عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كيف نرى المشهد الوطني الآن؟
النظرية الرائجة أن السودان الآن أمام لحظة حقيقية تجمعت فيها مشاكل وقضايا وعقد كثيرة داخلية وخارجية متشابكة مع بعضها، وبعضها سابق وبعضها لاحق وبعضها مستحق. وقد أصبح المتراكم منها كتلة حرجة ليست منافذ سهلة أو قريبة المنال. لكن العلامة الراحل عبد الله الطيب يقطع هذا الجواب المتشائم، بحديث عن الصدمة الثالثة الحضارية التي كانت عميقة الأثر في هذه البلاد إلى يومنا هذا.
كان الاتصال بالاسلام هو الصدمة الحضارية الثالثة، ولا يتفق العلامة مع الذي راج في كتب التاريخ أن الإسلام جاءنا في القرن السابع الهجري على وجه التحديد في سنة 630. وبعد ذلك يتحدث الناس عن الرجال الأكابر الخيرة الذين جاؤوا بالشريعة وبعلوم التصوف وبعلوم الدين المختلفة مثل أولاد جابر وغلام الله الركابي ومثل تاج الدين البهاري ومثل الذين جاؤوا من جهة اليمن ومن مصر في الأيام الاخيرة وهلمجرا، وهذا باب واسع. لكن الذي عند العلامة أن الإسلام دخل في بلادنا قبل أن يدخل في المدينة المنورة. وذلك أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خبرنا بوضوح أنهم خرجوا من الشعيبة إلى الشاطيء المقابل. والشعيبة نحو 40 كيلو مترا جنوبي جدة أي الناظر في الأمر جغرافيا يجد أنها تقع شمال سواكن. فأن يبحر الصحابة من هناك ليخرجوا في باب المندب بعيد. هذا خبر المجيء. بل خبرونا أنهم في المجيء دفعوا نصف دينار أجرة للمركب. وفي الرجوع عند العلامة خبر مزدوج وهو أن أبو موسى الأشعري مع الأشعريين خافوا من قريش فعمدوا إلى أن يركبوا البحر ليتفادوا قريش. وفي محاولاتهم هذه عصفت بهم الرياح فألقتهم في الشاطيء الآخر. عند الشاطيء الآخر لقوا جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه مع أصحابه آيبين من هجرة الحبشة ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. والذي خبرونا إياه أن أبو موسى وأصحابه خرجوا من منطقة عك والأشعريين، وهي هذه المنطقة تقع ناحية عسير أو شماليها. عبروا البحر لا يخبروننا أين لقوا جعفرا وأصحابه، ولكن الذي يخبروننا إياه أنهم عبروا مرة أخرى إلى شاطئ الجزيرة العربية ونزلوا في الجار. والجار هو شاطيء المدينة من الناحية التي تقع شمالي رابغ بكثير إلى ينبع. فإذا كانت الرحلة في الذهاب والإياب منحصرة بين الشعيبة وبين الجار فينبغي أنهم ذهبوا إلى الشاطيء المقابل. هذا لا ريب فيه، بعد ذلك يخبرنا ابن إسحاق وابن هشام نقلا عنه والسيدة أم سلمة في الحديث الشريف أن نجاشيين اقتتلا وكان بينهما عرض النيل وهنا نرجع إلى كلمة النيل هذه من أين جاء المصريون القدماء يسمون النيل حابي وحابي بعيدة من كلمة النيل. وسمعت من بعض الإخوان أن النيل كلمة هندية ترجع إلى النيلة التي كانت تصبغ بها أثواب الزراق ولكن هذا يجوز. وأحسب أن هذا مرده الي كلمة النيلنج أو شئ من هذا القبيل وبعض الذين كتبوا في هذا الموضوع ردوا كلمة لايلاك: الزهور الزرق في الألوان ردوها إلى أصل النيل، ولكن الأمر عندي أقرب من ذلك، العربية فيها كلمة نهر ونهر والراء واللام اختان الراء تصير لام واللام تصير راء والنون أحيانا تدخل معهما في هذه القصة. لكن الراء كثير ما تصير لام واللام تصير راء. وعندك كلمة قريب منها في العربية وهي نهل أي الشراب والفعل نهل والقاعدة العربية عندما يكون حرف الحلق في الوسط ومكسورا يمكن أن تكسر الحرفين، تقول شد علي وشهد عل وشهد عل وفي السودان نقول هد وهى صحيحة. ونل يمكن أن تصير