عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رغم أن السيرة الذاتية من أكثر الأجناس الأدبية مراوغة، إلا أن الدكتور منصور خالد في كتايه الجديد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، نجح في إعداد (نص متين ذي منظومة معرفية) يقترح إقامة علاقات مع القارئ، ليست بصيغة التصديق أو (إني الموقع أدناه) كما في السيرة الذاتية التقليدية، بل هي (اقتراح) قابل لملامسة فضول القارئ وإثارة شهيته، بهذا تخلق شذرات منصور خالد وهوامشها (أثرا) في القارئ.
ينتمي كتاب منصور خالد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، بأجزائه الأربعة الضخمة لأدب السير الذاتية، وهو جنس يتداخل مع الفن الروائي، حيث قدم للمتلقي تفاصيل من حياته بضمير المتكلم (أنا) تأكيدا على هيمنة شخصيته على بنية هذا العمل الأدبي، وبذلك صار السارد متكلما ومنتجا للقول في العموم، وهنا التفاصيل:
موضوعية متطرفة
ربما كانت عقلانية منصور خالد هي الغالبة عندما كتب الجزء الثالث من (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية ـ كيف قاد صراع الأخوة الاعداء إلى تمزيق الوطن).
ولعل هذه العقلانية هي الدافع إلى عدم استخدام منصور خالد للمونولوج الداخلي، فهو يتمسك بموضوعية متطرفة إلى حد بعيد، فهو يروي وقائع السيرة من وجهة نظر راو محايد وكثيرا ما يدلي في ثنايا الوقائع بتعليقاته وتأملاته حول الموضوع الذي يرويه والأحداث التي يسردها. صحيح أن الكلمات والعبارات التي يستخدمها تتفق مع مضمونها، فينسجم الشكل والمضمون. وهذا الانسجام يشبه ما يعرف فى تراثنا القصصي العربي الإسلامي بالشكل الخبري الذي يراه القارئ فى كتاب الأغاني لأبو فرج الأصفهاني، وغيره من كتب التراث.
ويستنتج القارئ من ذلك أن منصور خالد اختار أن ينزاح عن شكل السرد السير ذاتي النمطي الذي لا يختلف في شيء عن السرد الروائي كما عرفه الأدب الأوروبي بالاقتراب من التراث فى صيغه ونماذجه السردية الأكثر تداولا منذ القدم، فإذا النص يؤكد خلافيته على الاتباع، ولكنه لأول مرة تاريخيا يوظف الخبر توظيفيا سير ذاتيا. وللتدليل على الاستنتاج السابق تضمن الجزء الثالث من (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية ـ كيف قاد صراع الأخوة الاعداء إلى تمزيق الوطن)، كشكولا من الموضوعات المتنوعة في تفاصيلها من جهة والمرتبطة ارتباطا عضويا بموضوع الكتاب المثمثل في (التحليل الموضوعي لتجارب السودان منذ الاستقلال وحتى اتفاقية السلام الشامل).
ويحتوى كشكول هذه الموضوعات جهود منصور خالد نيابة عن السودان في أهم القضايا الدولية مثل إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي ومووضع البيئة والتنمية، لكن هذه الجهود الدولية بدلا من دعمها قامت حكومة السودان بتعويقها.
مؤمرات الداخل
تعيد محتويات الجزء الثالث إلى الأذهان تفاصيل رحلة منصور خالد في دهاليز النظام المايوي من جهة تعويق الإسهام الدولي في إعادة الاقتصاد الداخلي.
