عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كان الراحل عبد الله عبيد كلما التقيته في أمدرمان، أيام كنت مقيما فيها،يسألني عن أولادي وكانوا صغارا، ويطلب مني أن أغني لهم، ثم يشرع يدندن في استمتاع (أمتى أرجع لأمدر وأعودا). ذات مرة قلت له إن الأطفال يكبرون بسرعة ياصديقي، أجابني بمرح طفولي ألسنا كذلك أيضا.

لم يكن الصديق عبد الله عبيد الذي انتقل لدار البقاء عن 85 عاما وشهرين وسبعة أيام، عاشقا لأمدر فقط فهو مناضل بدرجة عاشق لكل القيم الفاضلةحتى أنه في سبيل غرس الكثير منها في الحياة دفع الكثير من وقته وكسبه وصحته.

تباشير المطر

عبد الله عبيد رجل ارتبط بالجذور، بشكل لا مثيل له، كان يبدو مستمتعا كطفل حين تخطف عيناه برك المياه بعد ليلة ممطرة.

لا شيء يبهجه أكثر من غيمة تحمل تباشير المطر، إذ يراقبها وكأنه يستعد لقراءة النشرة الجوية.

يهاتفك أن المكان المقبل للقاء هو دار اتحاد الصحفيين في المقرن أو سمك البربري الأب في شارع عبد المنعم محمد عند مدرسة الخرطوم الأميرية أو فطور السمك المحضور برفاق الزمن الجميل صباح السبت في منزله الكائن فيالحارة الخامسة من ثورة أمدرمان، وليس لك أن تعتذر. وفي أحيان كثيرة يأتيك زائرا، وقبل أن يرتشف كوب الشاي يحدد وقت الرحيل، وهو عنده يأتي عادة بعد الكوب مباشرة.

وهذا هو العاشق عند عبد الله عبيد، فقد كان الوطن هاجسه، وتلقى في سبيل عشقه الكبير لوطنه الكثير من الطعنات فوق ودون الحزام، ولكنه لم يأبه أو يتوقف، كان يقول دوما: هذا الزمن سريع جدا، فلا مكان للمتقاعسين أو المترددين.

لكن صدمته الكبرى تبدو حين يتذكر مواقف الرفاق الذين شاركهم النضال وقلبوا له ظهر المجن، إلا أنه لم ييأس، فقابلهم وقارعهم الحجة بالحجة وفي معظم الأحيان كان له ما أراد، فهو الفارس حين يتواجد ولا مكان للغوغاء أو تهييج الجماهير، فالمنطق يفرض نفسه حين يكون هو أحد الطرفين.

مرجعيات الذاكرة

هل يمكن الكتابة عن عبد الله عبيد دون ربطه بمرجعيات في الذاكرة والعودة إلى نقطة ناصعة غائرة في تأريخ الصحافة السودانية الذي لم يكتب بعد. وهنا يمكن القول إن الراحل عبد الله عبيد اسم مهم في حركة الصحافة السودانية منذ خمسينيات القرن الماضي، فهو من ذلك الرعيل الذي ربط بين الصحافة والحركة الوطنية. وينتمي أيضا إلى ذلك الجيل الذي صنع نهضة ماتزال تعيش في ظلالها الصحافة السودانية.

وعبد الله عبيد أيضا من أبناء أمدرمان الذين تربوا على ثقافة مفتوحة أيام كانت الثقافة عملا جماعيا جادا وخلاصا فرديا مميزا، ولم تكن قد أصبحت تجارة أو عمليات (استهبال)!

يقدم عبد الله عبيد في بساطة شديدة أنموذج اليساري الموصول بثقافة العصر ومشكلاته. ويرسي بما يحمل من صفات المناضلالمتكامل، صورة القدوة لأجيال بأكملها في الحركة اليسارية، انفتحت على ثقافة العصر وجعلت السياسة عملا نبيلا يهتم بقضايا الناس في طرف الشارع، ثم  يزرع الاهتمام بمشاكل الغبش ويضعه في قلب المسؤول الدستوري أو الشعبي، لأنه سبيله للتغيير نحو الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

ورغم أن الفهم المسيطر على السياسة السودانية يصلها بالحيل والمكائد، إلا أن عبد الله عبيد ومن لف لفه باشر التعاطي معها بوصفها قلعة النضال التي تقود مشروع الحياة إلى الأفضل.

