عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
على أي حال، تنتشر جامعة الخرطوم في أرض الوطن بجزئيه الشمالي الحالي والجنوبي السابق، إذ تخرج فيها الآف من الطلاب في شتى المجالات والتخصصات العلمية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية وسواها للدرجات الجامعية المختلفة.
وقد استطاعت هذه المؤسسة التعليمية الرائدة بالتعاون مع المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المساهمة في تنمية وتطور الوعي الثقافي والحضاري لدى الطلاب الجامعيين خاصة والشعب السوداني عامة.
وعملت جامعة الخرطوم أيضا على رفع مستواها الأكاديمي فصارت تتمتع بسمعة طيبة بين الجامعات العربية والدولية، حيث خرجت عشرات الآلاف الذين التحقوا بقطاعات العمل المختلفة في السودان والوطن العربي والعالم.
ورغم الظروف غير الطبيعية التي عاشتها خلال ربع القرن الماضي، فقد واصلت جامعة  الخرطوم مسيرتها الأكاديمية متحدية الصعاب والمعوقات فساهمت في ترسيخ الأسس الحضارية العامة في البلاد.
تأتي هذا التوطئة في سياق التقديم لكتاب جديد قدمه بهدوء شديد مصحوب بتواضع العلماء الراسخين في المعرفة البروفسير عبد الملك محمد عبد الرحمن، أستاذ الفيزياء النظرية والمدير الأسبق لجامعة الخرطوم بعنوان (جامعة الخرطوم ـ الحاضر والمستقبل).
يحتوي الكتاب على أفكار وأحلام حملتها مجموعة مقالات نشرت في جريدة (الصحافة)، ورأى مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي نشرها في كتاب تحية وتقديرا للمؤلف ولدور جامعة الخرطوم، وأظن أنه تقدير يعبر عن شعور جمهور عريض من الناس أحب قلم عبد الملك عبد الرحمن واحترم فكره ووثق فيه سواء اتفق مع رأيه أو اختلف، عارفا في الحالتين أن عبد الملك يحمل مسؤوليته بجد ويستشعر همومها بصدق ويؤديها باحترام لنفسه ولتلاميذه وللكلمة وللقارئ جميعا في نفس الوقت.
وفي أدائه لهذه المسؤولية، فإن عبد الملك يرهق نفسه بأكثر مما تستطيع طاقته، ولعل حياءه تواطأ مع تواضعه فقدم 143 صفحة من القطع المتوسط تكاد كل كلمة فيها أن تؤكد أن جامعة الخرطوم تكتسب أهمية كبرى، كونها مركز إشعاع حضاري وسط المجتمع. فرسالتها رسالة وطنية وإنسانية وحضارية شاملة.
ويدعو الكتاب في مقالاته الثمانية عشرة إلى أهمية تمتين العلاقة بين التنمية والمعرفة والتعليم النظري والتطبيق العملي لممارسة مهمة الإصلاح في المجتمع بعيد تخريج الأفواج الجامعية المتعلمة والمدربة بشكل مناسب لنهضة وتطور الأمة.
يمتلك كتاب (جامعة الخرطوم ـ الحاضر والمستقبل) مزايا عديدة على رأسها سهولة لغته وامتلائه بأفكار واقعية عن الجامعة يمزج فيها الأستاذ الكبير عبد الملك بين الإحصاءات والتحليل العلمي والأفكار التحليلية الثاقبة والأمثلة التي تعبر عن جامعة الخرطوم قلب المجتمع السوداني ونبضاته.
وبهذا يجد القارئ نفسه وسط سيل مستمر من الأفكار والمقارنات الممتعة التي تدفعه للتفكير والتوقف بشكل متكرر لإبداء الإعجاب بأفكار المؤلف أو التأمل فيها أو نقدها، بمعني أخر أن الكتاب الصغير (143 صفحة) مليء بالأفكار المثيرة للتأمل والإعجاب.
وتصب جميع هذه الأفكار والأمثلة في نظرية الكتاب وأطروحته الرئيسية المتعلقة بسيطرة فكرة (تطوير التعليم العالي حتى يصل المستويات العالمية المرموقة ويواكب تطورها)، على حياة وتفكير السودانيين، حيث يدور الكتاب حولها بشكل بعيد كل البعد عن الملل، فالمؤلف يضرب عبر صفحات الكتاب مثالا بعد الأخر ويأتي بدليل تلو الأخر وبإحصائية ثم أمثلة من تجاربه الشخصية دون أن يمل أو يعطي القارئ فرصة للشعور بالملل، وكل هذه الأفكار تصب في اتجاه أن (حل قضايا السودان عامة يحتاج الآن للعمل الجرئ والتفكير غير التقليدي).
