عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
رغم أن السيرة الذاتية من أكثر الأجناس الأدبية مراوغة، إلا أن الدكتور منصور خالد في كتايه الجديد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، نجح في إعداد (نص متين ذي منظومة معرفية) يقترح إقامة علاقات مع القارئ، ليست بصيغة التصديق أو (إني الموقع أدناه) كما في السيرة الذاتية التقليدية، بل هي (اقتراح) قابل لملامسة فضول القارئ وإثارة شهيته، بهذا تخلق شذرات منصور خالد وهوامشها (أثرا) في القارئ.
ينتمي كتاب منصور خالد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، بأجزائه الأربعة الضخمة لأدب السير الذاتية، وهو جنس يتداخل مع الفن الروائي، حيث قدم للمتلقي تفاصيل من حياته بضمير المتكلم (أنا) تأكيدا على هيمنة شخصيته على بنية هذا العمل الأدبي، وبذلك صار السارد متكلما ومنتجا للقول في العموم، وهنا التفاصيل:
كتاب الشذرات
في كتابه (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية) بأجزائه الأربعة، يتحدث منصور خالد عن أكثر من 60 عاماً هي رحلة عمره في دهاليز الحياة السودانية وكواليسها السياسية.
ويتميز الكتاب - الشهادة على التاريخ - بأنه يعرض رواية للأحداث التاريخية التي رسمت معالم دولة كانت، وما تزال، في عين العاصفة العرب ـ أفريقية، من زاوية شخصية خاصة ما كان لغير منصور خالد أن يقدمها ببعديها الإنساني والسياسي معا.
كتاب (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، يمثل سردا ليس مألوفا في الأدب السياسي السوداني والعربي لحياة شاغل مناصب دستورية مؤثرة في بلد ظل (محلك سر).
ورغم أن الكتاب لا يمثل عرضا أكاديميا أو توثيقيا لحقبة تاريخية في حياة رجل ودولة، إلا أنه يضيء جوانب لم نكن نعرفها عن شخصية الرجل وكيفية تفاعله مع الأحداث والقوى الإقليمية والدولية التي عصفت بالسودان والمنطقة منذ أواخر الخسمينيات حتى مطلع العشرية الثانية من الألفية الثالثة، مع شرح غير مسبوق للظروف التي قادت إلى أن يبقى السودان في صورته الحالية.
وخلافا للكتب السياسية السودانية، يكشف كتاب (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، جوانب شخصية لم تكن معروفة عن قيادات وطنية وعربية وأفريقية تعاملت مع السودان وتفاعلت مع قضاياه بحكم دورها فيه، وكذلك عن دور القيادات الغربية، وبخاصة دور الولايات المتحدة والرؤساء الأمريكيين في صوغ التاريخ السياسي في المنطقة خلال الربع الاخير من القرن الماضي. ولا يتردد منصور خالد في سرد انطباعاته الشخصية عن الزعامات السياسية السودانية والعربية والأفريقية والغربية التي التقاها وتعامل معها خلال تلك المرحلة.
كتابة التاريخ
في كتابه (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، لا يتحدث منصور خالد عن كتابة التاريخ، فتلك مهمة لها منهجيتها العلمية وشموليتها وتعدد مصادرها ومقارناتها. لكنه تناول الأحداث التاريخية من خلال السيرة الذاتية وفتح نافذة مهمة للاطلاع عليها ومعرفة حقائقها ومنهجها، بخاصة في ظل غياب التوثيق والدراسات العلمية والموضوعية لهذا التاريخ.
من هنا تأتي أهمية قراءة (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، التي تضاف إلى مذكرات عدد ممن عاشوا تلك المراحل، بل رافقوا منصور خالد في رحلة العمر أو بعضها. وهي أهمية خاصة لما تضمنته الشذرات من تفاصيل مباشرة لقضايا وأحداث كانت عناوين رئيسية في أوقاتها، وأثّرت بشكل مباشر في مجريات الأحداث وتطورات الحياة السياسية والعامة في السودان والمنطقة.
الأهمية الأخرى لهذه الشذرات، في سياق تقييم الأداء للعديد من صناع تلك المرحلة، تكمن في ما تطرحه من تحليلات ما زالت تتخذ المواقف نفسها التي اتخذتها في تلك المرحلة، بما فيها من خلافات وتخندق في المواقع الفكرية والسياسية، رغم نضج التجربة والوعي بها، وهي مواقف لا بد من فهمها في سياقها التاريخي ومراحلها، كما لا بد من تقدير الصراحة والشجاعة لكاتبها الذي ما زال متمسكاً بها، وإن اختلف المرء معها أو مع بعضها.
