بدأ ميزان القوي السياسي يميل بوتائر متزايده ضد قوي وتوجهات التغيير الديموقراطي نتيجة الجفاف المضطرد لمصادر تعميق الثقافة والوعي الديموقراطيين لدي الجمهور العام عبر مجموعة من التطورات. وقوع الانقلاب العسكري الاول ( نوفمبر 58 ) كان في مغزاه  الاساسي تعبيرا عن محدودية المقومات الموروثه والمستحدثه للرادع المجتمعي الديموقراطي الاستناري الذي يمنع تحول اي تفكير للمساس بقاعدة التداول السلمي للسلطه الي فعل، مهما كانت الدوافع لدي بعض الافراد والجماعات مدنية كانت او عسكريه. وثورة اكتوبر 64 ضد نظام الانقلاب ساهمت، بعكس التفكير السائد، في اضعاف هذا الرادع فهي فتحت طريق الاحياء الديموقراطي بعودة الهياكل والمؤسسات الحزبيه والتشريعيه الخ.. الخ.. ولكنها في نفس الوقت اغلقته كثقافه، وهي الناحية الاهم. فهذه الانتفاضة الشعبية العظيمه كانت القوي الحديثه عمودها الفقري بقيادة اليسار المنظم وغير المنظم الذي شكل التيار الغالب وقتها سودانيا وعربيا وافريقيا ( ناصر مصر، نكروما غانا، سوكارنو اندونيسيا الخ ) حتي ان الاسلاميين انفسهم تبنوا بعض المقولات الاشتراكيه. غير ان التوجه الفكري لليسار كان يفصل بين العدل الاجتماعي ( الاشتراكيه ) والديموقراطية السياسيه معتبراً النظام البرلماني واسسه النظرية والفلسفيه إرثا برجوازيا غربيا متناقضا مع الحقوق السياسية والاجتماعية للطبقات الشعبيه، وهي وجهة نظر كانت مقبولة حينذاك بسبب عداء شعوب العالم الثالث المشروع لسياسات المعسكر الغربي الاستعمارية وجاذبية المعسكر الشرقي المضاد له. ومما عمق تأثير هذا النوع من الثقافة السياسية اللاديموقراطيه لدي النخب والجمهور العام  سوء إدارة حزبي الاتحادي والامه للفترة البرلمانية الاولي، فكما هو الحال بالنسبة لليسار كان مستحيلا ظهور بوادر تطور لدي هذين الحزبين بما يجعلهما أكثر قابلية لتجذير تلك الثقافة، خلال السنوات  العشر القصيره الفاصله بين الاستقلال والانقلاب الاول.
      الحقبة الانقلابية المايويه ( 69-85 ) واصلت عملية استنزاف الرصيد الديموقراطي- الاستناري من حيث توقف العهد الانقلابي الأول ولكن بقوة اكبر، مشّكلة بذلك المفصل الحاسم  في مسار تصاعدها الي الحد الاقصي وهو الغاء الوجود الفعلي للقوي الحديثه. عموما الاثر السلبي للحقب الانقلابيه في هذا الصدد يتمثل في تجاوز تعطيل أي امكانية تطور ذاتي للروافع الحزبية للديموقراطيه بالمنع والقمع المباشرين، الي تجميد حركة الفكر والثقافه العامه التي لاغني عنها لنمو حوافز التطوير، بأغلاق فضاءات التفاعل بين الاطراف الداخليه وبينها والخارج.  في طوريها اليساري القصير ( 69 -71 ) واليميني حتي انتفاضة 85، لعبت الحقبة المايوية هذا الدور بكفاءة تجاوزت كثيرا دور حقبة الانقلاب الاول لانبثاقها، عسكريا ومدنيا، من اوساط القوي الحديثه وتوفرها بذلك علي كوادر وأدوات تخريج فكري وتخطيط وتنفيذ اكثر فاعلية بكثير. في هذا السياق جاءت اولي خطوات  التصعيد النوعي لعملية الاستنزاف ( الاستناري- الديموقراطي ) الاستناقراطي/ ( الديموقراطي-الاستناري ) الديمواستناري   بالشروع في سد منبعه الاول وهو النظام التعليمي الحديث بالتدخل الدكتاتوري فيه بدء بتعديل السلم التعليمي ثم المناهج لاحقا. وعندما بدأت الازمة الاقتصادية والمعيشيه أواخر السبعينيات ممثلة بتدهور قيمة الجنيه السوداني والتضخم المالي في إطار محاولة القيادة المايويه اضفاء مشروعية تنموية ثم دينيه علي سلطتها، اكتملت مجموعة العوامل التي شكلت ظاهرة التراجع التحديثي الاستناقراطي وأطلقت ديناميكيتها: ذوبان الطبقة الوسطي، الحامل الاجتماعي لعملية التحديث في خضم تدهور الاقتصاد وتحريره  غير المرشد ديموقراطيا،  التوسع الافقي الكبير للمنظومة التعليميه علي حساب نوعية التعليم من حيث المناهج واساليب التدريس ثم ترييف المدن تحت وطأة الحروب الاهليه وانهيار الهياكل الاقتصادية الزراعية- البدوية بدء بمجاعة دار فور.. وذلك بالاضافة الي العوامل الثانويه مثل الهجرة المدينية الي الخارج. كما شكلت الافرازات المتكاثفه لهذه التطورات مادة تغذية دسمه للاسلام السياسي فتحول من وليد شرعي للتقلص المضطرد لمساحة التنوير في العقل النخبوي السوداني لحساب الظلاميه والديموقراطيه لحساب الشموليه، الي اداة فعاله لتعزيزهذه الظاهره المدمره وتعميق جذورها في الاوساط النخبويه : من " الاخوان المسلمون" / جبهة الميثاق الاسلامي، كتنظيم صفوي محدود خارج المجال الطلابي الي الجبهه القوميه الاسلاميه كتنظيم اوسع كثيرا بكل المعاني.  فالمكاسب الانتخابية التي حققتها الجبهة في انتخابات عام 1986 ثم السهولة التي نجح بها انقلاب 89 والتوطد السريع والمتين لاركانه، كانت دليلا قويا علي حلول الاسلام السياسي محل اليسار من حيث قوة النفوذ وسط ( القوي الحديثه ) المدنية والنظاميه. وبطبيعة الحال أدي الانفراد بسلطة الدوله الي مضاعفة تأثير عوامل التراجع  الديمواستناري مكتسبا درجاته القصوي وديناميكيته الكامله : توسع نطاق الحرب في الجنوب متخذة طابعا اهليا، وانفلت التضخم تداعيا اقتصاديا مريعا تدني بمتوسط عمر الانسان السوداني الي 45 عاما بينما أغلق المجال السياسي-الفكري تماما بمزيج من القمع المادي والمعنوي وتم التديين الكلي للمنظومة التعليميه والاعلاميه فتغلغل التدين السياسي والصوفي والسلفي في شراين المجتمع.