يطلق منصور خالد على هذه المعوقات عبارة (المؤامرات الداخلية)، لأنه في غضون الحوار الذي كان يدور بين دول العالم الثالث حول إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي، طرح في قمة دول عدم الانحياز في الجزائر موضوع إعادة تشكيل المؤسسات الدولية الفاعلة، وفي إطار البحث عن الوسائل المناسبة لتحقيق إعادة التشكيل هذه، دعت دول العالم الثالث لإنشاء وظيفة نائب للأمين العام للأمم المتحدة، يكون شاغلها من دول العالم الثالث، ويحظى بصلاحيات واسعة لتحقيق الأهداف التي حددتها القمة. تلك الصلاحيات كانت واسعة للحد الذي أخذت فيه بعض الصحف تسمية شاغل الوظيفة (قوميسار التنمية). وفي مؤتمر القمة الأفريقية بمونروفيا، ثم في موريشس قررت المجموعة الأفريقية ترشيح الدكتور منصور خالد وزير خارجية السودان لهذا المنصب. وكان اول من بادر بالترشيح وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقية ووزير خارجية ليبيريا سيسيل دينيس، وكان نميري سعيدا بذلك القرار لما فيه من تقدير لبلاده.
وفي اللحظة التي كان متوقعا فيها اختيار الأمين العام للأمم المتحدة لمرشح العالم الثالث، اقصي منصور خالد من منصب وزير خارجية السودان إلى موقع أخر.
إلغاء الترشيح
في الأحوال العادية لا يؤثر انتقال منصور خالد من وزارة الخارجية إلى وزارة التربية، على ترشيحه لمنصب نائب الأمين العام للأمم المتحدة، لكن الطقس السياسي الداخلي أثر على ذلك بصورة جعلت السودان ـ حسب منصور خالد ـ يهزم مرشحه للمنصب الدولي المرموق.
وأصل الحكاية أن المرحوم الرشيد الطاهر بكر، وهو من ساسة السودان الأفذاذ، حين تولى رئاسة مجلس الوزراء مع حقيبة وزارة الخارجية، خلفا لمنصور خالد، (أبلغ الأمين الأمين العام للأمم المتحدة أن منصور خالد لم يعد مرشح السودان للمنصب).
ولسنا في مقام التعليق على هذا التصرف، لكن منصور خالد يرى أن الأمر (انتقاما من رجل لا يبتغون إلا بخسه أشياءه). ويزيد (إن الرشيد الطاهر لم يتوقف عند سحب الترشيح، بل وجه بنقل جميع الدبلوماسيين الفاعلين في دوائر الأمم المتحدة والمكلفين بمتابعة الترشيح وهم: نائب السفير فاروق عبد الرحمن الذي استدعي للخرطوم، والسفير عبد الله محجوب سيد أحمد الذي أمر بالعودة إلى مقر عمله في جنيف، وحسن أبشر الطيب الذي وجه بالعودة إلى واشنطن حيث كان يعمل كمستشار ثقافي للسودان).
مرة ثانية، لسنا في مقام التعليق على هذا التصرف، لكن منصور خالد يقول (أشد إيلاما للنفس هو أنه في الوقت الذي سعت فيه حكومتي لتخذيلي اتصل بي مندوب ليبيا علي التريكي لينبئني باتصاله بالسكرتير العام ليبلغه تأييد بلاده لترشيحي). وكذلك فعل مندوب مصر الدكتور عصمت عبد المجيد الذي كان كلما التقى الرجل الثاني في بعثة السودان فاروق عبد الرحمن قال له (أبلغ منصور بأنا وراءه).
الوجه الآخر
السيرة الذاتية من المجالات التي تصعب على المؤلفين الكتابة فيها نظرا، لأنها تمثل حياتهم بشكل ما وتستعرض ما فعلوا من مواقف إيجابية أو سلبية في بعض الصفحات، ويصعب على القراء دوما تحملها، لأنها إما تكون غاية في الوضوح فتبرز لهم جوانب خفية من شخصيات من يقرأون لهم أو تكون غاية في الاستخفاف بعقول قارئيها.
عند إبراز الوجه الآخر في قرار المجموعة الأفريقية ترشيح الدكتور منصور خالد وزير خارجية السودان لمنصب نائب الأمبن العام للأمم المتحدة. وكان اول من بادر بالترشيح وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقية ووزير خارجية ليبيريا سيسيل دينيس، ونلاحظ من ملابسات الترشيح أن حكومة السودان كانت خارج الصورة تماما، والوظيفة أصلا تتطلب ترشيح الدولة، لذلك كان رد الحكومة السودانية على لسان الرشيد الطاهر وزير الخارجية الذي خلف منصور خالد في هذه المنصب أن (السودان ليس له مرشح لهذه الوظيفة).
