عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تمر علينا هذه الأيام الذكرى العاشرة لرحيل العلامة البروفسير عبد الله الطيب، ودعونا نستعرض هنا جانبا من زمن عبد الله الطيب الثقافي في السودان، وهذه قصة حارس علي محمد، وهو نوبي من عائلة كردي في جزيرة صاي في أقصى شمال السودان الذي تعرف على البروفسيور عبد الله الطيب عندما بلغ العاشرة من عمره عبر برنامجه الإذاعي دراسات في القرآن الكريم.
كان الزمان مطلع ستينيات القرن الماضي، وحارس يعمل على مركب يمتلكها والده وتنقل الناس بين ضفتي نهر النيل في جزيرة صاي. ينتمي صاحبنا حارس إلى أسرة ثرية بمقاييس تلك الأيام تتملك ساقية ومركب على النيل وفيها راديو صغير (ترانزستور) يستمع إليه ويستمتع به أثناء قيادته لرحلات عبور النيل على ظهر المركب.
فوق ظهر المركب والاستماع إلى الراديو عرف حارس العلامة الراحل وتوثقت علاقته به أكثر حين استمع لتفسير سورة الكهف بلغة العلامة العذبة المبسطة، إذ ربط في سياق السورة بين قصة سيدنا موسى والعبد الصالح بقصة أهل الكهف في ترك الغيب لله الذي يدبر الأمر بحكمته وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر.
واقع الحياة وسبل كسب العيش في المديرية الشمالية في تلك الأيام كان يتطلب من الرجل أن يعمل في أكثر من وظيفة، فكان حارس يباشر الزراعة ويقود المركب ويرعى البهائم، وربما وجد يومية أو قام بفتل الحبال. ومع هذه الحياة الشاقة كان الناس يعيشون في بحبوحة وانبساط، لكن حارس كان يتملكه حنين السفر إلى الخرطوم.
لعل مبعث هذا الحنين أن أبناء القرية الذين يأتون من الخرطوم في الإجازات كانوا أكثر انبساطا وملابسهم دائما لامعة ونظيفة وناصعة البياض. وقاد هذا الحنين حارس إلى الخرطوم التي كانت تعيش فرحة قيام ثورة 25 مايو 1969.
في الخرطوم سعى أحمد هاشم الموظف في حسابات جامعة الخرطوم لكي يلحق إبن خالته حارس بوظيفة في الجامعة، وهكذا وجد حارس نفسه في نوفمبر 1969 عاملا في جامعة الخرطوم  كلية الآداب التي يتولى عمادتها البروفسيور عبد الله الطيب.
في كلية الآداب سعى حارس للعمل في مكتب البروفسيور عبد الله الطيب، لكن سعيه اصطدم بأنه جديد، فكيف يلتحق بمكتب العميد؟ ولم يعجب هذا الرد حارس.
وعندما رأى العلامة الراحل روى له ما حدث وطلب منه السماح له بالعمل معه.
وكان رد العلامة الرجل ليست لديك مشكلة تعال أنت ومعك أحد العاملين القدامى. وباشر حارس العمل مع العلامة الراحل مع زميله أحمد.
وفي اليوم الثالث من المباشرة سأل العلامة عن أحمد الذي كان غائبا، وطلب من حارس إعداد شاي له وشاي لسيادتو. ولم يفهم حارس المطلوب، لكنه أعد كوبين من الشاي. وعندما دخل المكتب وجد العلامة وحيدا، ووضع كوب الشاي أمامه، وسأله وين سيادتو؟ رد العلامة سيادتو خرج أشرب الشاي أنت لغاية ما سيادتو يحضر. بعد الرشفة الأولى من كوب الشاي فهم حارس أن سيادتو المطلوب له كوب الشاي هو شخصه، وضحك من نفسه بعد أن شرب كوب الشاي. وفي نهاية اليوم أثناء خروج العلامة من مكتبه أراد أن يتأكد من فهم حارس، فسأله إن كان سيادتو قد شرب الشاي؟ فأجاب حارس نعم سيادتو شرب الشاي وفات.
عمقت هذه الحادثة من حب العلامة في نفس حارس وجعلته لا يتردد في سؤال العلامة عن أي شئ يعن له.