بسبب هذا الاستنزاف الكلي تقريبا لحيوية القوي الاجتماعيه والسياسية الحديثه فأن اساليب وخطط العمل المجربة في ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة مارس / ابريل 1985 ( تنظيم النقابات كنموذج ) والمستحدثه ( العمل المسلح كنموذج) إفتقرت لنوعية العقليه وخبرة العمل العام والقاعدة الاجتماعية التي تتجاوب معها. وهي حقيقة تتضح ابعادها الكاملة حول درجة استنزاف هذه القوي اذا استعدنا للاذهان ان مستوي وحدة المعارضه بعد مؤتمر اسمرا عام 1995 في " التجمع الوطني الديموقراطي"  كان متكاملا من جميع النواحي، اطرافا وبرنامجا. مايثبت قطعيا ان ضعف العمل المعارض لم ينجم، بصورة اساسيه، عن ضعف مستواه  القيادي وانما عن التضاؤل المخيف في حيوية قوي التغيير الديموقراطي لاسيما وان الوجه الاخر لهذه الحقيقة المتجلي في انتشار الفهم التقليدي للاسلام، مصدر ( قوة ) إضافيه لنظام دكتاتورية يونيو 89 لم يتوفر لدكتاتورتي نوفمبر 58 ومايو 69.  
هذا هو التفسير الصحيح لانحسار قدرات المعارضه فهو مفروض عليها نتيجة ضعف قاعدتها مؤديا لتنازلات متسلسله كان اهمها  قرار التجمع اعطاء الاولويه للحل السياسي في مؤتمر مصوع ( سبتمبر 2000 )  دون تنازلات مقابله من النظام رغم انشقاقه.. ثم تخلي التجمع  عن شروطه المخففة لقبول التفاوض مع النظام حول الغاء الماده 9 من قانون الامن الوطني مع ان النظام لم يكتف بتجاهل مطالب المعارضه بل تصرف عكسها بتعديل القانون في اتجاه اكثر قمعيه ثم أعتقل سكرتارية التجمع في الداخل لعام كامل وجرمها دعائيا بالخيانة الوطنيه . وكان طبيعيا ان ينتهي  الجمود في حركة التجمع الي تفككه كما ظهر في خروج حزب الامه منه عام 2000 وفي توقيع مذكرة التفاهم بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي دون استشارة التجمع في 2001. اما الاكثر دلالة من كل ذلك علي انحسار المعارضه بسبب انهيار ارضيتها في القوي الحديثه فهو هزال الاحتجاجات الشارعيه، اضرابات، مظاهرات الخ.. الخ.. رغم قوة المسببات التي قدمتها وتقدمها سياسات النظام الاقتصادية وتجاه الوحدة الوطنية وغيرها واجراءاته القمعيه الي حد استخدام الرصاص الحي ضد المظاهرات حتي في الحرم الجامعي. والشاهد عموما انه كانت هناك  ولازالت علاقة عكسية بين تمادي النظام في سياساته الموجبة للاحتجاج والمعارضه ومستوي ردود الفعل الشارعية تجاهها ويكفي تدليلا علي ذلك المقارنة مع ردود الفعل الاقوي كثيرا تجاه سياسات الدكتاتورية النميريه وحتي مع ردود الفعل في السنوات الاولي لانقلاب الاسلاميين.  
     حتي فرجة الارتخاء الامني التي فرضتها علي نظام المؤتمر الوطني ( الاسلامي )  اتفاقية نايفاشا بعد عام 2005  لم تفلح في تعديل ميزان القوي السياسي لمصلحة المعارضه . حضور الحركة الشعبية في المركزسلطويا تطبيقا للاتفاقيه كان محدود التأثير في تعزيز قوة المعارضة الشماليه سياسيا بسبب قيود الشراكه مع المؤتمر الوطني ولكن ايضا انعكاسا لمحدودية فرص امتداد الحركه شمالا لنفس السبب الموضوعي الكامن وراء تضعضع وزن المعارضه وهو  تضعضع الوزن النوعي للقوي الحديثه وبالتالي ضعف القابلية للتجاوب مع مضمون شعار " السودان الجديد ". من هنا بقاء زمام المبادره بيد المؤتمر الوطني حتي بعد توقيع الاتفاقية فتمكن ، علي سبيل المثال، من تجميد اتفاق القاهره مع التجمع وتمرير معظم قوانينه في المجلس الوطني والانفراد بمعالجة قضايا دار فور والشرق وتهيئة الاوضاع لتحقيق ( فوز ) ساحق في الانتخابات العامه وانتخابات الاتحادات.
لاشك ان اطراف المعارضة المختلفه بذلت جهودا متفاوتة الجدية لاصلاح أوضاعها الداخليه وايضا لتطوير اشكال العمل الجماعي مع الاخرين بعد عودتها للداخل، ولكن الحال التي انتهت اليها المعارضة الرسمية الان من تمزقات داخليه وضعف في الفعالية الجماعيه، دليل علي الاثر الكبير لعدم التوصل الي تشخيص مصدر العلة الاساسي وتطوير استراتيجية عملها بما يتوافق مع ذلك.  وهذه، بالمناسبه، حدود مسئولية قيادات المعارضه بعكس التفكير الرائج الذي يحملها المسئولية عن مسببات ضعف الفعالية نفسه مؤديا لنوع من النقد المجاني العشوائي الذي يساوي عمليا بين مسئولية الحكومه والمعارضه فيما يتعلق بتدهورالاوضاع العامه.  ويلاحظ هنا ان الفعالية السياسية الشمالية الوحيده، بمعني انتزاع تنازلات معينه من المركز /الانقاذ، مصدرها الحركات الاقليمية المسلحه ( دار فور والشرق ) حيث وجدت فيها نخب المناطق المعنيه وجمهورها بديلا لفشل المعارضة الرسميه، غير ان تركيزها علي مطلبي السلطه والثروه في مواجهة قضية التهميش معزولين عن مطلب الديموقراطيه، يساهم في التعمية علي مصدر الازمة الاساسي.


