عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عندما ينثني بك الطريق في الاتجاه الشرقي ستجد أن مدخل المطار قد توسدته بوابة جديدة من عمودين جميلين من الحجر الرملي، تأخذ من التراب ألوانا متدرجة من الترابي الغامق إلى الفاتح إلى الترابي (خاتف لونين).
هنا شارع  أفريقيا الواسع الأنيق أجمل شوارع العاصمة السودانية على الإطلاق، تأخذ تعرجاته غربا إلى مطار الخرطوم الدولي، إذا كنت قادما من الجنوب، وتأخذك أيضا شرقا  إليه إذا كنت من الشمال. وفي الحالين سيأخذ بصرك مشهد بوابة الحجر الرملي تقف شامخة مثل فريع البان الذي لا يتمايل ليحاكي المنقسمة، بل تقودك إلى دهاليز المطار الذي شيده الاستعمار البريطاني بكثير من البخل وقليل من الخيال!
إذا كنت دقيقا قد يلفت نظرك أن عبارة مطار الخرطوم المنحوتة على العمودين تنقصها كلمة (الدولي)، ولا مجال هنا للتعليق إن كان هذا الغياب بسبب ضيق المساحة أو الطريقة التي كتب بها الاسم أم (حاجات تانية).
تأخذك الدهشة عند مدخل صالة المغادرة، إذ أن هناك روح جديدة تغشى المكان، فالشاب الذي يقف في المدخل يستقبلك بشوشا مرحبا، ويسألك في ذوق رفيع بغية التأكد من الأوراق الثبوتية التي تحملها.
ولا يفوتك أيضا أنه يرتدي زيا أنيقا متناسقا في شكله وألوانه، بل يبدو أن من صمم هذا الزي اجتهد في أن يجعل له معنى.
داخل الصالة تكتمل اللوحة، ويبدو الداخل إليها مثل من وصل إلى جسر القمر أو انتقل إلى قرية منسية يحس فيها بالأمان بعد مغادرة صخب المدينة، فالصالة رغم ضيقها المكاني تجعلك بصرك يتجول في مفارق جميلة تحاكي رغبة أو رؤية أو إرادة أو إدارة جديدة تكاثفت جهوده ليظهر المكان واسعا ومريحا من قبل، ثم مواكبا للمواصفات العالمية من بعد.
14 دقيقة و43 ثانية كانت المدة الزمنية التي تقودك من وضع الحقيبة على السير حتى الوصول إلى صالة المغادرة النهائية. واستنادا إلى المواصفات الدولية، فإن مطار الخرطوم يعتبر نظيف جدا، فإذا كانت المدة الزمنية من صفر حتى 20 دقيقة يعتبر المطار نظيف جدا ومن 20 حتى 40 يعتبر نظيف فقط، ومن 40 حتى 60 يعتبر قذر وأكثر من 60 دقيقة يعتبر قذرا جدا.
السفر بالطائرة هو بالطبع أكثر سبل الانتقال راحة، إلا أن اتخاذ القرار بالسفر بالطائرة عبر عدة مطارات أمر جدير بالتروى فيه. لأنه في حين أن مدة السفر بين المدن قصيرة، إلا أن فترة الانتظار في صالات المطار نفسها ليست بالمدة القصيرة. وقد أفتى لي الفقيه المجدد المهندس أحمد البشير عبد الله أن وعثاء السفر المذكورة في الأثر الشريف هي الانتظار في صالات المطارات.
ما اقسى فترات الانتظار في صالات المطارات حين تقودك الرحلة من الخرطوم إلى تونس عبر مطار القاهرة. صحيح أن صالات المطارات تضج بالمطاعم والأسواق والبارات، إلا أنها باهظة التكاليف. وهنا يظهر المكسب الأول لمطار الخرطوم،  فكوب القهوة السادة داخل صالته يكلفك نحو دولار ونصف الدولار بسعر بنك السودان، بينما تحتاج لثلاثة دولارات في مطار القاهرة ونحو سبعة دولارات في مطار تونس.
أما المكسب الثاني لمطار الخرطوم فقد كان فترة إنهاء الإجراءات. فقد وصلت مطار القاهرة بحجز مؤكد، لأن موعدي الذي كنت ذاهبا إليه في تونس كان مهما جدا، فهو موعد لمناسبة عالمية سنوية وتقام لأهمية وقت المشاركين فيها في يومي عطلة يتم الترتيب لها قبل شهور. ومع ذلك وصلت مطار القاهرة وأنا مطمئن بالحجز المؤكد رقم مقعده في الطائرة، لكن فترة إنهاء الإجراءات استغرقت بالضبط 63 دقيقة و38 ثانية.
أما في مطار قرطاج الدولي في تونس، فقد كسب مطار الخرطوم أيضا، لأن رحلة الإجراءات وفي مطار تونس استغرقت نحو 36 دقيقة و19 ثانية.
والمكسب الرابع يرتبط بالعولمة أو الكونية، ففي مطار الخرطوم يتاح لك تصفح الإنترنت مجانا وأنت واقفا في أجهزة ذات سرعة معقولة، بينما يحتاج الأمر نفسه في مطاري القاهرة وتونس إلى بطاقة ائتمان تسدد عبرها حفنة دولارات حتى تستطيع أن ترسل بريدا إلى صديق ما تقول من مطار القاهرة أكتب إليك مشتاقا و(لا ينقصنا سوى عدم رؤياك الغالية).
أما المكسب الأخير لمطار الخرطوم فقد كان إحساسي الشديد جدا بالأمان فيه، وهو إحساس أفتقدته نوعا ما في مطار تونس وأفتقدته تماما مع شيء من القلق في مطار القاهرة.
أما بعد، فتلك صورة إيجابية لمرفق حيوي تستحق أن نحتفي بها وأن نقف احتراما وتقديرا لجهود كافة منسوبي الهيئة العامة للطيران المدني بشقيها الرقابي والتشغيلي. ولصديقنا القديم المهندس محمد عبد العزيز أحمد الحاج تقدير خاص جدا، وصرخة فحواها، إن نجاحك في هذا المرفق هو نجاح لجيل كامل له (نية في قمر السماء)، ولن يقبل هذا الجيل أن تقول (القمرة ما لقيت سلما).