قال السيد الزبير احمد حسن، الأمين العام للحركة الاسلامية، إن الدليل على هيمنة المشروع الإسلامي هو أن (الشيوعيين يحاكموننا بمقاييسنا الإسلامية وليس بمقاييسهم الشيوعية). جاء ذلك خلال مخاطبته ختام الملتقى الدعوي والتزكوي الثالث لأمانة القطاعات المهنية والطوعية بالحركة، داعياً قيادات الحركة الإسلامية السودانية للتفريق (بين الدعوة للاصلاح والتحسين وتجاوز الأخطاء، وبين اتباع من يحاولون هدم بنياننا ونقض غزلنا، لأنهم لا يريدون مشروعنا هذا كله من أساسه ومحاولة التغيير والتبديل فيه)، وحض قيادات الحركة الإسلامية على مزيد من الإيجابية والتفاعل والوجود بين الناس، وقيادة المبادرات الايجابية، والمشروعات الخدمية، في الأحياء والمجتمع. وقال (نحن دعاة، والدعوة تكمل برنامج الدولة في الإصلاح).
أولى الملاحظات على حديث سيادة أمين الحركة الإسلامية هي تباهيه بادعاء ما يعني أن المقاييس التي يستخدمها الشيوعيون في محاكمة أهل حركته هي نفس مقاييس هذه الحركة، لا المقاييس الماركسية! ولا ندري وجه الاعتراض، إذ بأي مقاييس يريد (شيخ الحركة) من الشيوعيين أن يحاكموه، إن لم يكن بمقياس(أحكموا عليهم بأعمالهم)، وإنْ مع فارق جوهري في ما يتصل بضبط الألفاظ والمصطلحات، حيث موضوع المحاكمة ممارسات الحركة (المتأسلمة)،لا (الاسلامية)، وشتان بين المصطلحين!
ولا نريد الدخول بالطبع في تفصيل الفرق بين المعنيين الواضحين،أو المغالطة حول ما إن كان منهج الجدل الماركسي يغيب عن وعي الشيوعيين في محاكمتهم لممارسات (الزبير وصحبه). كما أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه ليس الشيوعيون وحدهم من يحاكمون أهل (الحركة)و(توابعها) بمقياس (أعمالهم) الدقيق الذي يفرق بين مصطلحي (إسلامي)و(متأسلم).ومن ثم يتضح خطل أطروحة أهل (الإسلام السياسي)الذين يدعون الصلاح والورع، فيتوسلون (بالدين) لإنفاذ برنامجهم (السياسي الدنيوي)، في محاولة لدغدغة مشاعر المسلمين السودانيين، بينما الجميع، بما فيهم الإسلامويون أنفسهم، المنحازون للانقاذ وبرنامجها السياسي، يعلمون تمام العلم أن هذين الصلاح والورع المدعيين ليسا سوى صلاح مخاتل، وورع كذوب، وقد أكد الواقع والممارسة زيفهما ومخاصمتهما للصدق الديني، والحق المبين.
ويقارن الناس اليوم بين ما يدعيه هؤلاء القوم وبين موجهات وتعاليم القرآن الحكيم والسنة المحمدية، فهذا هو المقياس الأصح، والميزان الأدق،للتمييز ، من وجهة نظر الإسلام، بين الحق والباطل، وبين الزبد الذي يذهب جفاءً، وما ينفع الناس فيبقى في الأرض. وبالتالي ليس هناك من يستطيع أن يماري في أن(قوم الزبير)هؤلاء ما أتوا لممارسة السلطة إلا متحللين من كل النوازع ذات الصلة بالإسلام، وإلا فأي إسلام هذا الذي يبيح ما يمارسون بكل قوة عين وعدم حياء حتى أصبحت ممارساتهم قاسماً مشتركاً بين ما يتندر الناس بحكاياته العجيبة في مجالسهم، سواء بأركان المدن أو نواحي القرى، من قتل، وسلب، ونهب، وتعذيب،وكذب، ورشوة،وسرقة، واختلاس،وقطع للأرزاق، وصك للمصطلحات الملتبسة في تبرير الأفعال، وقلب للمعاني المشتبهة في تفسير الأقوال، كما في شأن حديث النبي الكريم (ص) حول موقفه المستقيم من فعل السرقة حتى لو ارتكبته ابنته الكريمة فاطمة! وعموماً خلط الباطل بالحق، والحق بالباطل، والأسود بالأبيض والأبيض بالأسود،ورمي الزوجات في متاهات الترمل، وترك الأمهات للويب والنحيب، وتسليم الرجال للعويل،والبنين لليتم، والحياة بأسرها للجفاف، والشقاء، والناس أجمعين للبؤس، والعوز ، والفاقة!