رغم اختلاف الزمان والمكان فإننا يمكن أن نلمس في (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، وحدة موضوعية، فالأفكار التي اشتملت عليها مترابطة، والموضوعات التي اشتملت عليها تكاد تكون واحدة، وذلك برغم أنها لم تسجل بصورة منتظمة أو دورية، بل إن منصور خالد كان يخلو إليها كلما وجد الفرصة سانحة، وكما يقول منصور خالد (عندما عزمت على كتابة سيرة ذاتية ترددت، إن لم أقل تعثر قلمي عند الكتابة وما كان ذلك إلا لخبرتي بأن أكثر القراء في السودان يقرأون ما يحسبونه معان كامنة أو ظلالاً خفية بين السطور قبل قراءة السطور).
العقول الخَدِرة
ظل منصور خالد منذ عهد الطلب يكتب حول القضايا العامة وينعت أغلب ما يكتب للناس بالحوار لظنه أن الحوار يهز الثوابت المستقرة ويوقظ العقول الخَدِرة .
وكان على رأس العوامل التي دفعت منصور خالد إلى تضمين سيرته الذاتية جوانب تتعلق بالسياسة أمران: الأول: رسالة نصح لمجايلي منصور خالد من أهل السياسة، والثاني: هو مخاطبة الجيل الجديد.
و في الحالة الأولى ورغب منصور خالد على حث مجايليه على نقد الذات نقداً عميقا لا اعتذارياً يحمل طابع ما يسميه الفرنجة apologia فـ (التعمق في النقد الذاتي لما صنعنا بالوطن ضروري، لأن مآسي الحاضر ما هي إلا نتيجة لتراكم أخطاء الماضي) .
أما الذي رغب أن يقوله منصور خالد للجيل البازغ من البنين والبنات، وبزوغ الصبي هو صيرورته جريئاً على الكلام. رغب أن يقول (من حق هذا الجيل التعرف على الأسباب التي قادت خلال نصف قرن بعد الاستقلال إلى تهور البناء الوطني، وأي هور أكثر من تمزق الوطن).
وهذا الجيل أثار اهتمام منصور خالد عندما التقى به عبر الاسافير (لقاءً يبعث على الثقة والاعجاب). ومن بواعث الإعجاب اكتشاف منصور خالد (أنه جيل يرفض الأحكام المسبقة على الأفراد والجماعات التي لا تستند على دليل أو تقف على ساق، كما لا يرتهن أحكامه على ما ظللنا نردده عليه من شعارات).
آثارهذا الجيل اعجاب منصور خالد لـ (اندهاشه المبرر من تمنع قادته أنفا عن الاعتراف بأخطائهم، علماً بأن كل أخطاء البشر لا تنجم إلا عن العجز عن مواجهة النفس بالحقائق) .
شهوة الإصلاح
على مدى أكثر من 1700 صفحة تمثل حجم كتاب (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، لا يمل منصور خالد من أن يحدثنا عن (أزمات السودان التي ما فتئت تتزايد لنقول إن عجزنا عن معالجة هذه الأزمات يعود، دون مراء ، إلى شهوة إصلاح الكون التي سيطرت على عقول قياداتنا بدلا من التفرغ لإصلاح السودان).
ويرى منصور خالد أن (من هذه القيادات من جعل همه الأول هو توحيد العرب من المحيط إلى الخليج أو توحيد أهل القبلة من غانا إلى فرغانه قبل توحيد أهل السودان، كما أن منهم من نذر نفسه لمحاربة الاستعمار الجديد حتى يدفن. كل هذا دون وعي بأن إصلاح الكون لا يتحقق إلا بإصلاح الجزء من الكون الذي نعيش فيه. ما هي مشاكل هذا الجزء من الكون التي تستلزم منا الاهتمام).
ويطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب التي جعلت من السودان وطنا مُستهاضا وكتابا مدرسيا نموذجيا للفشل for failure textbook model في رقعة من الأرض توفرت فيها من الموارد الطبيعية والبشرية ما لم يتوفر لغيرها، وتاريخ حضاري ممتد يعتـــرف، بل يحتفي به العالم، ووضع استراتيجي مميز في قلب القارة الأفريقية وبمقربة من العالم العربي في المشرق والمغرب؟
ورغم قسوة الحكم الذي أصدره منصور خالد على (جيل آباء الاستقلال، ثم جيلنا الراهن بالفشل)، يدعم حكمه بالقول (أننا لم نتوصل إلى ذلك الحكم إلا عبر أسانيد مستمدة من حقائق تاريخية ووقائع معاصرة تروى متى وقع الفشل، وممن، وكيف). ويضيف (كما أن الرغبة في، بل الحرص على، تفادي الجدل الفارغ الذي كاد أن يصبح سمة ملازمة للحوار السياسي في السودان دفعانا إلى ضبط معاني المصطلحات).
