عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دون أي محاولة للدخول في معارك سياسية قد تتحول إلى حوار طرشان يدحض كتاب (دليل إبراهيم للعام 2011م) فرضية أن التحول إلى التنمية القائمة على الديمقراطية خيارا يمكن التخلي عنه أو ترفا فكريا يمكن إحراز التقدم من دونه.
ومن هنا تبدأ قصتنا مع التقارير الأجنبية، قصة التجاهل التام لكل ما يصدر منها أو عنها. صحيح أن التقارير الأجنبية بحر واسع للعوم ومفتوح أيضا للغرق.
والمتعامل مع هذه التقارير لا يدخل فقط في مغامرة غير محسوبة، بل يجد نفسه أمام مأزق حقيقي، فنتائج التقارير الأجنبية نهائية، تشرحها حروف محددة قاطعة، وموضوعاتها بحر هائج متلاطم الأمواج.
وفي سياق المجازفة بمثل هذا النوع من التعامل، بدا لي أن رد الفعل الوطني تجاه التقارير الأجنبية مثير للقلق، لأنه يتسم بنوع من التثاقل على مستوى الحكومة بمستوياتها كافة، ونوع من التسرع على مستوى المعارضة بكافة أشكالها وأنواعها.
ما علينا فقد صدر ملخص دليل إبراهيم للحكم الإفريقي لعام 2011، في نوفمبر الماضي من 36 صفحة من القطع الكبير عن مؤسسة مو إبراهيم، وهي منظمة تدعم وتساند الحكم الجيد والقيادة الرشيدة في إفريقيا.
ويحتوي الدليل على تفاصيل كاملة عن الأداء عبر فئات الحكم الأربع، وهي: السلامة وحكم القانون، المشاركة وحقوق الإنسان، الفرص الاقتصادية المستدامة، والتنمية البشرية.
ويمثل دليل إبراهيم، الذي تأسس عام 2007، أكبر حشد للبيانات الكمية الشاملة التي تقدم تقييما سنويا لأداء الحكم في كل دولة إفريقية.
أما القضية المركزية التي تكاد تطالعها في جميع صفحات الدليل، فهي أن هدف انتشال ملايين الأفارقة من الفقر لا يمكن تحقيقه دون: بناء مجتمعات ديموقراطية قوية, تفعيل حكم القانون, توفير المرافق التعليمية والصحية, خلق مجتمع مدني قادر, وصياغة إطار يتوافق مع النمو الاقتصادي. وبعبارة مباشرة لا شيء من ذلك كله يمكن أن يتحقق بدون الحكم الرشيد.
ويدعم الدليل قضيته المركزية بتأكيد أن الدول التي تسير على نهج متوازن في كل أبعاد الحكم تحقق أعلى درجات النجاح.
غير أن دليل إبراهيم يشير إلى أن الاتجاه العام في أفريقيا غير متوازن، إذ أن العديد من الدول تحسنت على مستوى الفرص الاقتصادية المستدامة والتنمية البشرية، لكن هذا التقدم لم ينعكس على مستوى السلامة، وحكم القانون، والمشاركة، وحقوق الإنسان.
وتبين نتائج البحث على امتداد السنوات الخمس الماضية، وجود اختلافات واسعة في الأداء بين الدول وعلى امتداد الفئات، تندرج في المتوسط غير المتغير للقارة، وهو 50، بالنسبة إلى المستوى الإجمالي لجودة الحكم، كما تبين أن الدول، التي ظلت باستمرار، حتى الآن، ضمن أعلى خمس دول من حيث الأداء الكلي للحكم (موريشيوس والرأس الأخضر وبوتسوانا وسيشيل وجنوب إفريقيا)، جاء أداؤها عاليا في الفئات الأربع كلها.
ويلاحظ الدكتور محمد فتحي إبراهيم، مؤسس ورئيس مؤسسة مو إبراهيم الذي التقته (الصحافة) في تونس في معرض تعليقه على دليل إبراهيم لعام 2011، أن (أغلبية أفريقيا الشبابيّة لم تعد ترغب في مساندة النهج الانتقائي للحكم، الذي تبنته العديد من حكومات قارتنا).
وقال (صار شبابنا يطالبون بنهج متكامل ومنصف ومستوعب للجميع، على مستوى إدارة بلدانهم، وتعكس نتائج الدليل هذه المطالب، إذ أن الإنجازات في الإدارة الاقتصادية والتنمية البشرية، رغم وضوحها لن يلتفت إليها إذا تواصل الإصرار على العجز الديمقراطي).
وتابع أن (قصص النجاحات في إفريقيا توفر مجموعة كبيرة من السلع والخدمات العامة، التي يحق للمواطنين توقعها، كما تفتح طريقاً نأمل أن يسير عليه كثيرون).
