عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يحتفي العالم بإشارة جميلة إلى الكاتب البريطاني الشهير جورج أرويل تفيد أن (أرويل هو واحد من الناس الذين إذا شعرت بأنهم يحسنون الظن بك، أحسنت الظن بنفسك). وقد كان هذا دائما شعوري نحو  البروفيسور علي محمد شمو منذ أن تعرفت عليه منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.
كان اسم شمو بالنسبة لجيلي ونحن نخطو خطواتنا الأولى في المهنة اسما لامعا ومثيرا للاحترام، إذ ظل مثالا ساطعا على الأداء الإعلامي النبيل.
ودون أي محاولة لإبداء التواضع يمكن تجيير جزء كبير جدا من الجهود الكبيرة والكثيرة التي حرثت وزرعت بإخلاص في حقول الإعلام السوداني المختلفة على مدى زمني يتجاوز نصف القرن الماضي لصالح الحساب الشخصي لعلي محمد شمو شاع الدين.
هذه الوقائع عن لغة المعاصرة الإعلام المعاصرة حصاد جلسة لمنتدى العلامة عبد الله الطيب في جامعة الخرطوم، تحول فيها المنتدى إلى جلسة في البوح الذاتي يقدم فيها أستاذنا شمو ثمرة تجربته التي هي حصاد السنوات الطويلة من التعامل مع الشأن الإعلامي.
وأستاذنا شمو هو الآن بلا منازع شيخ الإعلام السوداني وفيلسوفه كلماته ليست من حروف اللغة بل من رصاص البيان ساحر في التأثير في حياة الناس سياسي بثوب إعلامي وإعلامي مشغول بالقضية. وقضيته رسالة دولة واعتدال منهج وخير شعب هو منه.
وقبل أن ندلف إلى هذا المنتدى الاستثنائي الذي شارك فيها أساتذة جامعيون مرموقون وصحفيون معروفون من أربعة أجيال ليناقشوا  اللغة المعاصرة في الإعلام وكلام الجرائد، يجب أن نكشف عن تفاصيل جانب من التخطيط لهذا المنتدى، خاصة أن الموضوع له علاقة بالمجتمع كُكل؟ ولابد الحديث عن اللغة بمعنى عام، وتطبيقاتها على أرض الواقع، خاصة في الشأن الموصوف بـ (كلام جرائد). وبالنسبة لى للصحفيين المتأملين في الشأن العام، ثمة ملاحظة أن هناك تضليلا في النقاش الدائر حول استخدام اللغة، وهو تضليل غير مقصود.
وقبل في أن نتوه في هذه الدهاليز يعيدنا الأستاذ شمو إلى تعريف بسيط فحواه أن الكلمة هي البنية الصغرى للغة وهي المادة الأساسية التي تتكون منها البني الأكبر داخل النص، وهي الجملة والفقرة وبقدر نجاحك في اختيار المفردات المعبرة عن المضمون الذي تنقله المادة الإعلامية بقدر نجاحك في تشكيل بنية الوحدات الأخرى التي يتكون منها النص بدرجة كفاءة أعلى .
نظرات في لغة الإعلام كان العنوان المبدئي للمنتدى، لكن الأستاذ شمو يرى أن هذا العنوان غير دقيق، رغم أنه شائع الاستعمال. فلغة الإعلام عنده هي اللغات التي يخاطب بها الجماهير عبر الوسائل والوسائط كالراديو والتلفزيون والصحف والسينما والكتب ولوحات الإعلان وغيرها من الوسائل والوسائط التي تحول بين القائم بالاتصال والجمهور المتلقي للرسالة.
ويترتب على هذا حسب شمو أن مُوجِّه الرسالة لا يستطيع معرفة الأثر أو الاستجابة الفورية من جمهور القراء والمشاهدين والمستمعين، ذلك أن الإعلام هو أحد وظائف الاتصال وحصر الحديث عن اللغة العربية في سياق الإعلام يحتاج إلى إعادة نظر إذ الأفضل أن يكون الحديث عن اللغة العربية كلغة اتصال بمفهومه الشامل.
