بقلم: عبد العزيز حسين الصاوي
الاهتمام المتزايد بقضية تطوير التعليم لايمس ، وفق ادعاءات هذا المقال ،  جوهرها وهو علاقتها بأعادة تعريف مصطلحي  المعارضه  والعمل السياسي  عموما. ربما تحت تاثير الحقب  الدكتاتورية المتتاليه  التي  تفرض  بطبيعتها المواجهة المباشره  كأسلوب  للعمل السياسي ولاتترك مجالا كبيرا للتفكير ذي الافق الاستراتيجي، تجذر  في  وعينا  وسلوكنا فهم ضيق لهذين المصطلحين  يحصرهما في  اسقاط الحكومة القائمه ، منتقلا  حتي إلى ممارساتنا  ابان الفسحات الديموقرطية  القصيره . ساد بالتالي اسلوب في المعارضه اميل  إلى  المناوأة بالشعارات  والبرامج المعممه مما ولد بدوره ميلا إلى  سيناريو الانقلاب المضاد  او الانتفاضة القصيرة ، وحتي التدخل الخارجي ، في المخيلة السياسية الجماعيه كمخرج من وطأة الانظمة الدكتاتوريه  بدلا من سيناريو  التاكل . هذا الاخير ينبثق من فهم اعمق للنظام التسلطي المعين كتعبير عن ظاهره  وليس  نبتا شيطانيا فيكتسب العمل  السياسي  المعارض  مضمون المسئولية العامه بمعناها المزدوج  : شموله لكافة مجالات الحياه ، والفرصة التي  يتيحها بذلك لكل  المؤمنين بالديموقراطيه  مهما كانت لونيتهم الحزبيه  ومواهبهم ومؤهلاتهم ، او انعدامها ،للاشتراك فيه. هو باختصار ممارسة للحكم من خارج السلطه  يفترض جاهزية الطرف المعارض ببرامج مفصلة قدر الامكان  في  الصحه والفنون كما في الحرب الاهليه والسياسة الخارجيه والاقتصاد مما يفترض  اولا  رسوخ العقلية والقناعات الديموقراطيه لديه ..  فما الدكتاتورية لدي الحكومات، كما لدي الاحزاب المعارضة ايضا، في  الحقيقة والجوهر الا الشعارات المعممه  والايدولوجيات  القائمة علي  التنظير  المجرد  لانها معدومة القابلية للاختبار باحتياجات الناس المعنوية والمادية الملموسه وللتفاعل  مع وجهات النظر والتصورات  الاخري .
  ولعله، بل من المؤكد، من قبيل المجازفه بتكرار تصورات طرحت سابقا، القول بأن الحلقة الرئيسية  في  ديناميكية  التدهور السوداني  هي  التداعي  النوعي  للنظام التعليمي مصحوبا  بتضخمه  الكمي. في مجتمع تتسع فيه الفجوه بين الريف والمدينه  من حيث  درجة الاستناره وترتفع فيه تاليا  اهمية الدور  القيادي  للقطاع السكاني الحضري ،  ومعظمه ريف متمدن ولكن في ظروف طبيعيه تتميز بالتدرج وتوفر شروط الحد الادني الانساني لاستيعاب الهجرات الريفيه،  ترتفع بنفس النسبه  اهمية النظام التعليمي باعتباره  بؤرة الاشعاع الاولي  والاهم  لهذا القطاع  . وهي اهمية تزداد ولاتنقص مع الزمن السوداني منذ  مايتجاوز الثلاثين عاما بعكس ماعليه الحال في مجتمعات التطور الاعتيادي – ومن بينها سودان زمان - التي  تتولي  فيها عمليات توسع القطاع الاقتصادي الحديث  والاحتكاك التفاعلي مع العالم القسم الاكبر من مسئولية تضييق الفجوه بين الريف والمدينه، ببطء ولكن بثبات. مايحدث عندنا نتيجة توقف  فعل  تلك العمليات،  تطور عكسي  تتقلص  فيه  هذه الفجوه  ولكن لمصلحة اقتراب  المدينة من الريف في  جوهر العقلية والسلوك، كما هو الحال في التعامل  مع الدين علي  سبيل المثال  الاوضح من غيره،  بينما يشهد الريف عملية تحديث  تشويهيه يفقد فيها قيمه التقليدية الايجابيه مقابل مظاهر وقشور للسلوك العصري . في هذا السياق   تتضاعف المسئولية الملقاة علي  عاتق  النظام التعليمي  في استعادة  المجتمع السوداني  لوتيرة ووجهة تطوره الاعتياديه  فيما يشبه تاريخية الدور  الذي  قام به الرعيل الاول  من المتعلمين اوائل هذا القرن ، ويصبح بالفعل اولوية الاولويات في أي عمل  سياسي معارض جاد  يستحق هذه الصفه .