( 2 ) مكونات الاستراتيجيه

بناء علي هذا التشخيص للسبب القاعدي للازمة السودانيه فأن اي استراتيجيه عمل سياسي منتج لتقدم غير قابل للانتكاس لابد ان يكون مرتكزها الترافق بين إعادة  استزراع مقومات الحداثه والاستناره وإعادة تأسيس المشروع الديموقراطي. بغير ذلك، كما تفعل بعض اوساط المعارضه والحركات المسلحه التي تضع إسقاط نظام المؤتمر الوطني ( الاسلامي ) الشمولي كشرط سابق لتقدم من اي نوع، ستبقي العوامل المؤديه للانهيار السريع للتجارب الديموقراطيه ولاعادة انتاج الازمه العامه فاعلة بما يولد أنظمة اكثر شموليه.  اما هذه الورقة التي تضع مسألة  الموقف من نظام المؤتمر الوطني- الاسلامي في السياق السليم، كما ستوضح في جزئها الاخير، فأن مايمكنها تقديمه فيما يتعلق بمكونات الاستراتيجية السياسية الملائمه يلخصه المثل القائل " حسن عرض المشكله نصف الحل ".  بعبارة اخري ثقة الورقه بمدي صحة ما ستقترحه فيما يتعلق بالحل اقل من ثقتها بما قدمته فيما يتعلق بالمشكله. من هنا حاجة هذا الجزء الثاني الي فحص وتقييم نقديين من قِبل كل من يجدون فيها مايستحق الاهتمام أكثر حتي من الجزء الاول.
إذا صح التلمس للعمق العميق لفشل المشروع الديموقراطي السوداني والازمة المتعددة الطبقات المترتبة علي ذلك، فأنه لابد لأي استراتيجية سياسيه ترمي الي تفكيكها من افساح مكان  لهدفين محوريين مترابطين يتناسب واهميتهما، هما الاصلاح التعليمي والمجتمع المدني، ضمن منظومة الاهداف التي يطرحها العمل المعارض الان وعلي رأسها التحول الديموقراطي . وبينما ستأتي الورقة لمعالجة موضوع المجتمع المدني لاحقا، فأن أهمية اصلاح المنظومة التعليمية مناهج ومؤسسات يبدو بديهيا باعتبار ان الميلاد الحقيقي لتيارات الاستناره الدينية والفكرية والسياسية والادبية والفنية والاجتماعيه ارتبط بتأسيس التعليم العصري ونشوء الشرائح الاجتماعية والسياسية الحديثه في القطاعات الاقتصادية الخدمية والزراعية والصناعيه والاداريه التي نشأت فيما بعد مستوعبة  منتوجات التعليم من الكوادر والخبرات. لذلك فأن الشروع بأعادة تأسيس هذه التيارات بمعني فتح مسارب بعثها للحياه وعودتها التدريجية للانتعاش بوتائر متزايده، ومعها تصاعد الوعي الديموقراطي كما ونوعا، لايمكن تحقيقه الا عبر استراتيجية تعطي هذا الهدف الاولوية التي تتناسب واهميته.    
وفضلا عن انه لامفر من التركيز علي هذا الهدف اذا قبلنا سلامة تحليل اصل العله، فأن انطباع الوهلة الاولي حول استحالة تحقيقه في ظل سلطه قابضه، ليس سياسيا فقط وانما اجتماعيا ايضا، كما بينت الورقة نفسها، ليس صحيحا. هو في الحقيقه استسلام لانطباع واسع الانتشار بعجز المعارضه يفترض ضمنا انتفاء اية مخارج من هذا الوضع.  وبينما لاتدعي هذه الورقه بأنها ستقدم وصفة جاهزه او سهله في هذا الصدد فأنها ستؤشر امكانية وجود هذه المخارج إذا استعدنا للاذهان حقيقة ان معضلة ضعف العمل المعارض حزبيا وشعبيا أكثر تعقيدا بمراحل من التصور التبسيطي السائد الذي يلقي بالمسئوليه الكليه علي الاحزاب وقياداتها، لانه يتعلق بتشوه العقل النخبوي السوداني القائد للمجتمع بفعل تصحره استناريا لاسباب تاريخيه. يترتب علي هذه الحقيقه أولا : تخفيض سقف التوقعات لما يمكن انجازه فيما يتصل بأي هدف لاسيما خلال المرحلة الاولي لطرحه. السياسة هي فن الممكن .. تقدير توازن القوي مع الطرف الاخر ومن ثم تحديد الاهداف الممكنة التحقيق وطرحها بناء علي ذلك ثم البناء عليها لاهداف اكبر. ثانيا : تقدير الاثر الايجابي لوضوح بداية الطريق نحو تذليل معضلة العمل المعارض نتيجة التوصل الي أعماقها الحقيقيه، في إحياء حركة النخب القائده لكونها الاقدر علي استيعاب الرؤية المطروحه بهذا الخصوص ومن ثم توفر امكانية رفع سقف التوقعات بأضطراد. ثالثا : توظيف هيئات المجتمع المدني لتحقيق اهداف الاستراتيجية السياسيه بالنظر لقدرتها علي تطوير وعي الفرد السوداني وأجتذابه للاسهام في الحياة العامه رغم ارتباط هذه القدره بخاصيتها الرئيسيه وهي عدم التسييس. ستبدأ الورقه بشرح التصور التطبيقي فيما يتصل بموضوع التعليم ثم تنتقل الي المجتمع المدني.

