عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تمر هذه الأيام الذكرى السابعة لرحيل الشريف زين العابدين الهندي صاحب الشخصية المشبعة بأنفاس الصوفية والوطنية، وهذه مناسبة طيبة لتتبع أثره إذ يبدو أن الراحل المقيم قد عاش حياتين، حياة صوفي معذب بما عشق ومن يعشق، وحياة سياسي متمرس على التعامل بشفافية تضفي عليه صفة المتمرد.
ويجتهد هذا الأثر في التأسيس لكتابة تناول مناقب وأراء وأفكار الشريف زين العابدين وخلاصة التأثير الذي خلفه في الحياة السياسية، على الرغم من صعوبة المتابعة الدقيقة لكل التفاصيل والأساطير والأحلام والأوهام التي تملأ الحياة السياسية لتيارات الحركة الاتحادية بكافة مسمياتها ومراحلها. ولعل المهم هنا الإقرار بأن الشريف زين العابدين في وسط كل البحار الاتحادية التي تئن فيها الرياح قد عرف كيف يصنع المركب والمجداف، وقطعا كان هو الملاح الذي قاد مجموعة من إلى تأسيس حزب باسم الاتحادي الديمقراطي أصبح الآن (رقما مهما) بين أحزاب أهل السودان.
حسب شهادة الميلاد ولد الشريف زين العابدين في حي بري الشريف من قرية بري اللاماب عام 1930 في بيت ديني كبير يحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد المريدين في السودان. ووالده هو الشريف يوسف بن الشريف محمد الأمين بن الشريف يوسف بن الشريف أحمد بن الشريف زين العابدين بن الشريف حمد بن الشريف آدم بن الشريف محمد الشهير بالهندي ينتمي نسبه إلى الرسول الكريم. وقيل إن هذا اللقب جاءه من أن مرضعته بمكة كانت (هندية الأصل) وهو أول من دخل السودان من أجداده ، من جهة الحجاز في منتصف القرن العاشر الهجري تقريبا. ونسب هذه الأسرة حسب شهادة من العلامة عبد الله الطيب مذكور في مخطوطة السدوسي لأنساب قريش.
ووالدة الشريف زين العابدين هي التاية بت محمد خير  الشايقية من مقاشي، وهي شقيقة رائد الحركة الوطنية الأستاذ أحمد خير.
ودخل الخلوة ليتعلم القرآن الكريم في صباه الباكر ثم أخذه جدُّه لأمه محمد أحمد خير المعروف بود خير إلى المدرسة الأولية بمدينة سنجة. ويحكى أنه أول ما قَدِمَ إلى المدرسة أراد أحد الأساتذه امتحانه لتقييم مستواه العلمي للوقوف على معرفة ما إذا كان كفؤا للالتحاق بالمدرسة أم لا، فأعطاه ورقة وقلما وقال له: أكتب. فلم يتردد الشريف زين العابدين وكتب: ماذا أكتب؟ وعندما قرأها الأستاذ أُعجِب به وقرر أن يُدخله الصف الثاني مباشرة.
غير أن الشريف زين العابدين ركل هذا الوضع الأسري المميز، ونشأ نشأة عادية وسط حيران الخلوة، مما أكسبه صفات التواضع والزهد والحياء الشديد والاحترام (المبالغ فيه) للآخرين بصرف عن معرفته السابقة للشخص أو الوقت الذي التقاه فيه أو سبب الزيارة. ونستطيع التأكيد أن الشريف زين العابدين هو الزعيم السياسي الوحيد في السودان حتى الآن الذي يستقبله زواره مباشرة، فليس في مقر إقامته أينما كان بواب يحجر الناس ولا سكرتير يلقاك في المقدمة ولا مكتب تنفيذي ينظم المواعيد ويضع الأجندة، فالدخول حسب أولوية الوصول. ولعل صفة المتصوف هي الطاغية هنا، لأن الشريف دائما ما يفلح في استقبال زواره وتدبيرهم أحسن التدبير.
