عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يفرح المواطن بالأرقام والنسب المئوية في خطاب الموازنة ما لم تكن تعبيرا عن زيادة نقدية يحس في جيبه أو سلع وخدمات يحصل عليها بجودة وسعر في مقدوره سداده.
غير أن التحرك الكبير في مؤشر الرقم القياسي لمجموعة البنود المحددة لأسعار السلع الغذائية وارتفاعه بمعدلات كبيرة، خاصة في المواد الضرورية، فيعني أن معدل التضخم يتجاوز الرقم‏ المعلن عنه، وهذا راجع لعدم الدقة في حسابه‏.
وخلافا لكل التهكنات، فإن النبأ السعيد في موازنة عام 2012م، هو التوجه القوي نحو التركيز على زيادة الإنتاج ومحاصرة رفع الأسعار، وخلق وظائف جديدة.
وقد بين هذا التوجه الأستاذ علي محمود محمد وزير المالية والاقتصاد الوطني، حين استعرض السمات والموجهات والملامح العامة لمشروع الموازنة العامة للعام 2012م، مؤكدا أنها تركز على محاصرة عوامل ارتفاع الأسعار وزيادة إنتاج وإنتاجية السلع الإستراتيجية للتصدير، وذلك لجهة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد.
واستفاض في شرح بين هذا التوجه الأستاذ علي محمود محمد حين وزير المالية والاقتصاد الوطني، حين استعرض السمات والموجهات والملامح العامة لمشروع الموازنة العامة للعام 2012م، مؤكدا أنها تركز على محاصرة عوامل ارتفاع الأسعار وزيادة إنتاج وإنتاجية السلع الإستراتيجية للتصدير، وذلك لجهة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد.
ولم يكتف وزير المالية بالشرح وحده، إذ دعمه بجملة أرقام، تضمنت المساهمة في زيادة الدعم  الاجتماعي بنسبة 8 في المائة من العام السابق بمبلغ يفوق 6 مليارات جنيه، تستفيد منها فئات الطلاب والمعاشين والأسر المنتجة ودعم العلاج والجازولين.
ولجهة الأنباء السعيدة أيضا، تضمنت الموازنة تمويل توظيف 25 ألف وظيفة للخريجين بالمركز والولايات، 20 ألفا منها للولايات وتركز على سد احتياجات التعليم والصحة، حيث حافظت الموازنة على النمو بنسبة 3 في المائة وأن لا يتجاوز التضخم الـ17 في المائة، والعجز الكلي في الموازنة 3 في المائة، وهي من النسب الآمنة عالميا.
ويبدو أن الأستاذ علي محمود يدرك تماما أن الجدل العقيم حول تعارض هدفي النمو السريع واعتبارات العدالة قد انتهى تماما، إذ يقدم التاريخ الاقتصادي الحديث، العديد من الدلائل على إمكانية تحقيق هذين الهدفين في آن واحد. وهي مسألة ليست اجتماعية فحسب، بل هي اقتصادية بالأساس، وذلك انطلاقا من أن السياسات الملائمة للنمو الاقتصادي طويل الأجل، هي تلك التي ترتبط بتحسين توزيع العوائد الاقتاصدية على كافة قطاعات وفئات المجتمع.
ونتفق تماما مع الأستاذ علي محمود في أن النمو يتحقق من ثلاثة مصادر أساسية هي: تراكم رأس المال البشري والمادي، كفاءة تخصيص الموارد بين قطاعات الاقتصاد القومي، ورفع مستوى الإنتاجية. وهذه الأمور الثلاثة تسهم في توليد المزيد من فرص العمل بحسبان أن التنمية هي إضافة طاقات إنتاجية جديدة للمجتمع عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد المالية ورفع معدلات الاستثمار، بهدف زيادة التشغيل ورفع الإنتاجية.
لا خلاف في أن النقاط المتفق عليها، لا تتم إلا عبر تفعيل آليات السوق وتنشيط جهاز لمؤشرات الأسعار وتدعيم القطاع الخاص مع رفع كفاءة الدولة في إدارة العملية الإنتاجية، وهنا ينبغي التأكيد على أن الاقتصاد الحر والاحتكام إلى قواعد السوق هما الأقدر على تحقيق التنمية السريعة والمستدامة، ولكن وفي نفس الوقت لابد من تقوية دور الدولة لتصحيح أخطاء السوق. وهكذا نصل إلى أن السوق هو نتيجة لتطور طويل المدى، وهو بذاك يتغير ويتحسن نتيجة للتطورات الاجتماعية، أي أنه لا يمكن إنشاء السوق بمجرد إجراءات إدارية، فهي عملية اكبر بكثير من تحرير الأسعار أو الخصخصة، فهو تنظيم مؤسسي متكامل يتعين توفر إطاره الكامل حتى يصبح فعالا ويحقق الأهداف المنوطة به.