بانوراما الحياة

لقد كان السودان سياسيا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكانت الحركة الوطنية في البلاد تعتبر أن السياسة هي الطريق الوحيد، وكل ما هو أساسي وقيم هو سياسي والأدب والفكر تابع يسبح بحمد السياسة والساسيين، وهكذا ينبغي النظر للأشياء.

في روائح ذلك العصر كان عبد الله عبيد حسب شهادة طيب الذكر الأستاذ أحمد سليمان المحامي (من الرفاق المحترمين يقيمون دنيا الأخ أبارو ولا يقعدونها ومن قبله شيخه المرحوم بابكر الديب طيب الله ثراهم). ويستطرد الأستاذ أحمد سليمان (يقال إن الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري كان يدمن قراءة عمود طرف الشارع لعبد الله عبيد ليعرف مناوشته للرئيس الأزهري وحزبه).

رفد الراحل عبد الله عبيد المكتبة السودانية بسبعة كتب، كان أبرزها سيرته الذاتية المعنونة بـ (ذكريات وتجارب) الصادر فيطبعته الأولى في العام 2005م.

ورغم أن النقاد يميزون بين السيرة المكتوبة بقلم صاحبها والسيرة المروية بقلم باحث آخر، إلا أنهم يخلصون إلى أن الضرورة تحتم تضافر التاريخ والسيرة معا لتكوين المعرفة التاريخية. وهنا تكمن بالدرجة الأولى قيمة تجارب عبد الله عبيد، في أنها سيرة ذاتية لمثقف ثقافة حديثة يعيش في مجتمع تقليدي. وفوق ذلك فإن كتاب تجارب وذكريات عبد الله عبيد عبارة عن بانوراما واسعة للحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في السودان في النصف الثاني من القرن الماضي حتى نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي.

ذكريات وتجارب

ينتقل بنا عبد الله عبيد في كتابه (ذكريات وتحارب) مثل قطار سريع يلهث بين محطات بعيدة في اتجاهات متعددة عبر 186 صفحة، بينها 38 صفحة من الصور الفوتغرافية، على مساحة زمنية تمتد لـ 60 عاما. وقبل أن تنطلق  الرحلة يطلب من القارئ أن يصدقه القول إنه (قد قرر أن يسجل تجربته الشخصية في العمل الوطني العام والصحافي والعمل السري في الحزب الشيوعي والحقل الرياضي عسى ولعل أن تجد فيه الأجيال الحالية والمستقبلية ما يفيد).  

ولعل هذا التواضع يدعم غنى التراث السوداني بهذا الحقل من التدوين، ويعيد التذكير بكتاب الطبقات، وسائر التراجم والسير المخطوطة والمدونة في تاريخ كتابة السيرة السودانية القديم منها والجديد.

أما جديد عبد الله عبيد، فهو أن تجاربه وذكرياته لا تكتفي بمجرد التركيز على المذكرات والسير الذاتية كمصدر لتاريخنا الحديث، بل تشكل مادة أساسية لدراسة التاريخ، فهي تقدم شهادة شخصية صادرة من مشارك في صنع الحدث، وتغوص في تفصيلات إنسانية من الصعب العثور عليها في الكتب العادية.

يروي عبد الله عبيد عدة أحداث في أزمان متعددة بمخيلة متكاملة، ذلك أن التاريخ يلتقي السيرة في وحدة الزمان والمكان وفي الفعل والمعنى.

ويبدو لي أن التربية الماركسية الصارمة لعبد الله عبيد قد مكنته من تجنب مشكلات الزمن التاريخي في كتابة المذكرات.

الزواج البراجوازي

حين يعود عبد الله عبيد إلى ملاعب الصبا لا يكتفي بسرد ملامح من تاريخ حياته، بل يغوص بنا بانبهار شيوعي قديم في أعماق رحلته السرية إلى الصين. وحين ينتقل إلى عطبرة كشيوعي متفرغ يسجل ذاكرة مدينة من خلال رصد حركة الانتقال وتحولاتها من مدينة صغيرة إلى (مثابة برولتاريا) تعج بحركة جعلتها مقصد المناضلين والثوار والأحرار).