والجانب الآخر المرتبط بهذا التميز الاجتماعي، يتمثل في أن الشريف زين العابدين الهندي
فقد الشريف زين العابدين والده وقد تجاوز عمره العاشرة بقليل، وعاش في كنف أهل والدته. ودخل في مدرسة خاله أحمد خير صاحب الذهن المتوقد والبصيرة النافذة. وأحمد خير صاحب مدرسة ذات طابع فريد، فهو رجل مؤتمر الخريجين وريحانة ندوة مدني الأدبية وخصم الطائفية اللدود ومؤلف كتاب (كفاح جيل) الذي روى قصة كفاح الجيل الذي قاد السودان إلى الاستقلال. ومع ذلك فقد فجع أحمد خير الجميع، عندما أصبح الرجل القوي في حكومة طيب الذكر الفريق إبراهيم عبود. لكن هذه الفجيعة قد تصبح غير مبررة عندما نطالع شهادة الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري الذي قال (أحمد خير رجل وطني لا غبار عليه، وتعاونه مع العساكر سببه خلافه معنا، وليس ميله إليهم).
نسوق هذه الراوية، لأن هناك من يعتقد أن الشريف زين العابدين سار على نهج خاله أحمد خير عندما قاد مبادرة الحوار الشعبي الشامل. ولهؤلاء نعيد وصف الشريف في الجمعية التأسيسية لتجربة الديمقراطية الثالثة، على الرغم من أنه كان الرجل الثاني في الحكومة آنذاك قال (إن الديمقراطية صارت جيفة لو شالها كلب لما وجد من يقول له جر).
ودون خوض في التفاصيل كانت المبادرة التي طرحها وقادها الشريف زين العابدين، عمل وطني غير مسبوق أتاح الحريات وقبول الآخر، وكانت نتيجته دستور 1998م والمشاركة الوطنية المسؤولة وفقا لبرنامج العمل الوطني. على أن أهم ما يجعل هذه المبادرة متفردة، أنها لم تعرض وحدة السودان لأي امتحان.
وفي شأن المبادرة لطائف وأسرار لم تعلن بعد، بعض منها يكشفه الشريف صديق إبراهيم الهندي بتأكيد أن (المبادرة استغرقت أربعة أشهر منذ طرحها وحتى إقرارها وأجيزت خلال هذه الفترة من نحو 40 لجنة حزبية في بادرة مسبوقة على مستوى العمل الحزبي أو السياسي).
على أن المهم في هذا الأثر أن المبادرة  تقودنا إلى التعرض إلى صلة الشريف زين العابدين بكل من ثورة الإنقاذ والتجمع الوطني، إذ يبرر الشريف رفضه القاطع لصيغة التجمع الوطني بكلام صريح واضح ردده في (وقت الحارة) في العام 1995 أن (التكوين الأساسي للتجمع تكوين فوقي لا يحقق التمثيل الحقيقي لإرادة الأمة السودانية بأحزابها المختلفة وهيئاتها واتحاداتها العمالية).  
وفيما يتعلق بثورة الإنقاذ، اختار الشريف زين العابدين موقف الرفض للنظام والمؤمن بالديمقراطية الحقيقية ذات المنافسات الشعبية الحرة والخاضع لإرادة الأغلبية فيها.
ورغم هذا الموقف الواضح ضد ثورة الإنقاذ، لم يتردد الشريف زين العابدين في الوقوف مع الوطن رافضا لكل المواجهات العسكرية ضده، ورفض قرار مجلس الأمن الدولي الداعي لفرض عقوبات اقتصادية على حكومة السودان، لأنها ستزيد من معاناة الشعب السوداني. وهنا نستطيع أن نقدم شهادة تفيد أن الشريف زين العابدين كان في هذا الرفض مطمئنا إلى أنه اتخذ القرار الوطني السليم بالدعوة إلى وحدة القوى المدافعة عن الثقافة العربية والإسلامية في وجه هجمة كانت تتخذ معاداة التطرف الأصولي ستارا.
أما الذين يعتقدون أن مبادرة الشريف زين العابدين مجرد محاولة للمشاركة في السلطة، ففساد هذا الاعتقاد يبدو واضحا في ابتعاد الشريف عن تبوء أي منصب حتى وفاته، تاركا الخيار لرفاق دربه لإكمال الشراكة. ولعل الشاهد هنا أن المبادرة كانت نداءً لكل القوى السياسية بلا عزل أو إقصاء ودعوة لكل أشكال المجتمع المدني بلا استثناء محورها تغليب لغة الحوار وقبول الرأي الآخر قبل الحديث عن اقتسام السلطة والثروة، ليبقى السودان موحدا أرضا وشعبا وليحكمه بعد ذلك من يحكمه.
