عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا يمر الدكتور الصديق عمر الصديق على المشهد الثقافي في طلاته القليلة، إلا ويحفز بما يطرحه العقول أو يثير غبارا يبقى بعد أن يمر، ويفتح مناطق جدل ربما كنت تعرفها وتشاهدها.
لكن الفارق أن الدكتور الصديق يمنحك توصيفا دقيقا لما قد تراه عاديا، فإذا به متعمق  في تفاصيل دقيقة يبدو عرضها وكأنك أضأت مصباحا كان مغلقا في العقول.
وحين تلمع في حياتنا الصخور من بعيد مثل مرايا غسلها المطر، وبين الصخرة وأختها زهور برية ونبات ليس له اسم في لغتنا الجميلة حسب فهمنا ومراجعنا، لكن الدكتور الصديق ينعش ذاكرتك ويدهشها، حين يذكر لنا عدة أسماء ومراجع وأوصاف لتلك الزهور معظمها فصيح وله شواهد في اللغة من مختلف المراحل، وشواهد صنعت في السودان مثل توظيف الشاعر خليل فرح لتلك الأسماء بخيال نوبي فذ حذق لغة العرب وأسرارها. وبعض تلك الأسماء ممعن في العامية، لكنها عند الدكتور الصديق أقرب إلى الفحصى، ولعله هنا يسير في درب العلامة عبد الله الطيب الذي يرى أن عامية أهل السودان هي أقرب العاميات إلى اللغة الفحصى. ودائما ما يستدل الدكتور الصديق بالشاعر عبد الرحمن الريح الذي ملأ حديقة الأغنية السودانية بالزهور (الصاحية والنائمة) والتي تداعب الشعر بالنسائم. وهنا تحضرني مفارقة فحواها أن عبد الرحمن الريح الذي تنقل خلال سنوات عمره بين منزله في حي العرب ومتجره في سوق أمدرمان في منطقة تفتقر تماما للخضرة والأشجار ولا ينبت فيها حتى (العشر)، فمن أين جاء بكل تلك الزهور والورود في أشعاره؟  يجيبني الدكتور الصديق في بساطة لا مفارقة ولا يحزنون إلا تدري أن خيال الشاعر يفوق المكان.
الكلام عن الصخور والزهور يجعل مكتب الدكتور الصديق محط أنظار محبي اللغة العربية، إن شئت الدقة فقل إن معهد البروفسيور عبد الله الطيب أصبح بجهد الدكتور الصديق وجهاده، نافذة جامعة الخرطوم المضئية على المجتمع. وكذلك محطة قطار يستريح فيها محبي اللغة العربية من شعراء وكتاب وأساتذة أجلاء وطلاب وناشئة يلتمسون دربا يبعدهم عن التفكير بطريقة الكلام المستعار من بيئة بعيدة، ويبعدهم أيضا عن الازدواجية بين جسد حاضر وروح غريبة. والمشاهد كثيرة، فهناك في مكتب الدكتور الصديق، تجد الدكتور أمير محمد علي دليل يبسط لك أعقد المسائل النحوية دون زيادة أو نقصان. وربما تكون سعيدا إن صادفت الأستاذ أزهري محمد علي يقرأ عليك شعرا لو (غازل غماما هطل)، وقد يعيد على مسامعك قصة الشجن الأليم وموجة مصطفى سيد أحمد في الأغنية السودانية.
ولا يكتمل الحديث دون الإشارة إلى العم حسين الفضل الذي يملأ حديثه (تحنان وطيبة ناس زمان)، حسين الفضل عمل ضابطا للخدمات لجامعة الخرطوم أيام (شنتها ورنتها)، ثم أصبح ضابطا عظيما في قواتنا المسلحة. أما الجديد الذي يقدمه لك حسين الفضل فهو نسخة من كتابه الأخير عن أحكام التجويد في القرآن الكريم. غالب ظني أن العم حسين قد يسر القراءة بطريقة سودانية تعد تطويرا لطريقة المقرئ المصري ورش الذي يعتبر أول من علم أهل السودان تجويد قراءة القرآن الكريم.
أما الشخصية المحورية هنا فهو البروفسيور عبد الرحمن محمد عبد الملك، صاحب الاسم اللامع والمثير للاحترام إينما حل. عبد الملك واحد من هؤلاء الناس الذين إذا شعرت بأنهم يحسنون الظن بك، أحسنت الظن بنفسك. وقد كان دائما هذا هو شعوري نحو البروف عبد الملك منذ أن تعرفت عليه قبل عشرة أعوام. بالمناسبة عنوان هذا المقال مقتبس من كلمة له، وحين طلبت الإذن باستخدامه، أجابني يمكن أن تكتب عنوانا أحسن منه.
على أن الأهم في مجلس الدكتور الصديق أن الشعر يرمي إلى إحداث التغيرات البائنة في حقل الكلام، فهو ينتزع الفكر من متاهات السهلة ويدفعه نحو التنقل في كل اتجاه عبر عوالم العقل الماضي والحاضر والمستقبل وبحرية مطلقة.
وتلك كلمات تنفع طبعا أن تكون في محبة صديق الصديق والأستاذ، ولعل مبررها أنه أحد الأخيار المتميزين في هذا الواقع الثقافي الذي صار مفخرة ومسخرة أو شيء من هذا القبيل.
أما مستقبل تعليم اللغة العربية، فمازال واعدا، لكنه مرهون بآليات تعليم جديدة، تقاوم عنت الزيود والبكاء من عمرو ومن إعرابه، وهذا حديث يطول، لكن حين يتحدث الدكتور الصديق، قطع شك، سيضىء مزيدا من المصابيح المظلمة في العقول. وخير دليل على غزارة لغة العرب من شعر البطانة الذي أنقله من الذاكرة و(الكبر دخل)، بعد أن امتنع هاتف الصديق الوزير عبد الآله أبوسن عن الرد، وعبد الآله هو حفيد عبد الله شقيق الحردلو الكبير الذي برر انقطاعه عن الأهل بمتابعة زول سمح (كان شافوه ناس عبد الله يعذروا). ولأحبائنا وأصدقائنا من الشكرية نقول إن أي خطأ في الأبيات يسأله عنه الوزير عبد الآله أبو سن. 
أمبارح بشوف يشلع بِريق النو
وحس رعدا يكركر في الضمير كو كو
داك طير القطا دوّر مشارع الهو
وفرقان البطانة اتماسكن من ضو