فهل يعتقد قوم الزبير أن شيئاً من تلك الممارسات، كبر أم صغر،يمت للإسلام بصلة، فيصرون، حتى آخر دقيقة من (ساعاتهم الخمس والعشرين)، أن لأفعالهم أدنى علاقة بالإسلام والمسلمين، اللهم إلا إن كان بعضهم يكابر، وبعضهم الآخر يناور،خاصة وقد قفز منهم من قفز من سفينتهم الموشكة على الغرق يبغون النجاة.
هذا في ما يخص (التباهي) بكونهم أجبروا خصومهم الفكريين للخضوع إلى مقاييسهم!
أما حديث السيد الزبير حول ضرورة تفريق قيادات الحركة بين الدعوة للإصلاح والتحسين وتجاوز الأخطاء، وبين اتباع من يحاولون هدم البنيان ونقض الغزل، فإنما هو نداء صريح كي تعمل هذه القيادات على إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتقليل من الهجوم (الضاري)على النظام، والنقد الصارم الذي يوجه لسياساته في كل مفاصل إدارة الدولة، وعلى كافة المستويات، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وهو الهجوم الذي يعمل بالفعل على هدم بنيان الانقاذ من أساسه، ونقض غزله الذي ظل ينسجه بلا طائل، منذ الثلاثين من يونيو عام انقلابهم المشؤوم. فوق كل هذا وذاك لم نر أو نسمع في أي يوم من أيام الحركة مع حكومة الانقاذ بأن قام رجل أو أمرأة في أوساط الحركة بتقديم نقد ولو في شكل {لوم} أومناصحة فيما يتعلق بممارسات نظام الانقاذ والتي عددنا بعضها أعلاه ،، فأين هو {الاصلاح} ،، يا أهل الورع والصلاح؟.
ومن ثم فإن الأفدح في دعوة الأمين العام لهذه القيادات، هو أنه يوجههم، بعد كل هذه السنوات التي انقضت منذ الإنقلاب، نحو (الإصلاح)،ويحضهم على ما كان ينبغي أن يكون مدار نشاطهم طوال ثلاثين سنة، وهو (التفاعل، والوجود بين الناس، وقيادة المبادرات الايجابية، والمشروعات الخدمية في الأحياء والمجتمع)، علماً بأن السودان، قبل مجئ قوم الزبير، وسطوهم على دفة قيادة البلاد بالقوة الجبرية، بعد أن عجزوا عنها بصناديق الانتخابات، لم يعدم بعضاً من أيادي البر والاحسان التي امتدت إليه بالخير،حتى من داخل صفوف الرأسمالية الوطنية السودانية، سواء في العاصمة أو في ربوع السودان المختلفة، مما يجعل الناس يضربون كفاً بكف، عند مقارنة ذلك الصنيع بأفاعيل أهل الإسلام السياسي، حيث لم نر أو نسمع لأي منهم، رجلاً كان أو امراة،مبادرة واحدة تضعه في لوحة الشرف التي تشمل من وقفوا خلف مستشفيات،أو شفخانات، أو مدارس، أو قاعات بكليات نهضت في المدائن أو الأرياف. في زمنهم، على العكس من ذلك، نرى (شفع)المدارس، حتى في العاصمة، يتقرفصون على التراب مباشرة،والعجزة والمسنين في حاجة لدور تأويهم، سواء حكومية أو أهلية، وأطفال الفشل الكلوي يقبضون على جُنوبهم، ويعضون على شفاههم، وقد غابت البسمة عن وجوههم البريئة، في انتظار أدوارهم ضمن طوابير ماكينات الغسيل قليلة العدد في بعض مشافي البلاد، والأطفال فاقدي السند، في دار (المايقوما) وغيرها،يتضورون حاجة إلى العناية المنقوصة لقلة الإمكانات، وأحياء العاصمة والأقاليم تجأر بالحاجة لتأهيل الإنارة، وتوفير معدات النظافة، وفتح وصيانة مجاري الصرف الصحي، ومياه الأمطار، وشبابها في حاجة إلى دور إجتماعية متواضعة يزجون فيها بعض أوقات الفراغ المشروعة في اللهو البرئ، ومكتبات عامة للمطالعة والقراءة والتثقيف الذاتي، وما إلى ذلك، ناهيك عن الحاجات الأخرى لصالات المحاضرات، والمسارح،وقاعات المعارض،والفنون التشكيلية، والموسيقية، ومراكزتعليم وتدريب الفنون، خصوصاً للأطفال، وغير ذلك.