ويعطي دليل إبراهيم لعام 2011 صورة غير موحدة حول التقدم الذي أحرز فيما يتعلق بالحكم على امتداد القارة الأفريقية، بينما صار العديد من سكان القارة السمراء يتمتعون بصحة أحسن وفرصة أكبر للحصول على أكبر قدر من الفرص الاقتصادية يزيد عما كان متاحا قبل خمس سنوات، فإن العديدين منهم صاروا اقل أمانا على المستوى البدني وأقل تحررا على المستوى السياسي.
والحاصل أن الداعي للقلق في ثنايا هذا التقرير، هو أن أداء السودان حسب دليل إبراهيم للحكم الأفريقي، يؤهله لإحراز 33 درجة من 100 ، ويحتل المرتبة 48 من بين 53 دولة أفريقية. وهنا تبرز ملاحظة فحواها أن البيانات المستخدمة عن السودان في دليل 2011 هي من عام 2010 قبل انفصال جنوب السودان.
وسجل السودان في فئة السلامة وحكم القانون 21 نقطة. وفي فئة المشاركة وحقوق الإنسان 22 نقطة. وفي فئة الفرص الاقتصادية المستدامة 40 نقطة. وفي التنمية البشرية 49  نقطة.
وبالطبع لم تمكن النتائج السابقة السودان من احتلال أي من المقاعد الخمسة الأولى في فئات التقارير الأربعة، مع ملاحظة أن مصر التي احتلت المرتبة العاشرة في الأداء العام، جاءت في المرتبة الثانية في فئة الفرص الاقتصادية المستدامة.
دليل إبراهيم من حيث المنهجية هو دليل مركب من خلال جمع مؤشرات متضمنة فيه بطريقة معيارية، لتوفير قياس أحصائي لأداء  الحكم في كل دول أفريقيا. والدليل كمشروع استشاري يتأقلم باستمرار كي يستوعب آراء وانتقادات أصحاب المصلحة.
وحسب تعريف مؤسسة مو إبراهيم الناشرة للدليل، فإن الحكم هو كل ما يشمله الحكم من وجهة نظر المواطن، والتعريف عريض بشكل متعمد كي يستوعب كل مظاهر ما يحق للمواطن أن يطالب به دولته. ويختصر الدليل كل هذه المظاهر في أربعة أبعاد متداخلة هي: السلامة، وحكم القانون، والمشاركة، وحقوق الإنسان، والفرص الاقتصادية المستدامة، والتنمية البشرية. ولأن الحكم لا يقاس مباشرة فإن من الضروري تجديد المؤشرات المناوبة النسب التي تعكس بشكل ملائم هذا التعريف للحكم. وفضلا عن الحاجة لوجود مؤشر محدد يتوافق مع تعريف مؤسسة مو إبراهيم، فهناك معايير أخرى يجب أن يلبيها المؤشر، إذ يتعين على مؤشر جامع أن يغطي على الأقل ثلثي دول أفريقيا أي أكثر من 35 دولة. ويجب أن يوفر بيانات لسنتين على الأقل خلال الفترة من العام 2000 حتى العام 2010م. كما يجب أن ألا يكون عمر البيانات المتاحة أكثر من ثلاث سنوات. ويجب أيضا أن تكون البيانات الجديدة منتظمة الصدور كل ثلاث سنوات على الأقل.
تأتي البيانات المضمنة في الدليل من 23 مؤسسة منفصلة وعلى درجات مختلفة من حيث المصدر، لذا اهتم الدليل بضرورة توحيد هذه البيانات الخام بشكل معبر. وتحول كل البيانات الخاصة لكل مؤشر بمنهج تطبيع الحد الأدنى ـ الحد الأقصى والذي يقوم بأداء تحول خطي على البيانات فيما يحافظ على العلاقة بين القيم الأصلية للبيانات ويخصم تطبيع الحد الأدنى ـ الحد الأقصى القيمة الأدنى لمجموعة البيانات الخام للمؤشر من كل قيمة للدولة تتعلق بذلك المؤشر في السنة المعينة، ثم تقسم تلك القيمة على مدى المؤشر (القيمة القصوى لمجموعة البيانات الخام مخصوما منها القيمة الدنيا لمجموعة البيانات). وتضرب القيمة الجديدة في 100 لتوضع في مدرج قياس يمتد من 0 ـ 100، حيث تكون 100 هي أفضل نتيجة ممكنة. وفي هذه المنهجية هنا تبرز ملاحظة مهمة فحواها أن تشكيلة بيانات دليل إبراهيم لعام 2011م تغطي فترة 11 عاما عامي 2000 و2010.
تحتوي بعض البيانات الخام التي تستخدم في حساب دليل إبراهيم على ملاحظات تضع مسافة فوق العادية من القيم الأخرى للمؤشر. وفي دليل إبراهيم لعام 2011، فإن المؤشرات العشرة التالية تطلبت معالجة إحصائية لتقليص تأثير القيم الطرفية هذه على النقاط النهائية: التضخم، اللاجئون، النازحون، الاحتياطات، معدل عجز الميزانية، أو فائض الناتج المحلي الإجمالي، معدل خدمة الأجنبي للصادرات، معدل إجمالي الإيرادات لإجمالي الإنفاق، مشتركو الإنترنت، التسجيل للدراسة ما فوق الثانوي، والكوليرا.