وفي ثنايا سطوره يشدد الكتاب، على أن رهان النهوض بمؤسساتنا التعليمية يتمثل في مفردة الإصلاح. والإصلاح لا يمكن أن يتجسد في الواقع، إلا عبر تعزيز موقع المؤسسة التعليمية، وإعادة الاعتبار إليها كبؤرة أساسية وعدسة لامة، تتجمع فيها كل العمليات وفق نظرة شمولية ومندمجة ترتكز على منطق فضاءات التدخل بدءا من الفصل الدراسي، ثم المؤسسة التعليمية ومحيط المؤسسة.
يعكس الكتاب إجمالا الحاجة الحيوية المتمثلة في حاجة البلاد والعباد المتزايدة للتنمية والتطوير الجامعي في البنية الأساسية لمؤسسات التعليم العالي، إذ أن هناك حاجة ماسة سنويا جراء تزايد عدد المستفيدين من خدمات الجامعة في البلاد لتحقيق الالتحام والتكامل بين أطراف العملية التعليمية العليا. فعملية الإشباع الجامعي يتوق لها كل طالب وكل اسرة بعد ظهور نتائج الشهادة الثانوية بشكل فوري تتنامى نوعيا وكميا، وتشمل مجالات التنمية الجامعية كافة المواضيع العلمية والأدبية بالتوسع الأفقي والعمودي.
وفي هذا السياق المجمل لا يغفل الكتاب أهمية وجود قيادات جامعية فعالة تتألف من ذوي الخبرات والكفاءات العلمية المتقدمة والمنتجة. ومع ترجيح أن تقوم هذه القيادات عبر مبدأ التشغيل الذاتي، إلا أن عملية التنسيق والتعاون لا بد أن تكون مغلبة عبر الإدارات الجامعية ومؤتمر عمداء الكليات والإدارات العامة في واتحاد الطلاب ونقابات العاملين بالجامعة.
ويمنح مؤلف الكتاب مشاركة الجماهير الجامعية مزيدا من الاهتمام، إذ أن الجماهير الجامعية، هي الفئة المستهدفة لعملية التغيير والإصلاح الأكاديمي والإداري والسياسي. ويقصد بذلك الهيئات الأكاديمية والإدارية ونقابات العاملين واتحاد الطلاب وسائر الكتل الطلابية عبر الأطر الجامعية المختصة، لأن العمل المنظم أكثر جدوى من العمل القائم على العفوية والفردية المتقلبة.
فيما يتعلق بالتمويل، فإن التمويل المالي المطلوب يمكن أن يكون من القطاعين العام والخاص على السواء، إلا أن إنجاح جهود استقطاب التمويل في جامعة الخرطوم يتطلب جهدا واعيا جديدا واستثمارا ماليا مناسبا، يراعي رسالة الجامعة ودورها.
عبر صفحات الكتاب وفصوله، يعبر عبد الملك بقوة، عن اهتمامه بالأبحاث والدراسات العلمية، بعدة طرق ووسائل، يبدأ بالتركيز على تخصيص ميزانيات سنوية ملائمة للأبحاث والدراسات العلمية بمصادر رسمية وأهلية للنهوض بأوضاع المجتمع، والانطلاق نحو العالم الرحب في المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية. ولا ينتهي عند محطة عدم الرضا أو الاستكانة المتمثلة في استيراد قشور التكنولوجيا الغربية، ومكافحة لها يستعرض في التفاصيل التي تقودنا إلى أن نتحول إلى منتجين وليس مجرد مستهلكين.