البلاء الأعظم
يعدد منصور أسباب البلاء، ولكنه يرى إن كانت هناك بلوى أعظم، فهي النواقص الذاتية ومنها: نكوص جيل الآباء وجيلنا الذي لحق به عن الاعتراف بكل الأخطاء التي أرتكب وارتكبنا وقادت السودان إلى تهلكة، رغم أن الاعتراف بالخطأ هو أول الطريق لمعالجته .
وتبدأ قائمة أسباب البلاء عند منصور خالد بتناسل أجيال من المعلقين والمؤرخين الهواة المفتونين بالماضي الذي يسمونه (الزمن الجميل).
وتضم القائمة (الغيرة الجيلية) وتلك عاهة ليست بجديدة، فأول من فطن لها في نهايات الحرب العالمية الثانية مؤرخنا العظيم مكي شبيكة وعبر عن ذلك في وثيقة وزعها علي أعضاء المؤتمر بوصفه سكرتيرا لمؤتمر الخريجين. قال عالمنا المؤرخ (أرى اليوم بينكم تباغضاً شخصياً وتحاسداً لا أدرى له سبباً مما يمنعكم من التوجه إلى أداء واجباتكم وما واجباتكم إلا التعاضد من أجل الوطن).
وتضم القائمة أيضا، فقدان التسامح الذي لا يميط اللثام عن الجهل بماهية الديمقراطية فحسب، بل يكشف أيضا عن جهل مريع بمقوماتها حتى من جانب أكثر الناس تردادا لهذه الكلمة الطنانة.
وتأتي كراهية الآخر في السودان، خاصة بين نخبه لم تقف فقط عند الانفعالات العاطفية العابرة، بل صارت سلوكا. وهناك شيوع البغض الشخصي للآخر وتلك الِخلة، وهي ظاهرة مرضية وعاهة خلقية.
ورغم أن التفاخر بالوطنية أمر مشروع، إلا أن من التفاخر ما يشين السوداني أكثر مما يزينه وللصحافة دور كبير في تعميق هذا الاستفخار والتباهي الكاذب.
ومن بين أسباب البلاء يأتي الإخلال بقواعد الحكم السليم من السياسيين ومن المتطلعين من المهنيين، إضافة إلى أن اختلال معايير التوظيف أتاح لمبخوسي الحظوظ من غير القادرين مكانة لا يستحقونها.
خاتمة الشذرات
يحق لمنصور خالد أن يقول مثل جان جاك روسو عندما كتب مذكراته (أنا أفعل شيئأ لم يفعله شخص قبلي ولن يقدر شخص بعدي على تقليده).
ويستمد هذا الحق مشروعيته من يقرأ (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) بأجزائه الأربعة يستوقفه سؤال يبدو واضحا في جميع صفحات الشذرات، وفحواه ما هي أهم الأفكار التي تلح على منصور خالد في مذكراته؟
أما الإجابة فتقول: إعلاء شأن الإرادة، وجعلها أساسا لجميع الفضائل، وهذا ناتج عن تصور منصور خالد أن العالم معركة كبيرة والسلاح هو الإرادة.
مقام عرفاني
ذات أمسية خرطومية صيفية ندية هبت فيها نسمات منعشة قصدت منصور خالد في مكتبه الأنيق الصغير داخل بيته العامر، وكان منشرحا حين حدثني عن صدور الشذرات ونسختها الأولى ملقاة على المائدة، سألته هل أنت صوفي؟
أجابني (نعم صوفي، لا أعرف ماذا يحدث غدا، أكتب لكن لا أتوقع، أسأل الله أن أعيش لأكمل ما أكتبه، لكن لا افتكر أني أستطيع أن أكمل كل حاجة).
وخرجت من عند منصور حالد أردد في سري مع الشيخ علي ود حليب في قصيدته المسماة التمساح التي أداها حاج الماحي خرجت من عنده اردد:
شئ لله يا اب جلابيه يا عثمان شيخ الختميه
يا الصلاح جمله الاولياء التمساح شوفولو اذيه

//////////////////