حصاد القول في تتبع أثر مبادرة الشريف زين العابدين، يستدعي بث نداء للبروفسير جلال يوسف الدقير للاهتمام بدراسة هذه المبادرة من جهة أنها علامة فارقة في تطور الحركة السياسية في البلاد في نهايات القرن الماضي، حيث استشعر صاحبها الخطر الداهم الذي يحيط بالبلاد وسعى لجمع الشمل، ولم تكن تهويمات شاعر أو إرهاصات خيال فلسفي، والدليل باين في الطقس السياسي الذي يظلل حياتنا الآن.
من الجوانب المهمة في حياة الشريف زين العابدين أنه قارئ نهم، وكاتب سلس العبارة، يحرص على تجويد اللغة، وشاعر مجيد يتعب كثيرا في صياغة (حروف ما سمعوا بيها الناس). لكن هذه الجوانب المضيئة غالبا ما تذهب ضحية لتواضع صاحبها وزهده الشديد في الأضواء.
ويعود تفرد الشريف زين العابدين هذا إلى نشأته وسط ينابيع فائضة بالثقافة والفكر والمعاني من كتب ومخطوطات ووثائق وآثار مطبوعة خلفها والده الشريف يوسف الهندي ومحفوظة في خزانة الأشراف ضمن تراث البيت الكبير.  وللشريف الوالد من النفائس والذخائر (مولد الأنوار)، وله من فنون المديح (كنوز الأنوار ومنابع الأسرار).  وللشريف يوسف الهندي الأب مصنفات في تاريخ الغناء وأخرى حول المديح النبوي آمل أن تهتم وزارة الثقافة والإعلام بشقيها الاتحادي والولائي وعلى رأسهما الآن اثنين من (الاتحاديين المخضرمين) بهذه الآثار، لكي تجد طريقها للنشر.
وفي هذه الأجواء المشبعة بأنفاس الصوفية والوطنية تشكلت شخصية الشريف زين العابدين. وبعد أن بلغ سن الدراسة الأولية انتقل مع جده لأمه ود خير إلى سنجة، حيث تفتحت مواهبه في اللغة والأدب والموسيقى، ثم أنتقل إلى مدرسة بحري الأميرية، فمدرسة الأقباط الثانوية، ثم كلية دار العلوم في جامعة القاهرة.
وبعد أن تخرج في دار العلوم وأصبح (درعميا) التحق بمعهد زراعي في امبابة، ليقنن عشقه للنبات والخضرة بدراسة منهجية.
على الصعيد السياسي، ربما يسود تفكير فحواه أن رؤى الشريف زين العابدين بدأت بالثورة الانسيابية، وانتهت بمبادرة الحوار الوطني الشعبي الشامل. لكن الشريف صديق إبراهيم الهندي يبدد مثل هذا التفكير، بتأكيد  أن (رؤى  الشريف زين العابدين انداحت منذ الستينيات عندما تقدمت الحركات الإصلاحية للحزب بمذكرة النواب الشهيرة التي كان الشريف زين العابدين أحد الذين صاغوها).
ويضيف الشريف صديق (منذ تلك الفترة أتسم فكر الشريف زين العابدين بسمة التجديد والإصلاح ولم يكن له فكر تقليدي ويتخذ قراره بتأن وتؤدة وصبر شديد وقدرة فائقة على المحاورة لنفسه ولمن حوله).
ويستطرد (اتسم الشريف زين العابدين بالتواضع ونكران الذات، كتب كتابا كاملا عن الحركة الوطنية والفكرية والتاريخية للبلاد والحزب وكتب عن جميع قادة الحزب ولم يتكلم بسطر واحد عن نفسه).
ولا يسع المجال هنا لاستعراض مؤلفات الشريف زين العابدين السياسي صاحب الرؤية المستقلة، لكن المطالعة العابرة لمخطوطة كتابه (يسألونك عن الوحدة)، والتي وجدت طريقها للنشر قبل ثلاثة أعزام في ظلال صراع (الاخوة الاعداء جلال الدقير وصديق الهندي). ما يهمنا أن  الشريف زين العابدين تبدي في هذه المخطوطة مثل سياسي تاه بين رحى ثورة مايو وشقيقتها انتفاضة أبريل. فمايو عند الشريف (نقطة تحول أساسية في تاريخ بلادنا لا زالت تعاني من آثاره حتى هذه اللحظة).