ومن هنا تلعب الدولة دورا هاما في اختيار وتحديد السياسات  والأدوات اللازمة للنمو وتحديد الآليات التي تضمن كفاءة عمل الأسواق بشكل سليم، بهدف إيجاد بيئة تنافسية تدفع للمزيد من الكفاءة في الإنتاج. ويتعين على الدولة أيضا أن تعمل على تنظيم السوق ومنع الممارسات الاحتكارية مع ضمان عدالة التوزيع وضمان التخطيط الاستثماري السليم.
ورغم كل هذا، فثمة شواهد عدة تشير إلى تراجع دور الدولة في حركة الاقتصاد إنتاجا وتوزيعا وتسويقا مقابل تنامي دور القطاع الخاص، وهذا توجه ينسجم مع رياح العولمة.
غير أن تراجع دور الدولة لا يعني ترك الجمهور فريسة لأعيب السوق الحر المفتوح الذي من المفترض أن يصحح نفسه بنفسه وفقا لنظرية اليد الخفية التي حدثنا عنها آدم سميث في كتابه الشهير (ثروة الأمم‏).
ولا يبدو أن الدولة قد انسحبت بالفعل من السوق، إذ  لا تزال قائمة وموجودة وبقوة وتمارس هيمنتها عبر أجهزة رقابية وجبائية متشعبة ومتنوعة ومتعددة وربما متضارية الاختصاصات.‏
ولعل المتصفح لملف الدولة والسوق التائه بين الوزارات والولايات،‏ يتعين عليه أن يحدد تحديدا حاسما مساحة الدور المرسوم لكل طرف، خاصة وان هذه العلاقة الشائكة لا تطرح نفسها بقوة في حوار الأطراف المعنية بين الدوائر السياسية والحزبية في البلاد.
ولا يمل المجتمع بكافة شرائحه‏ من الحديث عن الوظائف الجديدة للدولة وعما إذا كان المطلوب هو الدولة الحارسة أو الدولة الراعية. 
وفي عجالة يمكن القول إن المرحلة التي تمر بها هي مرحلة تحول لاقتصاديات السوق، وبعض الناس غير راضية عن الأوضاع الاقتصادية وترجع ذلك إلى أن اقتصاديات السوق تطبق علي نحو غير ملائم، ولكن هذا يندرج تحت بند سوء التطبيق، وهذه سمة سودانية.‏
ومن الأنسب ان نأخذ بنظام اقتصاديات السوق، لكن اقتصاديات السوق ليست عملية (استهبال)، مثل الذي يحدث في أسواقنا الآن، فهي لها ضوابط ومتطلبات. ولكي يكون السوق منضبطا لا بد أن يكون مكتملا يشمل توافر المعلومات ووجود عدد كبير من البائعين والمشترين وحرية دخول وخروج‏,‏ في هذه الحالة السوق تضبط نفسها بنفسها‏.‏
أما إذا كانت السوق غير مكتملة فلا بد من التدخل وهذا من ضمن نظام السوق‏.‏ وآليات السوق في بلادنا غير مكتملة وتوجد تشوهات واختلالات، تحتم تتدخل الدولة لتصحيحها، ليس عن طريق التدخل المباشر في النشاط الاقتصادي، ولكن عن طريق السياسات التي تضع الحوافز والروادع التي تكفل تحقيق الأهداف المرسومة للمجتمع.
ويبقى السؤال كيف نحمي المستهلك في ظل اقتصاد منفتح؟
لعل ظاهرة ارتفاع الأسعار الناتجة تحت ستار ارتفاع التضخم دفعت التجار إلى رفع الأسعار بطريقة عشوائية، لا تأبه بتكلفة الإنتاج وتحديد هامش ربح معقول، مع غياب مسئولية الدولة لحماية المستهلك من خلال أدوات رقابة مباشرة، خوفا من الاتهام بالتراجع عن اقتصاد السوق‏.
ببساطة شديدة، يتمحور دور الدولة في ضبط السوق  بتوفير قائمة أسعار استرشادية وآليات لمعرفة التكلفة الحقيقية لكل سلعة؟
ولا أدري ما هي الحكمة في أن تسجل الدولة هذا الغياب وفي جعبتها  آليات ووسائل تستطيع من خلالها إعادة الانضباط إلى السوق، تكملة لجهد تقوم به علينا أن نقر به لكن نتيجته ستظهر فيما بعد حيث هناك تحسن في معدل النمو الاقتصادي.
وقد يواجه الاعتراف بتحسن معدل النمو الاقتصادي بسؤال عن انعكاس هذا علي افراد المجتمع؟
والشاهد يبدو واضحا في تغير نمط استهلاك المواطن العادي بحكم التطور، وتغير مستوي المعيشة ووسائل الحياة إلى الأحسن، خاصة إذا قارنا الفترة التي نعيشها الآن بثلاثة عقود مضت سنجد أن هناك بالفعل تحسنا ملموسا‏.‏
وحدثت طفرةٍ بالفعل في مستوي ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين سواء في الحضر أو الريف‏,‏ فمستوي المعيشة بالعمل ارتفع، لكن واكب ذلك ارتفاع في تكاليف المعيشة أيضا‏.