وحسب رواية منصور خالد تفاعل الأمر في الخرطوم، بتدخل أبو القاسم محمد إبراهيم النائب الأول لرئيس الجمهورية، وتدخل أبو القاسم حسب منصور كان بدون إيعاز منه، حين اتصل بالرئيس نميري ليبلغه بـ (المناورات التي كانت تدور في نيويورك). وكان رد الرئيس نميري (هذا الموضوع تعالجه وزارة الخارجية). أما اتصال ابو القاسم مع الرشيد فقد اسفر عن رد فحواه (إن الأمين العام قد اختار الرجل الذي يريد ويخشى أن تدخلت الخارجية السودانية، أن يغضب ذلك المرشح الجديد، مما سيكون له أثر ضار على مصالح السودان).
ورغم أن سؤال هل هزم السودان مرشحه لمنصب نائب الأمين العام؟، سيظل مشروعا، إلا أن كل الملابسات التي أحيطت بالمسأله قد لا تكفي لكي يقول منصور خالد (صديقي الرشيد الطاهر ـ إن نحينا الطهر جانبا ـ لم يكن له من الرشد نصيب عند إقدامه على ما أقدم عليه).
البيئة والتنمية
ترسم شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية، جهود صاحبها على الصعيد الدولي في مرحلة غنية بالتحولات سعي صاحبها لتحقيق ذاته وبلورة وجوده الفاعل. فقد ساهم منصور خالد مع آخرين في تسويق قرار مشروع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بـإنشاء لجنة دولية للبئية والتنمية، تصدرت قائمة أهدافها تقوية التعاون الدولي في مجالي البيئة والتنمية، وابتداع طرائق جديدة لذلك التعاون تختلف عن الطرائق التقليدية، والاصطلاح على تعبير واف ودال على مفهوم التنمية المستدامة).
عندما أحيل الأمر للجمعية الأمم المتحدة في دورتها رقم 38 في 1983، أقرت تشكيل لجنة دولية للبيئة، برئاسة السيدة قرو هارلم برنتلاند رئيسة وزراء النرويج ممثلة لدول الشمال، واختير منصور خالد نائبا لها ممثلا لدول الجنوب، ويهمنا في هذا الترشيح الذي كان حقا مكفولا للأمين العام للأمم المتحدة، أن مكتب الأمين العام حين اتصل هاتفيا بمندوب السودان في الأمم المتحدة السفير عبد الرحمن عبد الله للحصول على موافقة الحكومة السودانية، رد السفير عبد الله شفاهة (ليس هناك ما يسعدنا أكثر من هذا الاختيار). وكانت تلك الكلمات كافية لكي يصدر الأمين العام للأمم المتحدة قراره.
وتوالت الأحداث باتصال مندوب السودان بوزير الخارجية محمد ميرغني في الخرطوم لإبلاغه بما فعل، فأيد الوزير تصرفه. وهكذا صدر قرار الأمين العام للأمم المتحدة بتعين منصور خالد نائبا لرئيس اللجنة الدولية للبئية والتنمية. وإثر انتشار القرار اتصل الرئيس نميري بوزير الخارجية سائلا: هل أنتم على علم بهذا القرار؟ رد الوزير: هذا قرار من الأمين العام أجراه بعد مشاورات وعندما ابلغنا به أيدناه. وقال نميري لوزيره: الحقيقة أنا بسأل لأعرف لو كانت الوظيفة دي تليق بوزير خارجيتنا السابق.
وعلى الصعيد السياسي أصدر بدر الدين سليمان بوصفه الأمين العام للأتحاد الاشتراكي السوداني بيانا يهنئ فيه بالتعيين ويقول فيه (إن في اختيار منصور خالد للمنصب تقدير للدبلوماسية السودانية). وصدق منصور خالد حين وصف بدر الدين سليمان (من بين كل الذين عملوا إلى جانب نميري، كان من أحكمهم أمرا وأفاهم ذمة).
نواصل