المعضله طبعا ان اعادة  تاسيس جذريه بهذا المستوي  للنظام التعليمي تحتاج إلى سلطة دوله  داعمه للبرنامج المطلوب  بكل ماتملك من امكانيات لاقتناعها بضرورته وهما شرطان مفقودان سودانيا الان ولفترة ستطول  ولكن المخرج موجود دائما امام التصميم القوي  والعقل المبدع .  وفق الفكرة التي يتبناها هذا المقال فأن اي اهتمام جدي بالعمل المعارض، اي قائم علي إدراك البعد البعيد للازمه،  لابد ان ينعكس في اولوية التركيز علي تحقيق اكبر قدر ممكن حاليا من اصلاح للنظام التعليمي كمناهج ثم كمكونات اخري للعملية التعليميه، وهو امر يبدو تهويما في الخيال بالنظر لاجواء وطريقة عمل وتفكير المعارضة. العقبة الاساسية هنا هي الفهم الميكانيكي للعلاقه بين امكانية تغيير السلطه الحاكمه وامكانية تغيير النظام التعليمي، وكذلك الاستهانه بما يمكن للمجتمع المدني تحقيقه.  هنا شرط امتناع لامتناع مصدره تصور واع وغير واع بأن السلطة كتلة صماء 100% وفي كل ماتواجهه من قضايا وانها تتحرك في فراغ محلي واقليمي ودولي كامل او موات لها تماما وان العمل السياسي  المباشر، مواجهة او مهادنه، هو الاسلوب الامثل للحصول علي مكاسب تجاهها.  وهذه جميعا افتراضات غير صحيحه بدرجة او اخري.  فدرجة عدم تجانس السلطه حتي عندما كانت خالصة للمؤتمر الوطني امر ثابت فما بالك بعد دخولها مرحلة المشاركات النايفاشيه وغير النايفاشيه. 
 وبينما يكثر الكلام المعارض عن اهمية دور المجتمع المدني يظل الفعل محدودا لاسباب متعدده من بينها ان الاوساط المعارضه تعتبره شأن من لاشأن لهم بالسياسه او،علي  النقيض من ذلك، ان كوادرها لاتفهم كيف يخدم الالتزام الكلي بحيادية هيئات المجتمع المدني  اهدافها الحزبية من خلال تنمية روح الخدمه العامه وتقاليد الديموقراطية التطوعيه، فتقتلته بمحاولة تحزيبه.  والفضاء الاقليمي والدولي الثنائي والجماعي يفيض يوميا بالسياسات والامكانيات والخبرات المتصلة بموضوع تطوير التعليم.
     من نماذج النشاطات المعارضه الذي كان ولازال بمقدوره خدمة هدف الاصلاح التعليمي لو توفر الوعي بالخصوصية البالغة لأهميته لها ولمستقبل البلاد عموما ولدور المجتمع المدني في هذا المجال،  متابعة تصريحات كان قد ادلي بها الوزير المكلف بالتعليم العام في مقابلة اجرتها معه صحيفة الايام في 14  نوفمبر 2006.   في مجال التأكيد علي ماأصبح في حكم البديهيات  حول الاولوية المتدنيه للتعليم في سلم اولويات الدوله يقول د. حامد محمد ابراهيم : "  الصرف على التعليم على الورق 3 إلى 4% ولكن فعليا هو اقل من 1%.  في دول الاقليم   حتى الافقر من السودان تصل النسبة إلى 7% و 8%  وهذا بعد ان تم تهيئة البنية التحتية  حيث وصلت نسبة الصرف في بعض الدول إلى 40% ."   علي ان الاكثر اهمية في افادات الوزير من منظور الفكرة التي يحاول هذا المقال اثارتها، انه يخفف من مسئولية الحكومة الاتحاديه في قضايا اساسيه مثل  (اسطورة ) مجانية التعليم  وتدني نوعيته وينتهي في ختامها الي وعد حاسم بالعمل علي ( علمنة ) التعليم.  هذا ماتدل عيه المقتطفات التالية من المقابله .