نهل وإذا صارت نهل نيل. ولذلك تجد كلمة نيل في كثير من الألفاظ العامية بمعني نهر جاري. وأهل كردفان يستعملون كلمة النيل لضروب من الخيران لا تنتظر يومين يسمون هذا نيل فلما وجدت خبر النيل في قصة السيدة أم سلمة رضي الله عنها ظننت أنهم أرادوا خورا من الخيران، ولكن الصفة تدل على نهر النيل، لأنهم احتاجوا إلى أن يعبره الزبير بن العوام ونفخوا له قربة وعام فيه. وهذه قصة تطول. الذي أعتقده وأميل إليه أن الهجرة الأولى حدثت إلى هذه البلاد. في معاهدة البقط أن المسلمين طلبوا من ملك دنقلا أن يرعى مسجد المسلمين الرجل الراهب نسيت اسمه، الذي كتب في تاريخ دنقلا القديمة أنكر أن يكون ثم مسجد، لأنه لايوجد أثر له وليس في هذا حجة، لأن دنقلا لا ينطبق على مكان بعينه كان فيه الملك وإنما على المنطقة. ولا يستبعد أن المسلمين بنوا مسجدهم في مكان آخر غير الذي فيه الملك، ولكنه في حيز سلطام الملك. ولذلك طلب عبد الله أبن أبي السرح رضي الله عنه من ملك دنقلا أن يحافظ على مسجد المسلمين. ومسجد المسلمين هذا لا يمكن أن يكون بناه المسلمون المهاجمون. ينبغي أن يكون بناه مسلمون مقيمون وفي السيرة أنه جاء مع جعفر رضى الله عنه وفد من مسلمي الحبشة وأن النبي صلي الله عليه وسلم خدمهم بنفسه. ذكر هذا الشيخ عبد الحى الكتاني في كتابه التراتيب الإدارية نقلا عن مصادره. فماذا حدث لهؤلاء الذين أكرموا بخدمة النبي صلي الله علية وسلم لهم وعادوا؟ لعل الإجابة أنهم أقاموا وأدخلوا الإسلام في تلك البلاد. المهم في الأمر أن هذا الأمر لا يقف على الفرد، في الواقع عندنا أخبار أن سيدنا أبو بكر نفى جماعة من الذين حاربوه تأديبا لهم إلى شاطئ عيذاب. أبو محجن الثقفي أرسل إلى شاطيء عيذاب. لما سقطت مصر عند معاوية، أرسل على من يضمن له الشاطئ أو على الأقل يحرسه، فالشاطئ الآخر كان على اتصال مستمر بالجزيرة العربية في الصدر الأول الإسلامي، ومن الأخبار المعروفة أن عمر بن أبي ربيعة هلك في طريقة في جزيرة دهلك وهى في ناحية مصوع.
ودخول الإسلام إلى هذه البلاد قديم وسيدنا عثمان بن عفان كان من أهل الهجرة الأولى وكانت معه ابنة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة رقية، ومن العجيب في الأمر أنك في السودان تجد اسم رقية كثيرا ولا يقولون رية إنما يقولون رقية من لاحظ هذا يجد أنهم ينطقون القاف بنفس الطريقة التي يقرأ بها قراء القرآن القاف القرآنية. وما خصصوا هذا الاسم بهذا النطق، إلا احتفاظا بعنصر البركة القديم الذي فيه. فلاحظوا هذا ستجدون في أكثر بلاد السودان أنهم يشيرون إلى التي اسمها رقيه ولا يقلقلون القاف كما نقول في قال رقية وان كان قد يقال ذلك أحيانا. واسم عثمان كثير جدا في السودان. ولا يتوهمن إنسان أن مصدر اسم عثمان من الطريقة الختمية. الاسم أقدم من ذلك. نعم الصله بالطريقة الختمية قد تكون زادته لكنه كثير جد ومصدره عثمان بن عفان. وسيدنا عثمان بن عفان ليس اتفاقا أنه وقف الحرب التي كانت في الشمال. هذه البلاد أكرمت الصحابة وأجارتهم، فذكروا لها ذلك. وأثر أنهم نهوا المسلمين الأولين أن يقع منهم اعتداء على هذه الجهات. وذلك أعان على نشر الإسلام في بلاد السودان كما لم ينتشر في أي بلاد أخرى، لأن المسلمين لم يوجفوا على بلاد السودان بخيل ولا ركاب. وإنما تغلغل الإسلام فيها من طريق الكلمة المباركة والدعوة الحسنة. وبالرغم مما أضافه الفقهاء أنه يكره السفر إلى بلاد الكفر وإلى بلاد السودان، على الرغم من ذلك انتشر الإسلام في بلاد السودان، وكان فيها العلماء.
