(( أستاذي لك حبي، أحد أفلام هوليود الشهيرة التي أُنتجت ستينات القرن الماضي، وقد لعب دور البطولة فيها  " سيدني بوتيه " الممثل الأمريكي الزنجي والأشهر في سينما تلك الحقبة، وتدور أحداث الفيلم حول مدرسة ثانوية كان تلاميذها في غاية الشغب والتهريج حتى وصلهم مدرس منقولاً إليهم من مدرسة أخرى، فبدأت المشاكل بينه وبين عتاة أولائك التلاميذ المشاغبين، ولكنه وبقدراته التربيوية الفذة استطاع بعد جهد أن يروضهم رويداً حتى قومهم فاستقاموا، وعلمهم فتعلموا، وصيرهم فصاروا! وهكذا أحبوا أستاذهم الذي أنقذهم من براثن الضياع وملكهم مستقبلهم في أياديهم، وهي ذات القصة السينمائية التي استمدت منها المسرحية الشهيرة " مدرسة المشاغبين " موضوعها بعد أن عالجت مادتها درامياً، فصارت مصرية لحماً ودماً!.
أستاذنا القاص البديع فيصل مصطفى كان ضمن أساتذة الزمن الجميل ونحن نتلقى على أياديهم مواد العلم والمعرفة، نهاية ستينات القرن الماضي وهي ذات الفترة التي تم فيها إنتاج فيلم "أستاذي ،، لك حبي" ،، فيما بعد أصبحت وكلما خطر على بالي ذلك الفيلم الآسر أو تتاح لي فرصة مشاهدته مرة أخرى، سرعان ما يطوف إسم المربي الفاضل الأستاذ فيصل مصطفى ضمن كوكبة من أفضل الأساتذة الذين تشرفت بتلقي العلم على أياديهم ،، هنا يسرني تقديم ما خطه قلم فيصل وهو يعكس تأثيره علعلى ميولي حينما يتناول تجربتي المتواضعة في حقل الأدب والكتابة بشكل عام ،، أقدمه وأنا أتمتم مردداً ،، أستاذي ،، لك حبي)).
*****

القاص والكاتب السياسي  حسن الجزولي 
(إطلالة على أحد رموز فن السرد في منتصف السبعينات والموثق تاريخياً للأحداث السياسية المهمة)
بقلم: فيصل مصطفى
بدايات إنبثاق شجرة السيسبان:-
منذ الوهلة الأولى تبينت في ملامحه مخايل الإستعداد الفطري دون أقرانه للإتيان بشئ مغاير لمرحلته العمريه !، سرعان ما وجد في الأنشطة المدرسية وعاء لإستيعاب موهبته في الكتابة ، بإصدار صحيفة جدارية، يعاونه في ذلك بعض أقرانه النابهين في هذا الصدد و برعاية إشرافية من قبلي، هذه كانت ضربة الفرشاة الأولى في فضاء لوحة "حسن الجزولي" الإبداعية و لما كان "حسن الجزولي" من مواليد .. أم درمان ذات الخاصية المتفردة في إنجاب معظم رموزنا الثقافية في فن القول و الفنون الجميلة و المسرح و الفن السابع، و كافة الممارسات السياسية و الثقافية، فقد كان موضوع إطلالتنا هذه أحد أبناء هذه المدينة المعطاءة التي عمدته ليحمل على عاتقه مع آخرين الهم العام لوطن ظلت جراحه المتقيحة لا تكف عن النزف طوال عقود ما بعد الإستقلال كأني بالمستعمر يقول لنا هاكم أقرأوا كتابي!.و أروني ماذا أنتم فاعلون!، و يبدو إننا لم نفعل شيئاً سوى الصراع حول لعبة الكراسي الموسيقية، ظلت إدارة البلاد تتناوشها أحزاب طائفية وطغم عسكرية والشعب السوداني بين هذا وذاك،  يبحث عن ضالته المنشودة و ليس ثمة نور في نهاية النفق.