والسيرة الذاتية التي انتهجها المؤلف في عطبرة كانت أشبه بتوثيق لذاكرة المجتمع الشيوعي، فقد التحق بفريق كرة القدم بناء على تعليمات لجنة الحزب التي عقدت أكثر من اجتماع لكي تحدد له الفريق الذي يعبر عن الطبقة العاملة. وتكاد تحس معه بالسعادة، لأنه عندما  ققر أن يتزوج بنت خاله، وافق الحزب الشيوعي على الزواج وتمنى له التوفيق. ثم يوثق لكثير من ترابط وتكافل الشيوعيين، حيث سجلت ذاكرته تفاصيل حفل المرطبات والمبالغ التي جمعت لإكمال الزواج ورحلة السيرة بالقطار من عطبرة إلى شندي وحفلات غنى فيها الفنان المخضرم حسن خليفة العطبرواي وقدم الدكتور مكي سيد أحمد مقطوعات موسيقية، وحدث كل هذا والعريس لم يكن يملك جنيها واحدا.

وطغى في هذا الفصل المعنون (تجربة زواج شيوعي متفرغ) السرد القصصي الشائق الذي لا يخلو من مفارقات حين نعلم أن العريس خرج من هذا الزواج (البراجوزي الضخم) بمبلغ 700 جنيه.

أرشيف الصور

(ذكريات وتجارب) كتاب غني جدا بمحتواه من الصور بعضها نادر وكثير منها طريف تجد عبد الله عبيد لاعب الكرة الماهر في أول فريق قومي سوداني، وتراه جالسا على كنبة حديقة في موسكو مع الشاعر الفذ عبد المنعم عبد الحي، وتجده راقصا مع فرقة شعبية في الصين، ولا تندهش إذا رأيته بملابس تنكرية مع حرمه في القاهرة في رحلة شهر عسل نفذت بعد 50 عاما من زواجهما.  

ويعد كتاب ذكريات وتجارب من كتب السيرة الذاتية في السودان التي اهتمت بنشر الصور التي تثري موضوعات الكتاب بصريا.

تجارب وذكريات سيرة ذاتية، تحمل عشرات الأسئلة والكثير من الأفكار حول الماضي والمستقبل، لكنها ليست سيرة ذاتية معتادة، فالمؤلف لا يذكر هنا إنجازاته وما فعله في حياته، لكنه يتساءل عن الحياة والناس من حوله.

في 148 صفحة و34 صورة يتحدث عبد الله عبيد عن حياته وما فعلته خلال الـ 65 عاما التي قضاها بين الصحافة والسياسة وكرة القدم وخدمة الناس.

ينتقل من موضوع إلى آخر برشاقة وروعة، تثير الكثير من الأسئلة في دواخلنا بعد أن جعلته هذه الأسئلة يؤلف هذا الكتاب.

وكأن عبد الله عبيد يقول في النهاية لأ أظن دائما أن الناس لن تفهم هذه الأفكار، فقد كف منذ وقت عن أن يبررها أو يبرر نفسه لأحد.

الراحل الظاهرة

ليس عبد الله عبيد رحمه الله مجرد صحفي أو سياسي أو حتى ناشط رياضي، لعله ظاهرة، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ظاهرة في ما تعنيه من استدرار للأسئلة وحفز على التفكير والحوار، واستدراج للاختلاف معها. إذ لا تبدو الكتابة لديه تراكما، بقدر ما هي اقتراح نوعي مستمر، يصعب على كثيرين السير على خطاه، فقد واصل الكتابة وأصرَّ على كشف الزيف وأصحابه، فتلقى الشتائم والصراخ، وزاد إصرارا على إيضاح الحق، فراهن على العقل دون العاطفة. وكل هذه المواقف الناصعة التي كانت تفيض حبا ووطنية أسهمت في رفع رصيده الرفيع أصلا على المستوى الشعبي.

لم أتوقع يا صديقنا أن ترحل هذا العام، فالسماء لم تمطر بعد والأعشاب لم تنبت، وأسماك الخرطوم لم تفح رائحتها المفضلة لديك، لأنها أصبحت تجلب من المزراع أو تأتي محمدة من الخارج. والأطفال الذين لم يعودوا أطفالا عادوا للنشيد من جديد بصوت مكسور هذه المرة.

نقلا عن جريدة (السوداني)