إن القارئ الحصيف ليعلم، طبعاً، بأسباب إحجام قوم الزبير عن الإسهام على هذا الصعيد! لكننا، مع ذلك، نرى سيادة الأمين العام للحركة الاسلامية يحض (إخوانه)على قيادة (المبادرات الإيجابية، والمشروعات الخدمية، في الأحياء والمجتمع)، علماً بأن رجال ونساء هذه الحركة، بكل قطاعاتها وأقسامها، يعتبرون، في أوساط (القوى السياسية السودانية)أغنى الأفراد والتنظيمات والروابط السياسية من الناحية المالية والمادية، وهو أمر معلوم، وأسبابه مفهومة للكافة، فهم الذين قد اغتنوا غنىً فاحشاً في ظل نظامهم الانقاذي خلال 27عاماً، والملتقى الذي يقف متحدثاً فيه أمين حركتهم(الاسلاموية)هو الثالث لأمانة القطاعات المهنية والطوعية، مما يعني أنها ملتقيات (للكلام والسلام)، خاصة أن مشروعهم (الدعوي والتزكوي) يأتي في إطار (الهجرة إلى الله) كما يقولون!
ونرجو تنبيه القارئ إلى الإصرار على هذا التهويم بالعبارات، والمصطلحات السفسطائية، البعيدة عن الواقع،والخالية من أي مضمون محدد، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإلا فلتقدم لنا هذه الحركة جرد حساب لكل ملتقياتها من الأول وحتى الثالث ـ هي وإخواتها المدللات من شاكلة (منظمة االدعوة الإسلامية، وهيئة علماء المسلمين، والرابطة الشرعية لعلماء المسلمين)، وهلمجرا ـ حتى نقف على طبيعة مشاريعهم (الاصلاحية)، وخدماتهم (الاسلامية)، في المجالات التي ذكرنا بعضها، كنماذج للعديد من المجالات التي هي في مسيس الحاجة لأكف البر والإحسان الحقيقي والمباشر!
أما ثالثة الأثافي فهي أن هذه الحركة الاسلاموية تمارس كل هذه الأنشطة التي تتداعى لها،وتحشد من أجلها كل مؤسسات الحكم في البلاد، وهي، في نفس الوقت،(غير مسجلة) قانونياً .. نكرر أنها (غير مسجلة)قانونياً ..لا في سجلات الأحزاب،ولا أي تنظيمات حكومية، أو أهلية، أو طوعية .. باختصار هي طفل الانقاذ المدلل، وبمثابة (نعامة السلطان) التي لا يجرؤ أحد على أن ينتهرها، وإلا قبعت تبكي كالأطفال الذين في حاجة لمن يحنو عليهم، يأخذهم في أحضانه،ويربت على أكتافهم، وينتهر من أجلهم الآخرين!
الجدير بالذكر أن فرع الحزب الشيوعي السوداني قد واجه بمدينة بربر، خلال الشهر الماضي، اعتراضاً من قبل جهاز أمن النظام على إقامة فعالية سياسية داخل داره بحجة أنه حزب (غير مسجل) قانونياً! الأمر نفسه ووجه به الجزب الجمهوري،لا لأي سبب سوى أنه حزب غير مرغوب فيه!
وفي ختام نقاطنا نشير إلى قول السيد الأمين العام للحركة التي نتناول خطابها، بأن هناك من يحاولون (هدم بنياننا، ونقض غزلنا، لأنهم لا يريدون مشروعنا هذا كله من أساسه، ومحاولة التغيير والتبديل فيه)، وهو يعني مشروعهم الشهير : (لا تبديل لشرع الله)!
في إحدى ندواته البديعة، على أيام الديمقراطية الثالثة، حيث كان الراحل محمد إبراهيم نقد يكدح بأحاديثه البسيطة لتبصير الجماهير بقضاياها الأساسية، إضطر أن يرد خلال حديثه الشائق عندما بدأ بعض (دعاة الدولة الاسلامية)يهتفون مقاطعين حديثه: (لا تبديل لشرع الله)،فقال لهم، بسخريته اللاذعة، عليه الرحمة: (هو شرع الله ده منو البدلو غيركم)؟!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.