 ( 2 - أ )  الاصلاح التعليمي    
 
  هنالك بطبيعة الحال جوانب متعدده لعملية اصلاح التعليم تشمل المناهج، طرق التدريس، إعداد المعلم، المؤسسات التعليمية، شروط الخدمه، ولكن الخطة المطلوبه كجزء من الاستراتيجيه خلال مرحلتها الاولي يتحكم فيها اعتباران، حسب تقدير هذه الورقه. الاول مشتق من الرؤية العامة التي تطرحها الورقه حول محدودية قوة الدفع التغييري  الان مجتمعيا وتاليا سياسيا مايعني اختيار اهداف جزئيه متواضعه تتدرج نحو الاقل تواضعا بنسبة ازدياد قوة الدفع. لذلك يلاحظ ان الورقه تستخدم  مصطلح " اصلاح " المنظومه التعليميه وليس تغييرها جذريا، مع ان هذا هو المطلوب مثاليا لأعادة بناء حقيقية للانسان السوداني. الاعتبار الثاني هو اعطاء الاولويه لاصلاح التعليم العام، خاصة مرحلة الاساس. فبالرغم من التأثير المتبادل سلبا وايجابا بين مختلف المراحل التعليميه، الا ان التأثير من تحت لفوق هو الاجدي. ويبقي العامل الحاسم، أيا كانت الاولويه، تحويل قضية إصلاح التعليم الي قضية رأي عام بأبتكار وتنفيذ أساليب نشر الوعي والتعبئه. والمطلوب هنا جهد عملي يتميز بالمؤسسية والمثابره في اوساط الاباء والامهات لاسيما من الفئات العمريه المعنيه ( المتوسطه  ) والطلبة والعاملين في السلك التعليمي بمختلف درجاتهم ومن خلالهم الراي العام السوداني اجمالا. كل خطوه بأتجاه تحقيق هذه المهمه تعتبر في حد ذاتها خطوة تحقق عملي لهدف الاصلاح لانها تعني بداية تشكيل مراكز ضغط    . ولعدم تشتيت هذه الجهود خارج البؤره المحدده ( التعليم العام ، الاساس خصوصا ) بما يجعلها أكثر فعاليه، تعد وثيقة تتلخص خطوطها العريضه في: مقدمة توضح اهمية الناحية الكيفية في التعليم بمختلف درجاته بما يؤشر عيوب السياسات الحاليه ثم التركيز علي مرحلة الاساس علي هذين الصعيدين بتفصيل اكبر وبعد ذلك تحديد الاصلاحات المحدده المطلوبه. بما ان الوثيقه-البرنامج لاتستهدف في المرحلة الاولي اكثر من فتح باب الشروع بعملية الاصلاح ومخاطبة واستقطاب اوسع قاعدة ممكنه من الجمهور العام غض النظر عن اي اعتبارات، فأنه يستسحن التركيز علي : ( 1 ) هدف اصلاح السلم التعليمي أكثر من المناهج لان هناك مايشبه الاجماع علي ضرورة اضافة عام لمرحلة الاساس وتقسيمها لجزئين. ولان الاستعداد الرسمي للتنازل بشأن المناهج اقل كثيرا فأن من الممكن التركيز علي (2 ) مطلب تخفيف حجم المنهج اكثر من إجراء تعديلات عليه ( 3 ) زيادة نصيب التعليم في الميزانية الاتحاديه ودعم المركز للولايات.  هذه المقترحات بشأن التفاصيل هي مجرد اشارات لما يمكن ان يتمخض عن لجنة مصغره لاعداد الوثيقة- البرنامج في صيغتها النهائيه  تشكلها المعارضه وذلك لضمان الالتزام بقاعدة " فن الممكن "، الحد الادني القابل للتنفيذ الان، مما يجعلها متمشية ايضا مع كون الرافعة الاساسية لتنفيذ البرنامج هي المجتمع المدني اللاسياسي، كما سيشرح لاحقا. يمكن للجنه الاستعانة بخبرة مجموعة من العاملين في حقل التعليم او ذوي الاهتمام  الخاص به بصرف النظر عن صفتهم الحزبيه او عدمها، مع وضعهم في صورة الحدود التي يتحرك فيها البرنامج علما بأن ذلك يساعد بالنسبة للمكون الثاني للخطه، وهذه ايضا مجرد مقترحات، وهو  تنظيم سلسلة من النشاطات العامة المتنوعة مثل المحاضرات والندوات وورش العمل، الكتابة في الصحف وكل اجهزة الاعلام التي يمكن الوصول اليها. علي ان العائد المطلوب من برنامج التوعية العامة هذا وهو تحريك اوسع قطاعات المجتمع لن يتحقق اذا لم يسبقه استيعاب الوثيقة والفلسفة الكامنة وراءها من قبل قواعد احزاب القوي الديموقراطية نفسها سواء فيما يتعلق بالاصلاح التعليمي عموما او بأقتصار مفردات البرنامج حاليا علي الحدالادني، وتوعيتها بأهمية دورها، افرادا وجماعات، في تنفيذه بالمساهمة النشطة في التنظيم الطوعي المفتوح لكل من يستثير الموضوع اهتمامهم بصرف النظرعن ميولهم السياسيه. بعبارة اخري شرط نجاح تنفيذ البرنامج هو تسليمه لقوي المجتمع المدني ونزع اي صفة او تصرف يجعل منه جزء من المعركة السياسية ضد السلطه، او حتي يوحي بذلك. هذا كما شرح من قبل ليس الاختيار الافضل من وجهة نظر المصلحة العامه فقط وانما هو اضطرار مفروض علي المعارضه وقوي التغيير عموما بحكم ضعف وزنها راهنا.

( 2 – ب )  المجتمع المدني
( 2 - ب -1)   توظيف المجتمع المدني كهدف                                 

التعريف البسيط لمصطلح المجتمع المدني هو كونه مجموعة تشكيلات طوعيه لاحكوميه ولاربحيه مداره ذاتيا بين مجموعة من الناس لخدمة مسألة معينه تتعلق بشئون حياتهم في الحي اومكان العمل او خارجهما بصفتهم الفردية المواطنية المجردة عن اي صفة سياسيه  او اثنيه- قوميه او جهويه. من هذه الخاصية تنبع قدرة المجتمع المدني علي اجتذاب مجموعات كبيره بالمقارنة للاحزاب حول المسأله المعينه التي تقوم عليها احدي تشكيلاته، والاهم من ذلك، توفير مجال لتحمل المسئوليه بالتفاعل الحر بينهم.