وتم تطبيق منهج إحصائي بسيط لتجميع البيانات المطبعة بالدليل المركب. وتم تعيين مؤشر تطبيعي للفئة الفرعية التي يتوطن فيها مفاهيميا بشكل أفضل. وتحسب نقاط الفئة الفرعية بمتوسط نقاط المؤشرات المتضمنة. وتحسب نقاط الفئة من خلال متوسط الفئات الـ 14. وأخيرا تحسب النقاط الكلية للدليل عن طريق متوسط نقاط الفئات الأربع. ولا توزن الفئات ولا الفئات الفرعية بشكل صريح. وبينما تمكن النقاط المركبة لدليل إبراهيم مستخدمي الدليل من القيام بمقارنات عريضة، فإنه يمكن القيام بتحليل جدير بالاهتمام على مستوى الفئة والفئة الفرعية.
ورغم أن طبيعة الحكم غير قابلة للرصد، إلا أن دليل إبراهيم هو قياس بالوكالة، وتنبع المصادر الرئيسية لعدم اليقين في حساب الدليل من البيانات المفقودة وأخطاء القياس. ولذا تنشر مؤسسة مو إبراهيم أخطاء معيارية وثغرات ثقة إلى جانب الدليل الكامل. ونتائج الفئة تعكس عدم اليقين هذا. ويأخذ الاعتبار لعدم الدقة في القياس التي توجد في أي دليل للحكم، فإن مستخدمي الدليل يشجعون على تحاشي المبالغة في تأويل الاختلافات الصغيرة في النقاط.
ويهتم دليل إبراهيم بإضافة مؤشرات جديدة سنويا من أجل تقويم وتحسين الدليل، إضافة إلى أن قاعدة البيانات الكاملة للدليل تحدث كل عام وفقا لأفضل الممارسات. وينبغي مراعاة أن المراجعات بأثر رجعي التي تفرضها إعادة تقييم البيانات من المصدر، تعني أن البيانات التي استخدمت في دليل 2011م قد تكون مختلفة في بعض الجوانب عن تلك التي استخدمت عام 2007م. وتعكس المرتبة التي تحتلها دولة ما في دليل 2011 تقيم مؤسسة مو إبراهيم استنادا إلى أفضل المعلومات المتاحة في وقت تشكل الدليل. وبالتالي فإن المقارنات بين عدد السنوات التي تجري كلها على تشكيلة مجموعة بيانات عام 2011م.
ولكل هذا نشأ دليل إبراهيم للحكم الأفريقي اعترافا بحاجة المواطنين والحكومات إلى أداة قوية وشاملة وقادرة على القياس لمتابعة ورصد أداء الحكومات في القارة السمراء. ويواصل الدليل تحسين أدائه كل عام كجزء من التزام مؤسسة محمد ابراهيم بمساندة انبثاق قيادة أفريقية عظيمة توسع الآفاق الاقتصادية والاجتماعية أمام شعوب أفريقيا.
وتركز المؤسسة على تعزيز الحكم الرشيد في أفريقيا وتقدير كل ما هو ممتاز في أوساط القيادات الأفريقية. وتهدف المؤسسة إلى تحريك الحوار حول الحكم الرشيد وتوفير معايير يمكن بها للمواطنين والبرلمانات والمجتمع المدني والحكومات تقييم التقدم، والاعتراف بما تحققه القيادات الأفريقية، وتوفير طريقة عملية يمكن من خلالها للقادة الوطنيين بناء تراث ايجابي للقارة حينما يتركون مناصبهم
وتمنح المؤسسة أيضا جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة الأفريقية، وهي أكبر جائزة تمنح سنويا في العالم. وتمنح المؤسسة خمسة ملايين دولار أمريكي لرئيس دولة أو حكومة سابق أظهر قيادة ممتازة خلال فترة حكمه.
إن دليل إبراهيم هو التقييم الأفريقي الرائد في مجال الحكم، وغاية ما يهدف إليه لتوفير المعلومات لمواطني القارة وتعزيز قدراتهم ومساندة الحكومات والبرلمانات والمجتمع المدني في تقييم مدى التقدم المحرز في مجال الحكم الرشيد.
وعودة لقصتنا مع التقارير الأجنبية، فإن ثنائية التجاهل التام أو الاحتفاء الشديد بهذه التقارير تجعلنا أمام محنة من تضارب المشاعر والولاءات. وإذا كان محور القضية حقوق الإنسان، فهي في المقام الأول قضية سياسية يتعين علينا إلا نحولها إلى قضية خيرية حتى لا تصبح مساوية لفكرة الإحسان والصدقة عندما يراد لها أن تحل في المجتمعات محل فكرة التنمية والتقدم.