وهناك من يرى أن معدل النمو ارتفع بالفعل وبطريقة حقيقية، لكن علي الطرف الآخر لم يشعر الناس بهذا التحسن، لسوء عدالة توزيع الدخل، إضافة إلى أن مصادر النمو كان في أنشطة ذات كثافة رأسمالية مع ارتفاع في معدل التضخم‏.‏
وخطل هذا الرأي أنه لكي يشعر أفراد المجتمع بالتحسن في مستوي المعيشة لابد أن يستمر هذا الارتفاع‏ في‏ معدل النمو‏ لعدة أعوام، فارتفاع المعدل لسنتين أو ثلاث سنوات غير كاف حتي يحس المواطن بالتحسن‏. فإذا استطعنا أن نحافظ علي نسبة نمو لا تقل عن‏7 في المائة‏ لمدة‏ ست سنوات يمكن أن نحس بعدها بهذا التحسن.
لقد سارت بلادنا في طريق تطبيق اقتصاد السوق بخبرات ونصائح من منظمات دولية لديها أجندة قد تكون مختلفة عن الأجندة الوطنية‏. ومر الاقتصاد السوداني على مدى  أكثر من خمسين عاما بمتناقضات عديدة وسياسات مختلفة‏‏ تتضارب من فترة لأخري‏.‏ ولم نطبق نموذج تم الاتفاق عليه بل سرنا في عملية تجريب وتصحيح الاخطاء الناتجة عن هذه التجربة‏.‏
وعودة لموازنة العام 2012 وحتى لا تقهر الموازنة المواطن أو يقهرها المواطن، فالملاحظ أن هذه الموازنة التي في ظل تغيرات هيكلية ومالية تعيشها البلاد عقب انفصال جنوب السودان. وحسنا يتصرف الأستاذ علي محمود محمد حين يؤكد أن الدولة بادرت باتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير لمواكبة المتغيرات لتعويض الفاقد الإيرادي وضبط الإنفاق وتحديد أولويات التنمية واستقطاب موارد خارجية جديدة وتفعيل نشاط ودور القطاع الخاص بهدف المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وتحقيق نسبة نمو إيجابية في الناتج المحلي والإجمالي.



ويسهب محمود في تفاصيل أن الموازنة المقبلة تركز على أولويات البرنامج الثلاثي، خاصة في ما يتعلق بالسياسات الداعمة لزيادة الصادرات غير البترولية وتقليل وإحلال الواردات وتفعيل سياسات الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، بجانب نقص وترشيد الإنفاق الحكومي.
كما يشدد وزير المالية والاقتصاد الوطني على دعم وزارته لمشروعات التنمية والبنيات الأساسية المستمرة في القطاعات المختلفة، بجانب مشاريع التنمية الاجتماعية وتخفيف أعباء المعيشة للشرائح الضعيفة ومحاربة الفقر.
ويكمل محمود هذه الحلقة من الانتباه الشديد للمشاكل المحيطة بالموازنة بالحديث عن ابتكار أساليب تمويل مستحدثة في موازنة العام 2012، عبر تفعيل قوانين الاستثمار بالولايات، واستغلال موارد الصوك، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وترشيد الاتفاق الحكومي، وزيادة إنتاج المعادن، وتوفير القروض السلعية
وأكد وزير المالية عزم الحكومة الدخول في الشراكات الاستراتيجية مع بعض الدول والتوسع الأفقي في الضرائب.
وتلك إجراءات مضت، فعلاج عجز الموازنة لا يعني إنهاء العجز، بل يشير إلى المستوى الذي يصبح عنده الاقتصاد قادرا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود، وهو مستوى يتعين على الأستاذ علي محود البحث عنه بدقة وعناية في ضوء الخبرة التاريخية للاقتصاد الوطني وكذلك الأوضاع الاجتماعية الراهنة، منطلقا من ثلاثة مبادئ أساسية:
أولا: إن علاج العجز لا يعني القضاء عليه، بل الوصول إلى مستويات مقبولة مجتمعيا.
ثانيا: إن هذا العلاج سوف تترتب عليه تكاليف معينة يحب أن يتحملها المجتمع وفقا لاعتبارات العدالة.
ثالثا: إن علاج هذا العجز يجب أن يتم على مدى زمني متوسط وطويل وليس على المدى القصير.

وأخيرا لكي يعمل اقتصاد السوق فأنه بحاجة إلى حكومة تستطيع أن تحدد قواعد اللعبة وتلزم كل الأطراف بمراعاتها وتشجع الأهداف الاجتماعية المشتركة علي نطاق واسع وتنفق الإيرادات بصورة منتجة. وتفرض تنفيذ العقود والسوق السودانية بحاجة إلى مؤسسات جيدة يديرها أفراد على مستوى عال من الكفاءة والنزاهة، لا يحعلون السوق مصدرا للتربح والفساد.‏


نقلا عن جريدة الصحافة