ان المخزون المعرفي والثقافة السياسية العربية والسودانيه لم يتعرفا علي مفهوم المجتمع المدني الا قبل عقدين من الزمان ونيف تقريبا، مما يفسر عدم التقدير الكامل لفعالية دوره في تقدم المجتمع والوطن من قبل الناشطين السياسيين والفكريين حتي في ظروف التطور العادي. أهم تجليات عدم ادراك هذا المفهوم والاستهانه بدوره هو انتشار ممارسات السيطرة الحزبية علي هيئاته من كافة التوجهات السياسية السودانيه وصولا الي الحد الاقصي مع حزب المؤتمر الوطني ( الاسلامي )، الامر الذي يعكس في جوهره الاستهانة بما يمكن للفرد العادي تحقيقه اذا فتح امامه مجال التفكير والعمل دون قيود لان اشتغال الافراد الحر بالقضايا التي تهمهم مباشرة، مهما كانت بسيطه، ودون ارتباطات او ظلال سياسيه مع او ضد نظام معين ومع او ضد حزب معين وانما بدافع ذاتي،  ينمي روح المبادره والتفكير النقدي المستقل لدي المواطنين وهذه في الحقيقه بذرة تحرير عقل الانسان وارادته واطلاق قدراته اللامتناهيه علي الابداع. علي هذا فأن للمجتمع المدني دور رئيسي فيما يتعلق بتفكيك المرجع القاعدي لازمة الديموقراطيه وهو ضعف ركيزتها في رصيد العقلانية والاستناره السوداني. كما ان حرص الاستراتيجية علي عدم تسييس تشكيلات المجتمع المدني باخضاعها للمصلحة الحزبية مجردة كانت او موجهة ضد النظام، ليس موقفا اخلاقيا يضع المصلحة العامة فوق المصالح الحزبيه ومطلوب في حد ذاته لهذا السبب، ولكنه مفيد ايضا لهدف التنمية الاستناقراطي ويتمشي، علي اية حال، مع  حالة النفور من العمل السياسي كأحد إفرازات فشله وانتشار عقلية التواكل الغيبي والروح الفرديه والميول الجهويه.
      كما هو الحال بالنسبة لهدف الاصلاح التعليمي فأن تحويل موضوع المجتمع المدني الي قضية رأي عام يقتضي أبتكار وتنفيذ مختلف الوسائل اللازمة لتنظيم حملة تثقيف وتعبئه فعاله للتعريف به والكيفية التي يؤدي بها دوره الحيوي بدء بكوادر المعارضه نفسها  باعتبارهم رأس الحربه للحملة . وبما أن العمل التطوعي المدني يغطي كافة جوانب حياة الانسان واحتياجاته من حفر مجاري الخريف الي حل مشكلة دارفور، لاسيما في مجتمع تتكاثر فيه هذه الاحتياجات بسبب القصور الشنيع للجهد الرسمي، فان الحصيلة التطبيقية للحمله ينبغي ان تكون تأسيس تشكيلات المجتمع المدني في المجالات التي تنعدم فيها الان وتنشيط القائمة منها والارتقاء بمستوي ادائها الي الصورة المثلي.  
اضافة لذلك فأن الحملة ستساعد في التغلب علي العقبة الكبري في هذا الصدد وهي القيود الادارية والسلطويه التي ينطوي عليها قانون العمل التطوعي الحالي.  فبينما يظل توقع امكانية تحقيق تعديل ملموس في  القانون علي المديين القصير والمتوسط أمرا غير محتمل بالنظر لوضع ميزان القوي السياسي حاليا، الا ان ادارة حملة فعاله حوله تفتح الباب لحدوث التعديل علي المدي الابعد.  والمطلوب الان، كما هو الحال بالنسبة للاصلاح التعليمي، اخضاع هذه المسألة لدراسة موضوعيه تحدد الممكن وغير الممكن راهنا وكيفية تحقيقه للبناء عليه مع تحسن وضع التوازن. ولابد لمثل هذه الخطه ان تتضمن هدفا هو في مقدور المعارضة تماما : تطهير صفوفها من العناصر المنتمية اليها التي تمارس تشويها لهيئات المجتمع المدني لايقل عما تمارسه الاوساط الرسميه يتمثل في احتكار المواقع القيادية او/ و استخدامها للاسترزاق الاعاشي والاستمتاع بأمتيازات السفر وغيره أو استغلالها كسلم للوصول الي وظائف في المنظمات الدولية والاقليميه. هذا شرط لايقل اهمية عن شرط  تجنب التسييس لنجاح الحمله.  
  من جهة أخري يشار الي ان التمويل يشكل عقبة كبري في وجه التوسع بتشكيلات المجتمع المدني لانه مهما بلغ النجاح في تعبئة الموارد السودانية الداخلية والخارجيه، فأنها ستقصر كثيرا عن الوفاء بأحتياجات نشاطات المجتمع المدني نظرا لتعدد جبهاته مع ضعف موارد السودانيين بسبب انتشار الفقر الذي يجعل الاغلبية العظمي عاجزة عن الدعم المالي بل وحتي عن تغطية تكاليف بسيطه مثل اجر المواصلات للمشاركة في العمل التطوعي. هذا ماسيجعل  الاستعانة بالتمويل الخارجي والعون الفني (التدريب وغيره ) من المصادر الدولية والاقليمية والثنائيه لامفر منه مع توضيح الاحتياطات اللازمه في الخطه تجاه اي اجنده خفيه للمانحين واخري لمواجهة هجوم السلطه الدعائي والقانوني من هذا المدخل بحجة العماله وغيره.  وهو هجوم مؤثر حاليا  بسبب انتشار القابلية للاستجابة الي هذا النوع من التعبئه التي توحد بين الوطن والنظام في ظروف الانخفاض المريع لمستوي الوعي العام، وتشكل الشفافية الكامله خط الدفاع الرئيسي امامه.