يلفت الأستاذ شمو الأذهان إلى أن أكثر الدراسات والبحوث التي أجريت في مجال اللغة العربية وعلاقتها بعلوم الاتصال تركز علي إظهار الجوانب السالبة ودور هذه الوسائل في إفساد اللغة العربية نحوا وصرفا ومعني وضحالة في بناء المضمون وضعفا في الصياغة وسوءا في اختيار الألفاظ وتشويهها.
ويرى أن الجانب الأهم في علاقة أجهزة الإعلام باللغة العربية هو دورها في الحفاظ عليها وترقيتها ونشرها وإضافة الكلمات والمصطلحات الجديدة إلى حصيلتها والتركيز علي دورها الفعال في تطويرها وتنميتها أي أن تكون اللغة العربية الاتصالية في خدمة اللغة العربية الفصحى التي نسعى جميعا لأن تكون لغة الخطاب الإعلامي في وسائل الاتصال الجماهيرية أو الإعلام، وهو كما أوضحنا الخطاب أو الرسالة غير المباشرة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية.
وعندما يصل قطار المنتدى إلى محطة مشكلة اللغة العربية المتمثلة في مجمل الأخطاء النحوية والصرفية التي تنشر يوميا على صفحات الصحف اليومية ومحطات الراديو والتلفزيون التي تضيف إلى الحروف مشكلة المخارج والنطق الصحيح للكلمات والحروف كالقاف والثاء والتعامل مع الهمزة حسب موقعها من الإعراب وكتابتها على الواو أو الياء أو على السطر، والتفرقة بين همزة القطع وهمزة الوصل وغير ذلك مما نشاهده ونستمع إليه ونقرؤه كل يوم، بل في كل لحظة، فهذه المشكلة في تقدير شمو قد تفاقمت المشكلة ولم يعد من الممكن احتواؤها بالطرق التقليدية .. وذلك لأننا نعيش اليوم في عصر هو عصر المعلومات الذي تَحوَّل في وقت وجيز إلي عصر المعرفة التي يقوم عليها كل شئ في حياة الإنسان فالتطور التي يشهده الإنسان في هذه الأيام يعتمد علي المعرفة وعموده الفقري هو اقتصاد المعرفة أولاً ثم ما يترتب عليه من السياسات التي تُضيفها الحكومات والدول والمجتمعات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما يُقدَّم خلالها للمواطنين.
حصاد القول إن هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام التي تَبث باللغة العربية تحتاج إلى كوادر متميزة تتمتع بالقُدرة والمهارة على إيصال المضمون إلى المواطنين بلغةٍ عربية سليمة تساعد علي بناء حصيلةٍ يومية من اللغة المنطوقة أو المكتوبة لعامة المواطنين فضلا عن الاهتمام باللغة العربية ذاتها كلغة للعلم والأدب والمعرفة.
ولكي يؤتي هذا الحصاد أكله حسب شمو يحتاج منا جميعا إلى الحماية والتحصين والدعم ضد كل من يُحاول النيل من اللغة العربية.
ولكن سؤال شمو القضية هو: أين هي هذه العناصر التي يُمكن أن يوكل إليها مسؤولية أمر اللغة العربية في وسائل الإعلام؟ والسؤال يطرح أسئلة عديدة وكثيرة تحتاج إلى إجابات قد تقود إلى إعادة النظر في القضية التي ظلت تطرح دائما بشكل تقليدي وهي دراسة الأخطاء التي تقع فيها وسائل الإعلام ورصُدها ومحاولةُ وضع حلول لها تحد من تفاقمها وتساعد علي الحد من مضاعفتها، فالناس عاديون واللغة ليست مقدسة، وهذا حديث قد يطول.