عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رغم أن السيرة الذاتية من أكثر الأجناس الأدبية مراوغة، إلا أن الدكتور منصور خالد في كتايه الجديد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، نجح في إعداد (نص متين ذي منظومة معرفية) يقترح إقامة علاقات مع القارئ، ليست بصيغة التصديق أو (إني الموقع أدناه) كما في السيرة الذاتية التقليدية، بل هي (اقتراح) قابل لملامسة فضول القارئ وإثارة شهيته، بهذا تخلق شذرات منصور خالد وهوامشها (أثرا) في القارئ.
ينتمي كتاب منصور خالد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، بأجزائه الأربعة الضخمة لأدب السير الذاتية، وهو جنس يتداخل مع الفن الروائي، حيث قدم للمتلقي تفاصيل من حياته بضمير المتكلم (أنا) تأكيدا على هيمنة شخصيته على بنية هذا العمل الأدبي، وبذلك صار السارد متكلما ومنتجا للقول في العموم، وهنا التفاصيل:

انقلاب عبود
الرواية المتماسكة التي قدمها منصور خالد عن ملابسات انقلاب الفريق إبراهيم عبود تذكر القارئ بالحكاية المشهورة عن السير والتر رالي الذي كان مسجونا في انجلترا، فقرر أن يعكف على كتابة تاريخ العالم منذ القرون الأولى إلى عصره، وبينما هو في البرج الذي كان مسجونا فيه سمع ضوضاء، فنزل ووجد عراكا بين بعض المسجونين، وأحدهم قتل زميله، فسأل بفضول عادي كل واحد من الحاضرين، فلاحظ أن كل واحد يروي له رواية مختلفة، وهذا شيء طبيعي، فأحدهم كان بجوار القتيل والثاني بجوار القاتل، وثالث كان بعيدا وسمع الحكاية إلى أخره، فلما وجد اختلاف الناس في رواية واقعة حدثت منذ خمس دقائق، صعد إلى زنزانته ومزق الكتاب الذي كان يؤلفه، وقال كيف سأكتب كتابا عن تاريخ العالم الذي حدث منذ مئات السنين.
وسرد هذه الحكاية هنا لا يعني البدء في تمزيق الأوراق، بقدر ما هي دعوة لفتح المزيد من الأوراق حول ملابسات انقلاب عبود. ومن بين هذه الأوراق المهمة كتاب اليعازر بعيري وهو يهودي ولد في ألمانيا ودرس في برلين وهاجر إلى فلسطين في 1937 والتحق بالجيش الإسرائيلي وشارك في حرب 1948، ثم انضم إلى حزب المابام وكان مسؤولا عن الشئون العربية فيه.

المسلك الطبيعي
نشر اليعازر بعيري كتابه (ضباط الجيش والسياسة في المجتمع العربي)، باللغة العبرية في 1967، وترجم ونشر باللغة الإنجليزية في 1970، ثم ترجمه بدر الرفاعي ونشرته سينا للنشر باللغة العربية في 1990.
وصف بعيري انقلاب عبود بـ (نظرية المسلك الطبيعي)، إذ لاحظ أن بيان قائد الجيش السوداني الفريق إبراهيم عبود الذي أذاعة صباح 17 نوفمبر 1958، (تعبير عن فلسفة سياسية عامة).
وبعد أن يرسم البيان صورة قاتمة للأزمة التي مرت بها البلاد يقول (نتيجة لذلك ومن المسلك الطبيعي أن ينهض جيش البلاد ورجال الأمن لإيقاف هذه الفوضى ووضع حد نهائي لها). إذن تحدد الانقلاب بوصفه المسلك الطبيعي. ويخلص بعيري إلى أن بيان قائد الجيش السوداني يعبر عن وجهة نظر واسعة الانتشار ترى أن الاتقلاب، وإقامة دكتاتورية عسكرية ينبغي النظر إليه باعتباره المسار الطبيعي في التطور السياسي للدول العربية في العصر الحديث.
وعلى أي حال سيدي منصور خالد كان هذا رأي الكثيرين في السودان، وفي غيرها من البلاد العربية، وكذلك عدد من المراقبين الأجانب للواقع السياسي العربي. وكانت هناك بالفعل أنظمة للحكم يراسها ضباط الجيش في مصر وسورية والعراق، وهي البلاد الرائدة في الشرق الأوسط، وحتى في لبنان كانت الحرب قد انتهت وانتخب رئيس الأركان شهاب كرئيس للجمهورية.