    بمرور الوقت المصحوب بعمل جاد ومثابر ومدروس ستتكاثر هيئات المجتمع المدني وتتحسن نوعيتها ويتعاظم الاثر الايجابي للطبيعة الاختيارية للروابط بين اعضائها في تطوير العقلية والسلوك، وهي تمارس نشاطها من خلال علاقة الاقناع والضغط مع الدوله كأجهزة بيروقراطيه  و حزب حاكم وقياده رسميه حول المسألة التي تتبناها الهيئة المعينه.  وبالرغم من لاسياسية هذه الهيئات فأن كون طبيعتها تنمي قابلية التفكير والتصرف الايجابي والمستقل توفر المناخ الملائم لانتاج نوعية راقية وفعاله من العضوية الحزبيه تعيد الاعتبار للعمل السياسي الحزبي في نظر الجمهور الواسع ومن ثم الاقبال عليه.
     لقد لعب المجتمع المدني دورا مباشرا في الانتقال من الانظمة الشمولية الي الانظمة الديموقراطيه كما هو الحال في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وغيرهما حيث ادت خصوصيات الشمولية فيهما الي تفريغ الساحة من الاحزاب، ولكن الواقع هو ان مفهوم المجتمع المدني يتسع ايضا للتكوينات الحزبيه إذا توفر فيها شرط الديموقراطيه الداخليه لكونها اطر تنظيميه غير حكوميه تضم مجموعة من المواطنين علي اسس تطوعيه وغير ربحيه.  بذلك يطرأ تغيير هام علي مفهوم العمل السياسي الحزبي كما يمارس في السودان اذ تصبح ديموقراطيته هي جوهر تعريفه لكونها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف منه وهو تنظيم مشاركة المواطنين في الحياة العامه، وليس مجرد العضوية النشطة اوالخامدة في الاحزاب او مناهضة الحكومة او تأييدها.  وفق هذا التعريف فأن اكثر الاحزاب عداء لسلطة دكتاتوريه يكون من اقوي دعائمها اذا انعدم فيه شرط الديموقراطيه لانه يساهم بذلك في تشكيل العقلية الشمولية التي يجسدها النظام ففاقد الشئ لايعطيه.  وهو مايفسر حقيقة ان أحزابنا  التي استعادت الديموقراطيه في عامي 64 و 85 هي نفسها التي فشلت في الحفاظ عليها بتطويرها وتجذيرها في العقلية والسلوكيات الجمعيه .وحقيقة الامر هي ان عملية ( الدمقرطة/ الدقرطه ) في الاحزاب السودانيه لم تبدأ جديا الا بعد انقلاب الجبهة القومية الاسلاميه ولازالت تواجه صعوبات كبيرة بعضها ناتج عن المقاومة من قبل مراكز ومصالح وعقليات داخلية مؤثرة فيها والاخر عن ظروف الضغط الدكتاتوري الخارجي الناعم والخشن التي تتم فيها العمليه، متفاعلة مع السبب القاعدي وهو الشح التاريخي للرصيد الاستناري وتقلص القدر الضئيل المتحقق منه .   
  2 - ب -2   تنشيط المجتمع المدني كوسيله

  كما هو الحال بالنسبة للمجالات العديده التي تغطيها نشاطات العمل التطوعي المدني من ابسط المسائل الي اعقدها،  فقد كان ولازال للمجتمع المدني دوره في تطوير التعليم حتي في الظروف العاديه. واستثنائية دوره في الاستراتيجية المطلوبه للعمل السياسي السوداني الان تعود الي كونه المصدر الوحيد تقريبا للتاثير علي السلطه بسبب ضعف المصدر الحزبي مع ملاحظة ان الشرط الاساسي لقيام المجتمع المدني بهذا الدور التعويضي لدور الاحزاب هو التزامها، حرفا وروحا، بتحييد هيئاته سياسيا مهما كانت قوة حوافز التصرف المعاكس سواء كرد فعل  لتصرفات المؤتمرالوطني او تأثرا لاشعوريا برواسب تقاليد تسييس النقابات والاتحادات من قبل احزاب المعارضه. ومهما كانت صحة الحجة القائله باستحالة التحييد الكلي للمجتمع المدني سياسيا خاصة في ظروف العالم الثالث، فأنها غير ذات موضوع بالنسبة للمعارضه لان اللاتسييس هو الخيار الوحيد امامها.
وبما ان الاهداف المتوخاة في هذا المجال تشمل توعية وتعبئة المجتمع أفرادا وجماعات حول هذه القضيه وصولا الي  التأثير الضاغط مباشرة وغير مباشرة علي السلطة الحاكمه، حسب تقدير توازن  القوي في اللحظة المعينه، فأن خطة العمل تتسع للخطوات الجزئية والبسيطه وصولا الي اكبرها وتتسع بالتالي للجهود الفرديه وكذلك الجماعية من ابسط اشكالها وأحجامها الي اعقد اشكالها واكبرها. من نماذج النشاط الذي يدخل في هذا الاطار توسيع اهتمامات العضوية في مجالس الاباء والامهات في حي معين خارج حيزه التقليدي، دعم المدرسه الخ.. الخ..،  لتشمل الشكوي الفرديه ثم الجماعيه من السلم والمناهج والتمويل حسب مايرد في البرنامج ومايتعلق به. ثم تطويرها في شكل مقابله او مذكره لمخاطبة الجهات الرسمية المحليه بهذا الشأن بواسطة المجلس او ممثلين عنه في حي معين او عدة احياء تقع في نطاق الجهة الاداريه المعنيه. حذف الحكومه ولائية كانت او مركزيه من الصوره في هذاالنموذج من النشاطات الممكنه يساعد أيضا في  التأكيد علي لاسياسيتها  مما يسهم في توسيع دائرة المهتمين بها  كما انه يدرب المواطنين علي فكرة مساءلة الخدمه العامه وليس السلطة السياسية فقط علما بأن هذا النوع من الضغوط علي الخدمه العامه سيجد طريقه للتأثير في السلطة السياسيه عندما يتكثف الي درجة معينه بسبب التداخل التمكيني ( الانقاذي ) بين السياسي والاداري . وحتي إذا لم تتأثر مباشرة فأن المكسب الاهم هو تطوير وعي الناس العاديين وجذبهم الي مجال العمل العام الذي سيؤثر حتما علي المدي الابعد. وبطبيعة الحال يمكن الذهاب بهذه النوعيه من الشكاوي والمطالبات درجة اعلي الي الجهات السياسيه حسب تقدير امكانية حصول فائدة من ذلك.
