عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رغم حملات النظافة التي تنتشر فيه أناء الليل والنهار، فليس وسط الخرطوم بقعة نظيفة جدا. وليست الخرطوم المدينة المخنوقة بين النيلين مدينة هادئة أو فيها ما يغري هواة التسكع وكتابة الشعر والأناشيد.
وليس من السهولة أيضا أن تتمشى بين شوارع الخرطوم ذات التراب الكثيف، لأنها تفتقر للأرصفة، ولأنك لن تجد فيها مقهى هادئا تستريح فيه قليلا أو تسامر فيها صديقا تجبرك مشاغل الدنيا على مخالفة وعده ولا تتلوم.
قد تجد في هذا الوسط (بائعة شاي) تستقبلك بابتسامة تجعلك تتكوم على بنبر تكسوه حبال البلاستيك ذات الملمس الحاد وفنجان قهوة تسبح فوقه كمية من البهارات تجعل الأطباء يحتارون في الداء الذي أصاب معدتك.
تلك مشاهد يومية باهتة ومكررة كادت أن تصبح جزءا من تكويننا السلوكي، تخيف المرء كلما تذكر أنه عائد إلى وسط الخرطوم، في مدينة ذات موقع جغرافي ساحر، لكنها مدينة لا تحفل بوضع الجمال على قدم وساق مع السلع والمنتجات المعروضة في أسواقها ومعارضها التجارية.
ليت سعادة الفريق الرشيد فقيري وزير التخطيط العمراني الجديد يعيد هندسة هذا الواقع الذي أخشى أن يكون قد جعل الخرطوم العاصمة مثل امرأة عجوز ومترهلة لا تجدي المساحيق في إصلاح ما أفسده الدهر.
وليت أحلام الدكتور عبد الرحمن الخضر والي الخرطوم تنجح في التصدي للكوابيس التي تناوش برنامجه الانتخابي في تحويل المدينة من امرأة مترهلة إلى صبية تواجه تحديا خشنا، ينبغي ويتعين على الجميع مساندة الخضر في مواجهته.
هل نملك الشجاعة شعبا وحكومة للاعتراف بأن الشخصية المعمارية قد تاهت تماما، رغم البدايات السعيدة للخرطوم كأول مدينة إفريقية تصمم لها خريطة موجهة وضعت في وثائق المؤتمر التأسيسي لجمعية المخططين العالميين في 1910م. وهذه الخريطة اندثرت قبل أن تظهر معالمها. وكذلك كل الخرط الموجهة والخطط المفصلة، من لدن الأغريقي دوكسيادوس في الستينيات، مرورا بالإيطالي مفت في السبعينيات وانتهاء بفريق العمل الذي ترأسه الدكتور صلاح النص وسلم أعماله قبل عامين أصبحت مجرد ملفات أنيقة يصعب تطبيق نتائجها على الأرض!
ولعل البداية الجادة للسيطرة على هذا الكابوس الإقرار بأن الخرطوم وصلت مرحلة المدينة العملاقة، وهذه المرحلة لها عند علماء الاجتماع الحضري نظريات ومدارس، لكن علينا الآن أن نتحسب لخطر كابوس المدينة العملاقة، لأن منع انفجاره في المستقبل رهين بنجاحنا في فهم ديناميكية العلاقة الجدلية المعقدة بين الريف والمدينة، فغياب مثل هذا الفهم ينتج عنه غياب استراتيجية مستنيرة لمواجهة تحديات المستقبل.
رغم كل هذا، فأحلام الخضر في تحديث الحياة في الخرطوم، وتحويلها إلى عاصمة تليق بالعباد والبلاد لا تنقطع، وبدأت تؤتي أكلها، رغم الهنات القليلات، و(نقنقة) أحزاب أعداء النجاح.
ومع ذلك، هل هي أمنية أم حلم أم مخاطرة في التفكير والتخطيط أن نتحدث عن شخصية الخرطوم؟
واقع الحال، أن الخرطوم مدينة امتلأت بالمباني وازدحمت بالسكان وتعددت داخلها المدن والأحياء حتى فقدت طابعها ولم تظهر ملامح شخصيتها بعد. هي مدينة حالها حال كل مدن العالم الثالث التي تاهت شخصيتها الوطنية من جراء سيطرة نمط المدن الأوروبية المزدحمة بغابات الأسمنت وأدغال غابات الألمنيوم والألواح الزجاجية كيبئة المنظر.
وليست مهمتنا حاليا أن نضع العقبات في طريق برنامج الخضر السمح المتكافئ، بل السعي لتوفير رأي عام ملهم ملئ بالبدائل والوسائل والآليات والبركات والنفحات التي تجعل الخضر يستثمر حسن الطبيعة ويمجد الخلاق.
ولعل المطلوب من الجميع مساندة هذا البرنامج والتفاعل معه بصورة إيجابية، فليس صعبا مثلا أن تشيد الجهات المختصة شعبية أو حكومية محطات لوقوف حافلات نقل الركاب في جميع خطوط المواصلات، يقف فيها سائقو الحافلة بهدوء ويصعد منها الركاب بأمان، لعل هذا الالتزام يخفف من الزحام ومن سيطرة سائقي الحافلات على الطرق، خاصة في وسط العاصمة.
أما أحلام الفقراء من أمثالي وهم الأغلبية الصامتة في الخرطوم فهي بسيطة جدا، ولا تتجاوز سيدي الخضر مجرد العيش في مدينة (تلقا فيها النيل يلمع في الظلام زي سيف مجوهر بالنجوم من غير نظام). وساعتها يحق لنا أن نغني دون أن نقع تحت طائلة قانون النظام العام (ياجمال النيل والخرطوم بالليل)، مع الاعتذار للأستاذ الفاتح حمدتو الذي تعجبني نظريته أن نهر النيل يبدأ من بيت المال، والخرطوم كما تعلمون لا تطل على نهر النيل، فإن قبل حفيد حمدتو الاعتذار فذاك من إحسانه.