صورة مقلوبة
رغم منصور خالد قدم رواية متماسكة لتبرير الظروف التي قادت عبد الله خليل إلى تسليم السلطة إلى الجيش، إلا أن ما قام به الفريق إبراهيم عبود من استيلاء على السلطة لم يكن انقلابا عسكريا، بقدر ما كانت عملية تسليم وتسلم بين ضباط 17 نوفمبر 1958 ورئيس الوزراء عبد الله خليل الذي أجبره الوضع السياسي على تلك الخطوة. ولعل مرد ذلك أن انتخابات 1958 قد انتجت صورة مقلوبة، فقد شهدت تحالفات مختلفة، فقد خاضها الحزب الوطني الاتحادي متحالفا مع قوى اليسار في الغالب، فيما تحالف حزب الأمة مع حزب الشعب الديمقراطي فنالت تلك الأحزاب: 62 مقعدا لحزب الأمة، 40 مقعدا للحزب الوطني الاتحادي، و26 مقعدا لحزب الشعب الديمقراطي. وشكلت إثر تلك الانتخابات حكومة ائتلاف بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي مرة أخرى. لكن واجهت تلك الحكومة العديد من المشاكل وفأقمها عدم الانسجام بين طرفي الائتلاف وعدم المقدرة على تسيير دفة الحكم في ظل ائتلاف هش وعاجز. وبدأ التململ الشعبي باديا في المظاهرات وفي التذمر من الجميع بما في ذلك الحزبين الحاكمين.
وحسب الموقع الإلكتروني لحزب الأمة فقد تبنى رئيس الحزب حينها السيد الصديق المهدي رأيا مفاده أن الائتلاف الذي يناسب الحزب هو التحالف مع الحزب الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري. لكن السكرتير العام عبد الله خليل والذي كان حينها رئيسا للوزراء معارضا هذا الرأي.

الدور المصري
رغم أن منصور خالد أسهب في تبيان خطر الدور المصري وفق تقرير السفير السوداني في القاهرة، إلا أن حكومة عبد الله خليل واجهت خلافات مع مصر بسبب مشكلة الحدود في حلايب، حيث انهكت هذه الخلافات حكومة عبد الله خليل، وكادت أن تصل إلى مرحلة الاصطدام بين السودان ومصر من شكوى لمجلس الأمن إلى تحريك قوات سودانية إلى حلايب. وظلت مشكلة حلايب ظلت تراوح مكانها وتلقي بظلال سالبة على المشهد السياسي الداخلي.
وحسب موقع حزب الأمة الإلكتروني، فقد حدث أثناء مناقشة أزمة البلاد وموقف الحزب، أن عرض عبد الله خليل السكرتير العام على أجهزة الحزب القيادية اقتراح تسليم السلطة لقيادة القوات المسلحة لتنقذ البلاد مما هي فيه من قلاقل، ولحماية سيادة البلاد ومنع أي اتجاه اتحادي محتمل مع مصر ورفضت أجهزة الحزب الاقتراح. ولكن رئيس الوزراء قدر أن المخاوف التي يراها ماثلة لا تحتمل التأخير، فاتصل باللواء إبراهيم عبود في قيادة القوات المسلحة وعرض عليه الأمر ثم سلم له السلطة في 17 نوفمبر 1958، على وعد بإعادة الحكم للمدنيين بعد إعادة الاستقرار للبلاد.

أسرار كثيرة
واقع الأمر أن هناك أسرار كثيرة جدا وراء انقلاب عبود لم يكشف النقاب عنها بعد، لكن شهادة مثيرة جدا قدمها اللواء الركن محمود عبد الرحمن الفكي في كتابه (القوات المسلحة في تاريخ السودان الحديث 1935 ـــ 1975) الصادر عن المطبعة العسكرية. وأهمية هذا الكتاب أن يقدم رصدا دقيقا لتاريخ القوات المسلحة السودانية خلال فترته ويحتوي على معلومات طازجة من شهود عيان دونت بالكتابة العسكرية التي تسرد الوقائع مباشرة ومحايدة، إضافة إلى أن هذا الكتاب يكمل جهدا لتاريخ الجيش السوداني بدأه والد المؤلف الأمير لاي عبد الرحمن الفكي بعنوان (قوات دفاع السودان).
جاء في الكتاب: كان البرلمان في عطلة وقد تقرر أن تبدأ دورة انعقاده العادية صباح الإثنين 17 نوفمبر1958، ولما شعر الأمير لاي (شرف) عبد الله خليل رئيس الوزراء ووزير الدفاع عن حزب الأمة الحاكم ان المعارضة بقيادة الحرزب الوطني الاتحادي بزعامة السيد إسماعيل الأزهري سوف تسقط الحكومة يوافقه كل من السيد عبد الرحمن المهدي والسيد الصديق عبد الرحمن المهدي، قرر نقل السلطة إلى القوات المسلحة وهذه النصيحة قدمها له الامبراطور هيلاسلاسي قبل شهرين من اليوم الذي حدد فيما بعد اتصل عبد الله خليل باللواء أحمد عبد الوهاب نائب القائد العام وعرض عليه فكرة استلام القوات المسلحة للسلطة وقد أبدى موافقته، ولكن طلب منه أن يعرض الأمر على الفريق إبراهيم عبود القائد العام للقوات المسلحة. ونقلا عن طريق السيد زين العابدين صالح وهو صديق شخصي للفريق إبراهيم عبود، ولكنه وعد بدراسة الموضوع. عرض الفريق إبراهيم عبود الفكرة على مستشاره القانوني الأمير لاي عبد الرحمن الفكي وهو أقرب العاملين إليه سنا في قيادة القوات المسلحة فوافق مع ذكر بعض التحفظات.