حسن الجزولي و القصة القصيرة:-
لعل ما كان يكتبه من محاولات قصصية في الصحيفة الجدارية بمدرسة بيت الأمانة و بتشجيع من قبلي دفعه دفعاً للسير قدماً في دروب القصة القصيرة، وسرعان ما إنتقلت محاولاته الناضجة من الصحف الجدارية الى الملفات الثقافية بالصحف السيارة، و المجلات الأدبية وتدريجياً أخذ يشارك في مسابقات للقصة القصيرة كالتي نظمتها ندوة أم درمان الأدبية بمناسبة يوبيلها الفضي عام 1975م و قد جاء عمله ضمن العشرة الأوائل و بقي بأم درمان حتى إكماله مرحلتي التعليم العام. وقبل أن يغادر الوطن مهاجراً كان ينشر قصصه و مقالاته في الصحف و المجلات السودانية و العربية ، الى أن حط به الرحال في البلاد الهنغارية حيث أكمل دراسته الجامعية و العليا في عاصمتها بودابست.
وخلال هذه المرحلة قرأت له قصة قصيرة بعنوان ( رائحة إمرأة ) ، كانت منشورة في مجلة كتابات سودانية التي كان يصدرها "حيدر إبراهيم"، إبان إقامته في القاهرة و لعل هذه القصة تكشف عن إمتلاكه لكامل أدوات و تقنيات فن السرد ، فضلاً عن أسلوبه السلس( السهل الممتنع ) الذي يتميزبالإيجاز و الإختزال و له خاصيته في الوصول مباشرة الى وجدان المتلقيين و عقولهم. وخلال العام 1992م صدرت له مجموعة قصص قصيرة بالإشتراك مع القاص "مصطفى مدثر" بعنوان ( بوابة قوس قزح ).
صلتي بآل الجزولي:-
وربما لأمر ما ظلت واجهة آل الجزولي المشرقة تربطني بأفرادها المتميزين صلة ما، "حسن الجزولي" كان من تلاميذي النجباء. وكان كثيراً ما يحدثني عن أخيه الشاعر "كمال"الذي كان يدرس وقتها في الإتحاد السوڤيتي و يقرأ لي بعض أشعاره التي كانت تنشر في الملفات الثقافية بالخرطوم، وفيما بعد إلتقيته عدة مرات وهو كما هو معروف من طليعة المناضلين في الحزب الشيوعي ، فضلاً عن أنه من المحاميين النبلاء الذين يدافعون عن سيادة العدل و رهناء المعتقلات، عقب عودتي من ليبيا، كنت أتردد كثيراً على جريدة الأيام التي كان "عيسى الحلو" يصدر منها ( الأيام الثقافي ) حيث كنت أكتب بعض قصصي و حواري الذي أجريته مع "محمد المهدي بشرى" و حظيت في ذات المكان بلقاء عدد من المبدعين من بينهم الراحل الشاعر الكبير "مصطفى سند" و كان هناك "عبد المنعم الجزولي" المسرحي ، كثير الكلام الذي يجبرك على سماع ما يقول لطلاوة حديثه و تنقله من موضوع لآخر في آن واحد!. ولعل آخر ما تعرفت عليهم من آل الجزولي "مجدي الجزولي" المقيم حالياً بالسويد، جاء في معية عدد من أعضاء الجبهة الوطنية العريضة للمشاركة في مؤتمرهم الإستثنائي الذي تم إنعقاده في القاعة السياحية بالمهندسين ، في مدينة القاهرة خلال الأسبوع الثالث من شهر إبريل 2010 م، وبين جلسات هذا المؤتمر إلتقيت ب ( مجدي الجزولي ) الذي كان يشغل رئيس لجنة سكرتارية المؤتمر، ومن محاسن الصدف أن يكون من بين أعضاء لجنة التسيير تلميذي في ذات الفصل الذي كان يدرس فيه تلميذي المبدع "حسن الجزولي" زميله الذي أصبح من كبار الأطباء في بريطانيا ، الدكتور النفسي "صالح خلف الله بابكر" وهو الذي أخبرني أن زميله د. "حسن الجزولي" قد إنتقل من بودابست الى لندن، وقد ساعد في إقامة هذا المؤتمر صديقي الناشط السياسي "تاج السر حسين"، بحكم علاقاته الواسعة بالأخوة المصريين الذين لهم أهتمام و خبرة بالشأن السوداني. و من جانب آخر كان ل"تاج السر حسين" دوره الفاعل في أدارة المنتدى الثقافي بدار السودان العريق ، الكائن بشارع شريف ، قبل أن تطيح به و تعزله عبر إنتخابات زائفة السفارة السودانية بالقاهرة ، فيتركها لهم مهاجراً إلى أوغندا.