دخول الإسلام في بلدنا أدخل معه علوم الإسلام. والمذهب الذي غلب في بلدنا مذهب أهل المدينة، المذهب المالكي، والقراءة التي غلبت على بلدنا رواية الدوري عن أبو عمرو إلا في الناحية الشمالية من السودان انتشرت قراءة ورش فيما عدا جزيرة لبب، فإنه كان يقرأ فيها بأبو عمرو.
ومن الغرائب في هذا الباب أن المهدي وهو من لبب حمل الناس على ترك الإمالة بحجة أن الفتحة أصل والإمالة فرع هذا هو الموجود في الشاطبية. ولكن الناس لم يتابعوه على ذلك استمروا يميلون للقراءة المأثورة التي عرفوها. هنا نسأل نحن في باب الحديث عن أصول الثقافة من أين جاء المذهب المالكي، ومن أين جاءت قراءة أبو عمرو؟.
المذهب المالكي ربما يكون قد جاءنا من المدينة رأسا، وقد يكون جاء من صعيد مصر وهذا أقرب، لأن الصلة بين صعيد مصر وبين الجزيرة العربية قوية لضيق المسافة بين الشاطيء المصري عند عيذاب. حلايب قريبة تقع جنوب عيذاب. ولكن هى نفس المنطقة. المسافة قريبة بينها وبين المدينة، فالعبور في هذه الجهة ممكن وسهل، وبهذا يكون صعيد مصر من الطرق التي جاء بها المذهب المالكي إلى السودان. كذلك وصلت بعض القبائل العربية عن طريق صعيد مصر. القراءة القرآنية وصلت من الأندلس، وأقول من الأندلس، لأن غرب أفريقيا الشمالي متمسك بورش. وقراءة أبو عمر وقراءة حفص، والقراء الآخرين، إنما توجد عند علماء القراءة في المساجد، حيث يقرأ الناس الشاطبية والنشر والقراءات السبع.
أما الأندلس فكانت قراءة أبو عمر منتشرة فيها. ونحن نقرأ في تاريخ لسان الدين بن الخطيب وهو من متأخري الأندلس، أنه في ناحية من القرية التي نشأ فيها بدأ تعلم القرآن برواية أبو عمر بقراءة أبو عمر. هذه القراءة وصلت من طريق الشناقيط، وهذا أثر مهم.