ونظرا للدور الخاص للعمل النقابي في اوساط المعلمين والطلبه ومنتسبي الوزارات المختصة في  مجال الاصلاح التعليمي فأن التركيز علي هذه الاوساط ضمن حملة البرنامج ذو اهمية بديهيه بينما يعني الالتزام الكلي بتجنب التسييس ان الاولويه هي دائما لهدف الاصلاح التعليمي ببنوده المحددة في البرنامج وليس لاضعاف النظام الحاكم سياسيا، وإن كان لممارسة من هذا النوع نتائج ايجابية غير مباشره ومضمونه في هذا الصدد.علي ذلك فأن تقييم مدي فائدة أي خطوة تأثير او ضغط علي السلطه الحكوميه، مثل تقديم عريضه او تنظيم موكب أو اعتصام في تحقيق هدف الاصلاح ينبغي ان يتم بهذا المعيار فقط. وبما ان معطيات الواقع الراهن لاتسوغ توقع نتائج سريعه لجهود المعارضه اعادة هيكلة العمل النقابي بألغاء القانون الحالي فأن النشاط المعني سيتم ضمن  الاطر الموجودة حاليا مع ملاحظة ان التطور التدريجي للعمل العام سينعكس ايجابيا في هذا المجال.
الي جانب النشاط والمهمات المتعلقه ببرنامج الاصلاح التعليمي مباشرة هناك مجالات نشاط ومهمات غير مباشره تسهل هذه المهمه وتستفيد من اي تقدم يتحقق في انجازها بنفس الوقت . من ذلك ، مثلا، النشاط المتعلق بتوسيع افاق التلاميذ والطلبه وغيرهم خارج المؤسسة التعليميه بأنشاء مكتبات تسليف خاصه في الاحياء بأمكانيات فرديه او مشتركه بين مجموعة اشخاص تضم كتبا ومجلات متنوعه، اضافة الي الاقراص المدمجه وغيرها من منتجات تكنولوجيا نقل المعلومات، مع التركيز علي ما يتعلق منها بالاحتياجات الثقافية الراهنه ولاسيما فهم وهضم المادة الدينيه.  وهو نفس الغرض الذي يمكن ان يخدمه تشجيع بعض المعلمين المتنورين علي تنظيم دروس خصوصية، بالذات للتلاميذ والتلميذات، ويبدأ من اهتمام الاباء والامهات بالاطلاع علي مايتلقاه ابناؤهم في المدرسه ومحاولة تصحيح فهمهم للمواد الدينيه.  كذلك مسألتا الزي العسكري للتلاميذ وحجاب تلميذات مرحلة الاساس اللتان تهيئان أذهان ونفسيات الاجيال الجديده للتدجين، تصلحان كموضوع لنشاط فردي او أُسري او جماعي من داخل او خارج مجالس الاباء/ الامهات.


( 3 )  البيان بالعمل .. كيف ؟

صياغة الاستراتيجيه علي هذا النحو الذي يفسح مكانة خاصة للاصلاح التعليمي والمجتمع المدني يزيل العقبة الكبري امام فعالية جهود المعارضه تجاه كافة القضايا التي تتبناها مجتمعة ومنفرده في اطار صراعها مع حكم المؤتمر الوطني- الاسلامي ( التحول الديموقراطي، تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي،  صيانة الوحدة الوطنيه، الخ.. الخ.. ). فغياب التفسير المقنع لمصدر ضعف فعالية العمل المعارض وكيفية إزالته  دفع معظم كوادر الاحزاب والناشطين السياسييين والثقافيين والنقابيين الذين  يشكلون عصب حركة التغيير والمعارضه، للانصراف الي شئون الحياه اليوميه واخرون الي الحركات الاقليميه والاهتمامات الادبيه، محملين القيادات مسئولية الفشل المتكرر. والشاهد هو ان هذه النوعية من الاوساط بالذات، حزبية ولاحزبيه، تتمتع بخاصيتين حاسمتين فيما يتعلق بأحياء العمل المعارض بمختلف اشكاله هما : التأهيل اللازم لاستيعاب صحة هذا التفسير وتقدير جدواه في صيانة جهودها وتضحياتها من الاهدار مما سيدفعها لمعاودة الانخراط في العمل العام، والثاني هو كونها تشكل الحلقة القيادية للجمهور الواسع تعبئة وتنظيما. بهذا المعني الملموس والمحدد يعتبر مجرد إعادة تأسيس استراتيجية المعارضه بإدماج هدفي الاصلاح التعليمي والمجتمع المدني والعلاقة بينهما في صلبها انطلاقا من الفهم الصحيح لجذر الازمه، مفتاحا لباب توظيف الطاقة الابداعية لهذه الشريحة النوعيه من النخب السودانيه في خدمتها بتوليد الافكار ومفردات خطة العمل اللازمه لذلك ثم تنفيذها واستنهاض المجتمع والجماهير.  
      ومع قناعة صاحب هذه الورقه بأمكانية إنجاز مفردات برنامج الاصلاح التعليمي المشار اليه واسهامات المجتمع المدني الهدف- الوسيله، فأن ماتقوله الفقرة السابقه ضمنا هو ان ثبوت عدم صحة هذه التوقعات لاينفي امكانية تنامي قدرات المعارضه عموما بأعتبارها نتيجة منطقية وعمليه لارتفاع معنويات النخب القائده الناجم عن وضوح الطريق نحو بناء نظام سياسي ديموقراطي قابل للحياه وللمرة الاولي في تاريخ المعارضات السودانيه. ليس معني ذلك ان الخط البياني  لمسار المعارضه بقوة الدفع هذه سيخلو من التعرجات هبوطا وصعودا. هذا ضد منطق الواقع حيث الازمة العامة متشعبة الجذور متراكمة الطبقات مما يخلق تعقيدات بنفس المستوي في التطبيق العملي تؤدي للفشل والهزائم في بعض المعارك مع القوي والمصالح والعقليات المتكلسه حول نظام المؤتمر الوطني (الاسلامي) ولكن الحصيلة النهائيه ستكون ايجابيه قطعا لان سلامة الخطوط العامه للاستراتيجيه تعني ان الاخطاء ستكون محصورة في الخطوط الثانويه مما يسهل معالجتها. علي هذا فأنه سيكون ضد منطق الواقع ايضا بقاء قوة الدفع محصورة في حيز التأثير الايجابي لوضوح الطريق علي المعنويات لان الحراك الذي ستولده زائدا امكانية اكتشاف الاخطاء وتصحيحها، سيميل بميزان القوي السياسي لمصلحة المعارضه تدريجيا الي حد او اخر بما يمكنها من تحقيق نجاحات في بعض الجوانب لاسيما تلك التي تركز عليها الاستراتيجيه، ولكن ايضا في القضايا الاخري المطروحة علي اجندة المعارضه.    