من لطائف تعامل حارس مع البروفسيور عبد الله الطيب أنه كان يهتم بحفظ العملات النقدية المتبقية من شراء طوابع البريد مثل قرش وقرشين ونصف قرش.
وكانت هذا الاهتمام مصدر اتهام للبروفسيور بـ (الجبر). لكن حارس كان يرفض هذا الاتهام ويعتقد أن في الأمر سر ما. وذات مرة أعاد إلى البروفسيور قرشين ونصف، قائلا الحاجات البسيطة ده ما تخليها لينا.
رد عليه العلامة يا حارس ده بركة. سأله حارس ممكن تورينا البركة كيف؟ رد العلامة حاضر وهو في الطريق إلى مكتبه طلب من جميع العاملين في المكتب الدخول بما فيهم السكرتيرة.
داخل المكتب، بادر العلامة بالسؤال يا حارس الأغنام بتولد كم؟ أجبت بالكثير ثلاثة. وسأل زميل آخر الكلب بيولد كم؟ وجاءت الإجابة سبعة أو ثمانية. وسأل زميل ثالث عن عدد الذبيح من الأغنام يوميا؟ كانت الإجابة خمسين أو ستين.
الجميع في مكتب العلامة لم يكونوا على علم بسؤال حارس الأول حتى فاجأه بسؤال عن عدد الذبيح من الكلاب؟ وقبل أن يكمل دهشته قال يا حارس هل يوجد مراح كلاب أم مراح أغنام؟ أجبت مراح غنم، رد هذه البركة يا حارس فالغنم تلد عددا صغيرا مقارنة بالكلاب التي تلد عددا كبيرا، فالبركة في الشئ القليل وليس الكثير، وفهمت الدرس.
المعارف التي جناها حارس من عمله مع البروفسيور عبد الله الطيب لا تحصى، وللدلالة على روح التسامح التي يتحلى بها، فقد أضاع خطابا من العلامة إلى البروفسيور صلاح الدين المليك في أمدرمان، وفقد الخطاب في الطريق إلى أمدرمان حيث كان يستغل دراجة بخارية.
وعاد حارس إلى البروفسيور عبد الله وأخبره بضياع الخطاب. وعندما سأله العلامة  أين ضعته؟ أجاب حارس لو كنت أعرف مكان الخطاب لما عدت إليك؟.
وقابل البروفسيور عبد الله إجابة حارس بضحكة مشيدا بصراحته، ثم طلب تصوير نسخة ثانية من الخطاب وتسليمها للبروفسيور صلاح الدين المليك في أمدرمان.
ماذا تعلم حارس من البروفسيور عبد الله؟ إجابة عن هذا السؤال قال البروفسيور عبد الله له: يا حارس أنت تعلمت مني الكثير؟ رد حارس: أنا صفر على الشمال أمام علمك وكنت اتمنى أن اتعلم منك اللغة العربية. وكان رد
العلامة: يا حارس أنت اهتمامك تركز على الحكم والطرف، ولم تهتم بتعلم اللغة العربية.
من الحكم التي تعلمها حارس من البروفسيور عبد الله نصيحته له بعدم الجري وراء القروش، وفي هذه الحالة فإن القروش ستجري وراءه. وعلق حارس على النصيحة بذكر الأية يحبون المال حبا جما. كان رد العلامة: لا تكره القروش، لكن لا تجري وراءها.
في مساعدة العاملين معه بالمال، كان البروفسيور عبد الله لا يقصر إطلاقا.
وعندما ترسل له مستحقاته المالية من عمله خارج الجامعة كان يبادر بتوزيع جزء كبير منها على العاملين معه. وكان يفعل ذلك بصورة لطيفة إذ يفاجئ حارس بين حين وآخر أنت عندك قروش هنا.
حياة البروفسيور عبد الله الطيب ملأى بالحكم وقد تعلم منها حارس الكثير مثل البركة دائما في الشئ القليل وعدم الجري وراء القروش وكظم الغيظ عندما يعتدي أو يسئ لك أحد. قصة حارس العامل البسيط خير مدخل للكتابة عن زمن عبد الله الطيب الثقافي، ليت الأستاذ أمين بشير النفيدي صاحب القدح المعلى في رعاية الاحتفال بالذكرى العاشرة لرحيل العلامة يهتم بتشجيع مثل هذه الكتابة.
/////////////