العلم الذي يصل إلى بلادنا من طريق غرب أفريقيا ومن طريق المغرب. والعلم الذي وصل إلى بلادنا من طريق المشرق. ومن طريق غرب أفريقيا والأندلس وشنقيط وصلتنا كتب النحو وصلتنا شروح الفقه الكثيرة. وصلتنا مع ذلك كثير من العلوم كالأشعار والمدائح النبوية. من طريق المشرق وصلتنا مذاهب صوفية. أيضا وصلتنا مذاهب صوفية من طريق المغرب، لكن أكثر المذاهب وصلتنا من طريق المشرق. الطريق القادري جاءنا من المشرق، الطريق الشاذلي مع أنه نشأ من الغرب أتانا من طريق المشرق. عندنا حمد والمجذوب أخذ الطريق عن علي الداروي، الداروي في مصر وقريبة من طريق الحج وحولهم ينتشر المذهب، لم ينشر الطريق الشاذلي إنما نشر في وقت متأخر من طريق الشيخ المجذوب القصير. والشيخ المجذوب القصير أخذ الطريق الشاذلي عن إبراهيم السويدي وإبراهيم السويدي عراقي. وبهذه المناسبة أذكر أني زرت العراق ورأيت الخرقة التي فيها الطيف الصوفي والطريق الشاذلي، ويرجع الطريق في أصله إلى عبد الرحمن التكروري فهذا هو الطريق إلى المغرب إلى عبد السلام من مشيش إلى الشاذلي، فلقاء الناس في الحج وفي مدارس العلم قوى الرابطة. ولكن عندنا في بلدنا كان للشناقيط المساكين، لأن الشناقيط والمغاربة منهم أغنياء ومساكين. فطريق المساكين كان بلدنا وطريق الاغنياء كان مصر والشام. فهؤلاء المساكين الذين يمرون ببلدنا يعلمون الناس ويقيمون معهم، وكان بعض العلماء أيضا يأتون من غرب أفريقيا من بلاد هوسا ومن بلاد تمبكتو ومن بلاد مالي وينبغي أن يقال إلى الآن أن حرص حصول الناس على علوم الدين وعلوم القرآن مازال قويا إلى أيامنا هذه، وهذا باب واسع ويمكن التبحر فيه في وقت أوسع لمن يريد ذلك، ولكني أردت فقط مجرد الإشارة إليه.
عروبة وأفريقية
يصل حديث العلامة الراحل عبد الله الطيب إلى مسألة عروبة السودان وأفريقيته، ويذكر بهذه المناسبه المرحوم الرجل النابغة محمد أحمد محجوب رحمة الله عليه، فإنه كان يقول نظر شمالا إلى العرب ونظر جنوبا إلى أفريقيا في بعض حديثه. والسودانيون دائما عندهم عقدة، عقدة هل هم أفريقيون أم هم عرب؟
وبمناسبة هذه العقدة، قسم المستر ماكمايكل العرب إلى عرب أصلاء، وإلى عرب مستعربة. ومن العجيب أن ماكمايكل مال إلى أن الجعليين مستعربة، وهذا فيه نظر كبير، لأن المصدر الذي اعتمد عليه ماكمايكل وغيره كإبراهيم فوزي قبلا تعرض إلى موضوع نسبة الجعليين إلى سيدنا العباس، فقال إن العباسيين لا يمكن أن يأتوا إلى بلد مثل السودان وهم في أوج مجدهم وقوتهم وصرف الأمر. وسار بعضهم على النهج، وأذكر من هؤلاء الشيخ الخضري بن عبد الله ابن عباس،  الذي ذكر أن الفضل بن العباس، ليس له في كتاب نسب قريش للمؤرخ سدوسي ولد. وهذا النسب المكتوب في بعض الكتب قد يكون في بعضه صحة وفي بعضه خطأ، ولكن ينبغي أن نصدق الناس في أنسابهم، وينبغي أيضا أن ننظر التاريخ وأن نستقرئ منه الحقائق.
أذكر أني في سـنة 1967م زرت البصرة وزرت رجلا عباسيا من أجل علمائها وفضلائها ورؤسائها فهو الشيخ عبد القادر باش أعيان رحمه الله وأهدى إلى كتابا نفيسا هو النخلة سيدة الشجر وسرقه مني أحد البارعين ولم يرده إلي اليوم.
الشيخ عبد القادر باش أعيان مكتبته كانت مدونة في كتاب بروكلمان، وانا لم أتذكر هذا لكن عندما زرته راعتني المكتبة. وكان فيها كتاب الحسبة، وهو النسخة الوحيدة الموجودة في العالم في ذلك الوقت. هذه النسخة كانت لأحد السادة العباسيين، وأراني مصحف العباسيين، وهو ينتمي إليهم، ثم أعطاني شجرة نسبه والوثائق التي تقوم صحة هذه الشجرة من الكتب المختلفة ومن البرهانات التي كانت تأتي من العثمانيين ومن غيرهم. ثم قال لي هل أنتم عباسيون؟

نواصل ـــ نقلا عن الصحافة