ورغم أن الشريف زين العابدين ساق شواهد عديدة لتعضيد موقفه ضد انقلاب مايو، إلا أن واقع الحال يفيد أن مايو ازدهرت بفضل أعداد كبيرة من الكوادر الاتحادية ذات الوزن والتأثير الكبيرين في حياتنا السياسية، والأسماء كثيرة وللتذكير فقط: الرشيد الطاهر بكر، عز الدين السيد، الدكتور محي الدين صابر، وموسى المبارك. والسؤال هنا هل طرحت مايو البرنامج الوطني الذي جذب كل هؤلاء إليها أم ماذا حدث لكي يصبحوا من سدنتها؟. وحين طرحت هذا السؤال ذات مرة على الشريف زين العابدين، أجابني هذا السؤال يحتاج طويلة، لكن الذي حدث أن ظروف الشريف زين العابدين الصحية لم تسمح بهذه الجلسات، فضلا عن أنني انشغلت بظروف عملي في منطقة خلوية.
لسنا بصدد الإجابة، لكن وصف هؤلاء الرجال بالانتهازية والجري وراء المناصب وصف لا يطابق الواقع وفيها ظلم شديد لهؤلاء الرجال وللتجربة نفسها.
أما انتفاضة أبريل عند الشريف زين العابدين (فقد جاءت والحزب الاتحادي الديمقراطي في أقصى حالات ضعفه التنظيمي، وسيطر على قيادته تجار السوق والمريدين والموظفين المدجنين الذين اشتركوا في مايو).
وعندما تناول فترة الديمقراطية الثالثة، قدم إحصائيات لانتخابات 1986، للتدليل عن ما سماه (التآمر على اسقاط المرشحين الاتحاديين). وانتهى إلى وصف تلك الفترة بـ (ديمقراطية العدم الثالثة). وهكذا ربط الشريف زين العابدين انقلاب مايو بكتف انتفاضة أبريل، مع أن الثانية قامت بالقضاء على الأولى.
والمسألة برمتها تمثل ماسأة قوى الوسط في الحياة السودانية بأجيالها المختلفة منذ إرهاصات مؤتمر الخريجين وحتى الآن، فهذه الأجيال أدرك بعضها الإنهاك، وحد تراكم الرواسب في الدواخل من استجابة البعض الآخر لواقع المتغيرات. ومازالت أسئلة البدايات الأولى تطرح نفسها بشدة، حيث أننا بعد نيل الاستقلال، لم نجد تفسيرا لجمود أهلنا الختمية في تعاملهم مع الحزب الوطني الاتحادي. ولا نجد تبريرا لعناد الحزب الوطني الاتحادي في تعامله مع الختمية أو ضيقه في الانفتاح على الشيوعيين أو مكابرة الشيوعيين في التحالف مع الحزب الوطني الاتحادي.
جميعها أسئلة تبحث عن إجابات خصوصا أن هذه القوى مجتمعة تعبر بمفاهيم تلك الأيام عن شخصية القوى الوطنية الديمقراطية في مجتمع غير ديمقراطي متخلف متعدد السحنات والهويات.
وتبقى مهمة أخيرة أن تهتم أسرة الشريف زين العابدين الصغيرة (أرملتيه زهور وتناظر وابنيه عبد الرحمن ومحمد الفاتح وبناته مي، سلافة، شاهناز، ونجلاء) بتجميع أوراق الشربف وأشعاره ورسوماته التي خلفها في عدة دول ومدن حسب رحلات تجواله وأسفاره الكثيرة. صحيح أنها مهمة صعبة عندما نعلم أن أكثر اثنين كانا على مقربة من حصاد الشريف زين العابدين الفكري قد توفيا إلى رحمة الله تعالى، وهما الراحلان: أبو المعالي عبد الرحمن، والدكتور منصور عبد القادر بشير. ولعل المهمة نفسها يمكن أن يخدمها بصورة جيدة كل من: الشريف حسين إبراهيم الهندي، عز الدين عبد الغني، ومحمد خير حسن. وعفوا سادتي الاتحاديين فأنا استعرض أسماء الذين كانوا قريبين من الشريف زين العابدين من ابناء جيلي.   
رحم الله الشريف زين العابدين الهندي رحمة واسعة وخير ختام دعاء المتصوفة: الحمد لله الذي منح أولياءه الوصول إلى الحضرة الإلهية وأتحفهم بمشاهدة أنواره القدسية وآختارهم لإرشاد الخلق إلى حضرته العلية وجعلهم أبواباً لمن يريد الولوج لحضرته النورانية وخصهم بالمعارف والأسرار الربانية وأمنهم.