" الوزارة لا تفرض رسوما على التعليم مطلقا ( .. والرسوم ) ليست مسؤوليتنا والقرار الجمهوري (34) قضى بتحويل السلطة على المدارس إلى الولايات وبالتالي هذه القضية امر ولائي ويسمونها مساهمة وتفرضها مجالس الاباء وليس ادارات المدارس"  .  " التوسع في التعليم لم يتم على حساب الجودة ، ليس بالضبط ، لانه  اتاح الفرصة لاكبر عدد ممكن في الاطفال في سن المدرسه و كان ضرورة ملحة طبيعية للزيادة في السكان وبالتالي الزيادة في عدد الاطفال وقد يكون السبب في تدني الجودة هو ضعف الصرف على التعليم مع زيادة مهولة في اعداد المدارس والمعلمين " .  فيما يتعلق بكون المناهج تعبر عن الجهة التي وضعتها وتتماشى  مع  ايدولوجيتها، فضلا عن ان بها الكثير من الحشد وتعتمد على التلقين يقول السيد الوزير : "  في الوزارة الجهة المشرفة على المناهج هي المركز القومي للمناهج والبحث العلمي وهو مركز يضم خبراء ومتخصصين  لكن دائما ما هنالك ربط بين الاداري والسياسي والمركز ينفذ خطة الحكومة  وهذا لا يعني ان المركز مجرد اداة تنفيذ، بالتأكيد سيكون له دوره الفني وحتى ان كان هنالك تأثير فانه في النهاية يضع مناهج وفق المنظور التربوي.  وتكثيف بعض المواد على حساب اخرى ناتج عن ايدولوجية واضع المنهج .. فعلا نحن في حاجة إلى اجراء موازنة بين المواد المكثفة وتلك التي كان على حسابها التكثيف( ..... واقول ) اننا سنعلمنها بمعنى انها ستكون مناهج علمية بعيدة عن السياسة، وسندعو حينها الجميع للمشاركة في اعدادها ".
 هذه الافادات قدمت مادة دسمه لعمل معارض بالمعني الصحيح والشامل للكلمه. الوعد الحاسم الذي قطعه الوزير،  وبالنسبة لاهم  مجالات الاصلاح التعليمي من منظور هذا النوع من المعارضه،  وصل درجة استخدام مصطلح ( العلمنه ) مايشكل مهمازا لفعل يخترق سطح الازمه العامه الي جذرهما الاهم من غيره. ولكن عامان مرا منذ صدور هذا الوعد دون حراك  ما يطلق سيلا من التساؤلات النقديه :  هل فكرنا وخططنا لكيفية الزام السيد الوزير بتصريحاته؟  . كم بيانا، علي سبيل المثال، اصدرته تنظيمات الطلاب المعارضه مقارنه ببياناتها في القضايا الاخري؟    كم .. وكم.. اجزم ان الاجابه لاشئ او لاشئ تقريبا متحججين بأن  قضية تعديل المناهج مطابقة تماما لتغيير النظام كليا او جزئيا. وهي حجة لامعني لها قبل الدخول في محاولة جديه لاختبار مدي صحتها علما بأنه لافشل نهائي اذا احسنت المعارضة توظيف المجتمع المدني لان احترام خصائص اللاحزبيه والطوعيه سيتجذب قطاعات شعبية متسعة بأستمرار، بما فيها  قطاعات مؤيدة سياسيا للسلطه.  وكخطوة مصاحبه يمكن بحث الامر مع السيد الوزير مباشرة ثم مع مولانا الميرغني رئيس الحزب الذي ينتمي اليه وكخطوة تصعيدية، لها مفعول تعبوي وتوعوي للجمهور العام ايضا، المطالبة باستقالة الوزير ، اذا استدعي الامر. اضافة لذلك، واخيرا وليس اخرا في هذا الموضوع الذي تستحيل المبالغة في اهميته، هناك السؤال المحوري الذي يطرحه التصور غير التقليدي لاسلوب العمل المعارض : هل بمقدورنا، كمعارضة شماليه، لوم الحركة الشعبيه علي عدم استخدام ثقلها السلطوي النسبي للضغط والمساومه بالاتجاه المطلوب اذا كنا نحن انفسنا عديمي الاهتمام الجدي بأصلاح منظومة تعليميه لاتجيد سوي انتاج السلفيين او، في افضل الاحوال ، مسلمين عديمي الحساسيه تجاه التكفير والعنصريه ..مع ذلك نتحدث ملء افواهنا عن جهودنا لجعل الوحده جاذبه.     
    (  عن جريدة الاحداث السبت 28 فبراير 2009 )