استغرق عبد الملك في أكثر من نصف الكتاب في الحديث باستفاضة عن قضايا الإصلاح الأكاديمي والبحث العلمي والدراسات العليا والتدريب، ويعجبك في هذه الاستفاضة أن عبد الملك تمكن بمهارة شديدة وحرص شفاف من فرز الكيمان المتداخلة في هذه القضايا بصورة واقعية، فتراه يقر بوضوح تراجع جامعة الخرطوم عالميا، ثم تراه يتعاطف مع القلق المشروع لدى الكثيرين عن هذا التراجع، لكنه سرعان ما يبث تفاؤلا مغزاه شحذ همم منسوبي جامعة الخرطوم ومتخذي القرار خارجها على (العمل بجد من أجل أن تستعيد جامعة الخرطوم مجدها ورونقها وألقها، لأن الوقت لم يفت على تحقيق ذلك).
عبر صفحات الكتاب وفصوله، يعبر عبد الملك، عن حرصه الشديد على تنوع فعاليات المعاهد والمراكز البحثية الموجودة في الجامعة حاليا.
ورغم أن هذه المراكز تشرف عليها إدارات علمية متخصصة، إلا أن العدد العامل فيها ليس على المستوى المطلوب فالعدد قليل والأبحاث المنشورة معدودة أيضا.
وقد يتساءل المرء لماذا؟ هل أن الامكانات المخصصة المرصودة سنويا لإجراء الأبحاث العلمية أو دعمها غير كافية؟ وهذا صحيح للوهلة الأولى، وبالمقارنة بين الميزانيات المخصصة للزيارات الداخلية والخارجية والضيافات تبدو الميزانيات المرصودة للأبحاث العلمية فقيرة، وهنا يذكرنا عبد الملك أن التقدم العلمي والتقني بخاصة والحضارى بعامة يبدأ بالأبحاث ثم يرتقي إلى مراحل التنفيذ والتطبيق العملي.
إذا أردت العودة بالتاريخ لسنوات مضت، فستجد أن عبد الملك يؤكد أن كثيرا من إنجازات حاضر جامعة الخرطوم، هي امتداد لإنجازات في الماضي كان وراءها كثيرون. لكنه بتواضع الراسخين في العلم يعترف بأنه (لا يريد أن يشغل القارئ بسرد طويل لماض لم أكن حاضرا فيه، ومن ثم لست مؤهلا للحديث عنه). ورغم أن تواضع عبد الملك يختلط هنا بحسمه، إلا أنه سرعان ما يستدرك (ويبقى مهما أن يقوم بهذا العمل التوثيقي المكمل آخرون عاصروا ماضي الجامعة وملمون بتفاصيله أفضل مني أو هم مؤرخون قادرون على استجلائه). 
غير أن كل ما قدمه عبد الملك هو دليل بالإيجاب وليس دليلا بالنفي. هو دليل يدفعنا إلى تحريض عبد الملك وحثه إلى خوض تجربة الكتاب عن تجارب جامعة الخرطوم، ذلك أن الاهتمام بالوثائق وقـراءتـها بـأمانة ودقة، مثلما فعل عبد الملك في هذا الكتاب، ينم عن التجرد  في مراجعة الماضي، وتجديد التراث والاعتدال، ويساهم في تأمل المستقبل والتعامل معه بشجاعة وحكمة.
ولسنا في مقام التنبيه إلى أن الجامعات العريقة والدول التي تمتلك أرشيفات تسعى جاهدة الى اقتناء الوثائق ولو بمبالغ باهظة لوضعها تحت تصرف الباحثين لاستنتاج دروس وعبر تساهم في فك لغز الحياة.
لكل هذا تشعر وأنت تقرأ كتاب جامعة الخرطوم الحاضر والمستقبل لمؤلفه عبد الملك محمد عبد الرحمن، بأنك أمام مؤلف كبير متمكن من مادته يعرضها بأقل مجهود بشكل يقصد به إمتاع القارئ وجذب انتباهه حتى أخر سطر من سطور الكلمات، دون عناء أو مجهود من قبل المؤلف، فالكتاب وأسلوبه ينتميان لتلك الفئة من الكتابة التي يطلق عليها أحيانا مسمى (السهل الممتنع) فهي في غاية السهولة والعمق في آن واحد.
أقول قولي هذا وقد أجمع الناس على المكانة الطيبة التي تحظى بها جامعة الخرطوم في نواحي حياتنا كافة، حتى هوجة الغناء المعاصر تؤكد على هذه المكانة حسب الشاعر الذي عبر عن صدمته قائلا:
قلبي اتخطف مني ولي حسه انا مصدوم
جيبوهو لي ياناس من جامعة الخرطوم