         علي المدي الزمني المناسب، أستمرار هذا الميل سيولد ديناميكية دفع ذاتي تشكل في حد ذاتها عنصر زيادة لمعدل الميل، تقود الي التحول الديموقراطي المستدام، أي الذي ستزول فيه ليس فقط رموز وهياكل الانظمة الانقلابية الدكتاتوريه، كما حدث بعد سقوط نظامي انقلاب نوفمبر 58 ومايو 69، وانما أيضا عوامل إعادة انتاجها ممثلة في جفاف منابع الوعي الديمواستناري نخبويا ومجتمعيا. إذا قبلنا حيثيات الاستراتيجيه ( العلاقه بين الديموقراطيه والاستناره اوروبيا وسودانيا وعوامل تآكل الاخيرة لدينا) فأن المسار الاستراتيجي الذي تقترحه الورقه، او بديل اومكمل له شريطة التزامه بحيثيات الاستراتيجيه، هو المخرج الوحيد من الازمه العامة  التي تنخر الجسدالسوداني  وطنا ودولة، والاخطر من كليهما، مجتمعاً. من هنا فأن اعتراضا يتصل بطول الفترة الزمنيه التي ستستغرقها الاستراتيجية يكون غير ذي موضوع فضلا عن انه غير صحيح تماما. لقد جربنا المسارات الاخري القائمة علي المواجهة العنيفة ثم السلمية بلا ترافق مع خطوط عمل تعالج جذور قبضة النظام بالقدرالممكن من موقع المعارضه وانتهينا، ليس فقط الي مشارف الكارثه،´وانما الي بقاء وتعاظم مسبباتها. لذلك فأن الاستراتيجية التي تقوم علي استكمال هذا النقص الخطير ستختصر الزمن ايضا وذلك بمعنيين . المعني السلبي يتمثل في ايقاف إهدار الزمن، الضائع منذ عام 2000 علي الاقل، عنما قبلت المعارضه بالحل السياسي دون ادراك موجبات نجاحه فبقيت الجهود الكبيرة التي بذلتها بعض قياداتها وتضحيات الكوادر والجماهير دون مردود.اما الايجابي فهو ان اي انجاز تحققه المعارضه سيكون خطوة نحو نجاحات متواليه ومتعاظمه لانه سيكون من صنع قوي حيه تزداد كما وكيفا بأضطراد. الجسد السوداني الفاقد للمناعه فغزته الامراض التي هدت هيكله سيبدأ في توليد الاجسام المضاده ، وبقدر الجهد الفردي والجماعي الذي سيبذل لحقن هذا الجسد، وبالاحري العقل النخبوي الذي يتحكم فيه، بالمصل المضاد  تكون سرعة ايقاف تغلغل المرض ومن ثم استرداد العافيه.  
     في خضم الحراك المتوقع أقترابا من وضع التحول الديموقراطي علي هذا النحو  فأن مصير نظام المؤتمر الوطني- الاسلامي سيتقرر، علي الارجح، وفق واحد من سيناريوين. الاول هو بقاؤه كحزب وفق حجمه الحقيقي كبقية الاحزاب سواء  في الحكومة، منفردا او متحالفا مع حزب اخر،او المعارضه. السيناريو الثاني الدخول في صراع-مواجهة ، وليس صراع تنافس سياسي سلمي، بدفع من الجناح المتشدد في المؤتمر الوطني ضد معارضة حيه مدعومه شعبيا مما سيطيح به عاجلا أو اجلا. ورغم الانطباع السائد بأرجحية هذا الاحتمال بناء علي درجة التمكين العاليه والمصالح والعقليات المتحجره  فأن مايجدر الانتباه اليه ان قوة الجناح المتشدد الحاليه لاتعود الي قوة النظام الذاتيه فقط وانما الي ضعف العمل المعارض وهو عنصر سيزول بالتدريج وفق هذه الاستراتيجيه. أضف لذلك ان المؤتمر الوطني هو،  بقدر ما، تحالف بين ( الحركة الاسلاميه ) وفئات متعددة الخلفيات والدوافع يجمعها عدم الانتماء الي هذه الحركه.  هذه التحالفيه تشكل وضع خلخله بالامكان في تركيبة حزب المؤتمر يمكن ان يصبح واقعا مع نمو قوة الطرف المعارض في المعادلة السياسيه. الي جانب ذلك الحركة الاسلامية اضحت منذ مده مواجهة بتحد من داخلها يتعلق بأسسها الفكرية والايديولوجيه من قبل تيار نقدي يتمثل في كتابات عدد من مفكريه، ربما كان الاخطر عليها من غيره لانه ليس تحديا سياسيا سطحيا كما هو الحال مع إنشقاق" المؤتمرالشعبي ". هذه الاعتبارات وغيرها ترجح عدم حتمية سيناريو المواجهه- الصراع مدعومة بحقيقة ان البيئة العربية والافريقية والدوليه لاتشجع علي قيام نظام مغرق في الدكتاتوريه مثل النظام الذي سيتمخض عنه بالضروره انتصار تيار التشدد.  علي اية حال مهما كانت السيناريوهات فيما يتعلق بمصير النظام فأن المعارضه، وتاليا البلاد بأجمعها، ستكون في وضع افضل كثيرا للتعامل مع ماسيحدث إذا ما أقدمت علي مراجعة جذريه لاستراتيجية عملها سواء علي الخطوط المقترحة هنا او غيرها.