حسن الجزولي وعنف البادية:-
إنبثاق شجرة السيسبان في إستقامة وإعتدال وهي تصافح وجه الشمس كان مقروناً بفن السرد، أن يلتصق "حسن الجزولي" بمحراب "شهرزاد" ولا يفارقه، أن يتصدر أبناء جليه في ريادة الإبداع الهامس، و يناطح السابقين و اللاحقين في هذا المسار، كان هذا مأمولي!، إلا أن الهم العام المباشر و الهاجس السياسي، ظلا يراودانه بإلحاح حتى أخذاه أخذاً الى بقع أكثر إثارة و إضاءة مبهرة!.
وهنا نستطيع أن نقول دون تردد أن "حسن الجزولي" قد خرج من معطف الحزب الشيوعي السوداني و عرابه "عبدالخالق محجوب" مثله مثل آل الجزولي الآخرين. لكنه و الحق يُقال لم ينسلخ من قبيلة كتاب فن السرد تماماً ، فكتب أفضل نصوصه السردية وهو وسط المعمعة.
قصة ( رائحة إمرأة ):-
غير أنه ظل دوماً يعكف على الكتابة التي تظهر ميله صوب الإتجاه الطليعي و مناهضة الأنظمة الشمولية و لا سيما النظام القائم الآن، فأصدر كتاباً توثيقياً عن معتقلات الجبهة الإسلامية و بيوت الأشباح بعنوان ( بيوت سيئة السمعة في السودان ) عام 2000 م.
وثمة كتاب آخر طرق جانباً مختلفاً، و ثق فيه ل ( أرشفة الضحك 200 حكاية و ملحة سودانية )، أصدر الجزء الأول منه، خلال عام 2007 م و سيتبعه بالجزء الثاني لإحقاً، و لعل كتابه ( نورالشقائق ) و بعنوانه الجانبي ( السيدة فوز ) ، كان آخر إصدارته، وربما لمجردة الصدفة المحضة أن أنشر أنا مقالاً في ذات الوقت بصحيفة الراكوبة بعنوان ( خليل فرح في صالون فوز ) و قد تساءلت عبره ، هل ما كانت تقوم به فوز في مجالسها أهو صدى لصالون "مي زيادة".
وخلال عام 2007 م أيضاً أصدر عمله الكبير و الرائد في توثيق حياة أحد رموز تاريخنا الحديث السياسي و رواده الطليعيين ،، كتاب ( عنف البادية )، وقائع اللحظات الأخيرة في آخر أيام حياة المناضل "عبد الخالق محجوب" السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني.
وهذا السفر العظيم كلف مؤلفه ستة سنوات شاقة ، ظل خلالها يبحث و ينقب و يسجل و يمحو و يكتب و يستنطق شهود العيان الذين عاصروا إعدام الشهيد "عبد الخالق محجوب" و هنا يكتفي الدكتور "حسن الجزولي" بتدوين ثلاثة أيام فقط من حياة هذه القامة السامقة التي قصف عمرها زبانية الطغمة العسكرية قبل إستكمال رسالتها الإنسانية النبيلة المنحازة لنبض الشعب السوداني.
حاول د. "حسن الجزولي" من خلال هذا السفر القيم عبر 350 صفحة من الحجم المتوسط أن يحيط بالظروف و الملابسات الشائكة التي دفعت بهذا الرمز الشاهق الى خاتمة تراجيدية خلقت منه ما يماثل الأسطورة!.
لكن رغم كل ما بذله كاتبنا من جهد و بحث مضني و تنقيب شاق ، نجده في نهاية المطاف ، يعتذر بأنه لا يستطيع أن يدعي أن عمله هذا يمكن أن يكون بمثابة سيرة ذاتية لقامة بهذه الصلابة والتأثير لذلك يرى أن هذه هي مهمة المختصين بهذا المضمار!. ربما لهذا السبب إكتفى بتدوين ثلاثة أيام فقط من حياته.
وهكذا كما رأينا أن د. "حسن الجزولى" الذي عُمد من قبل كتاب القصة ليكون من أهم مبدعي فن السرد في السودان، إختطفته السياسة وقلصت المساحة التي كانت متاحة من قبله ليجرب و يجدد و يبدع في فن السرد!.
ولعل القادم من الأيام يفصح عما تكتنزه طاقته الإبداعية من قصص و ربما روايات رائدة و مغايرة للسائد والمألوف!، أليس الإبداع هو الأبقى و الأكثر خلوداً؟.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////