استشارة المواطنين
لم يكتف الفريق إبراهيم عبود بالنقاش مع زملائه العسكريين، بل استشار عددا من المواطنين منهم السيد أحمد خير المحامي أول وزير خارجية والسيد يوسف العجب عضو برلماني والسيد عبد الرحمن عبدون والسيد إبراهيم أحمد وغيرهم. وقضى عبود شهر أكتوبر كله في المشاورة والدراسة والتمحيص.
وفي أول نوفمبر 1958 دعا القائد العام كل قادة الوحدات والأسلحة لاجتماع عام بالقيادة العامة للقوات المسلحة ذكر فيه أنه بعد الاستقلال لم تكن جميع الأحزاب السياسية على قدر المسؤولية، حيث كان الصراع والشقاق طابع العمل الحزبي والسياسي، كما أُثر سلبا على السياسة السودانية داخليا وخارجيا وعلينا في وزارة الدفاع. ومع هذا لم تتوفر لنا الرغبة في التدخل واستلام السلطة. وبعد النقاش قرر الاجتماع عدم التدخل والاكتفاء بمراقبة الوضع فقط. وبعد مرور خمسة أيام بالتحديد في الاجتماع الأول أي في نفس الأسبوع دعا الأمير لاي عبد الله خليل وزير الدفاع القادة لاجتماع عام ذكر فيه بالحرف الواحد (إن أحزاب الحكومة وقياداتها تريد من القادة العسكريين التدخل واستلام السلطة). وبما أن الطلب لم يكن مستغربا عند البعض طلب القادة من السيد رئيس الوزراء أن يحدد لهم الأحزاب التي تدعو القوات المسلحة للتدخل واستلام السلطة، وما هو موقف أحزاب المعارضة؟

شراء النواب
أجاب عبد الله خليل على طلب القادة الأتي بالحرف الواحد (البرلمان ستفتح دورته العادية يوم 17 نوفمبر، وهناك مخطط يجري لشراء أصوات نواب من مختلف الأحزاب وعلى رأسهم نواب الوطني الاتحادي على وجه الخصوص، إضافة إلى نواب من حزب الأمة والجنوبيين وأن المخطط تم إعداده في دولة مجاورة بغرض إسقاط حكومة عبد الله خليل وإعلان حكومة جديدة تعلن في نفس اليوم من داخل البرلمان الدفاع المشترك والتمثيل الخارجي الموحد بين السودان وتلك الدولة المجاورة). وفي يوم 15 نوفمبر دعا السيد عبد الرحمن المهدي قادة القوات المسلحة إلى اجتماع وذكر بأنه فشل في حل المشاكل بالقنوات السياسية داخل الأحزاب المكونة للبرلمان، وأبلغهم موافقة السيد علي الميرغني وموافقته لاستلام القوات المسلحة للسلطة ولقد طلب منه القادة معرفة موافقة السيد إسماعيل الأزهري رئيس وزراء الحزب الوطني، وذكر أنهم سيتصلون به من أجل الموافقة. وعليه بدأ القادة للإعدادا لعملية استلام السلطة ولم يكن أمامهم أكثر من 48 ساعة، فأعلنت حالة الطوارئ وقسمت الواجبات وفي يوم 16 نوفمبر أخطر الفريق إبراهيم عبود القائد العام واللواء أحمد عبد الوهاب نائب القائد العام السيد الأمير لاي عبد الله خليل وزير الدفاع في مكتبه بالقيادة العامة بأن القوات المسلحة سوف تستولي على الحكم صباح غد الاثنين 17 نوفمبر 1958م وقد دعا لهما وللقوات المسلحة بالتوفيق).
انتهت شهادة اللواء ركن محمود عبد الرحمن الفكي ويهمنا هنا الإشارة إلى هامش ورد في صفحة 58 من كتابه تفيد (هذه أسرار 17 نوفمبر كما رواها لي الوالد الأمير لاي عبد الرحمن الفكي).
وإضافة إلى أن هذه الشهادة تخوض في التفاصيل الدقيقة لملابسات ما حدث في 17 نوفمبر، يتعين أن علينا أن نوضح أمرين:
الأول: إن اللواء عبد الرحمن صغيرون قد قد أيد هذه الشهادة في لقاء صحفي نشرته صحيفة الإنقاذ الوطني في الصفحة الرابعة من عددها الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 1991م.
الثاني: إن الامبراطور هيلاسلاسي قد حارب في شرق أفريقيا مع ضباط وجنود من قوة دفاع السودان كان من بينهم البكباشي عبد الله خليل واليوزباشي الحاج موسى واليوزباشي عبد الرازق خير السيد وغيرهم، ومن هنا نشأت العلاقة بين عبد الله خليل وهيلاسلاسي.
إن أهم ما يشي به هذا الاستطراد هو المساهمة في فتح آفاق البحث أمام باحثين شباب للمساهمة بدورهم في تحقيق إضافات نوعية في هذا المجال الخصب عن علاقة الجيش بالسياسة.

نواصل