ضمن مقال متواصل له بعنوان " تجربتي في الحزب الشيوعي السوداني ،، يا واطة ما فيك إلا أنا"  والوارد في موقع المركز السوداني بتاريخ 16 \ أبريل 2014، تناول الصحفي عبد المحمود الكرنكي تجربة السيد إبراهيم حاج عمر العضو السابق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، مستعرضاً خلالها آراءه السياسية في قضايا تتعلق بموضوعات فكرية وتنظيمية للحزب، من التي اختلف بشأنها إبراهيم مع الحزب، وخرج عنه في الانقسام الشهير الذي شهدته أروقة الحزب عام 1970، متناولاً عدداً من الأساليب الغريبة في الممارسة والتي حصرها في " (1) التأليه .(2) التلفيق.  (3)الاغتيال السياسي للكادر .(4) قدسية مكاتب الرقابة. (5)الشللية خارج الحزب -  مجموعة الأنس والاستلطاف، ثم مضى الكرنكي  موضحاً أن إبراهيم حاج عمر لم يفصل  في تلك  الاساليب الخمسة (الغريبة) التي لازمت الحزب الشيوعي السوداني منذ تأسيسه، عليه فقد تبرع هو بتقديم بعض تلك التفاصيل التي أشار إليها. فبدأ بظاهرة (التألية) وأوضح مايكشف عن ظاهرتها داخل الحزب الشيوعي السوداني و(عبادة الفرد) وارتباطها بالأمين العام السابق للحزب الشيوعي، مستدلاً ب(حكايته) مع القيادي الشيوعي عبد الرحمن الوسيلة. فذكر  واقعة تتعلق بالراحل عبد الرحيم الوسيلة في مقاله المشار إليه قائلاً:- "  أن القيادي الشيوعي والمثقف الكبير مرّ بمحنة محزنة ، هي تعرضه لأزمة عقلية نفسية ، وذات مرة في محفل شيوعي وجمع حاشد جاء زعيم الحزب السيد/ عبد الخالق محجوب الذي يأخذ عليه بعضهم مايدعونه إعجابه المفرط بذاته ونرجسيته الطاغية بلا حدود وأنه من تعاليه أصبح ينظر بدونية الى كل أحد غيره ولو كان حزبياً ملتزماً ذكياً ، كان عبد الخالق في نظر ذلك البعض متألهاً، وكان الشيوعيين بدورهم يؤلهونه !.كان عبد الخالق محجوب في ناقديه كأنما شعاره (غيري هو دوني) !. في إطار (عبادة الفرد) والفلهمة والقرضمة و(ياواطة مافيك إلا أنا) في نظر ناقدي السيد / عبد الخالق محجوب ، فقد عاش  أعضاء الحزب حياتهم الداخلية في الحزب عقوداً من الزمان لا يجرأون على الجأر بالشكوى من ذلك التعالي ، وذات مرة في محفل شيوعي وجمع حاشد لهم جاء عبد الخالق محجوب يرتدي جلباباً وعمامة ناصعة و(مركوباً ) فاخراً فما كان من الوسيلة وكان يقف ضمن حشد الشيوعيين وقد رأى عبد الخالق يمشي متبختراً إلا أن قال وهو في غربته العقلية تعليقاً يصف عبد الخالق محجوب بالتكبر والفرعنة ، فما كان من عبد الخالق إلا وأن خلع مركوبه وإنهال به ضرباً على الوسيلة . كان (الوسيلة) قيادي الحزب المخلص يتلقى ضربات الزعيم بالمركوب على رأسه ووجهه ولا يملك لها دفعاً ولا عقلاً ينافح به ولا لسان يرد به وما كان هناك (حجازاً) واحداً من (الرفاق) يحول بين الجلاد والضحيه. "..." الدكتور خالد المبارك رأي ضمن ذلك الحشد خاله عبد الرحمن الوسيلة يُضرب بالمركوب، رأي الشيوعي خالد المبارك بعينه زعيم الحزب (المتأله) الذي كان في (الطائفية الجديدة) لا يرى أعضاء الحزب إلا مايرى ، وما يهديهم إلا سبيل الرشاد ، يضرب خاله بالمركوب وهو في غربة المرض العقلي على الوجه والرأس أمام الناس كان عبد الخالق ينهال ضرباً بالمركوب والوسيلة بنظرات تائهة يفيض وجهه بالضياع كأنما يريد أن يقول شيئاً ولكن لا يستطيع ! في (الليلة ديك) قرر خالد المبارك مغادرة الحزب الشيوعي السوداني الى غير رجعة كانت صدمة كبيرة لخالد المبارك المثقف الشفيف المحترم الوديع أن يرى خاله الشيوعي المخلص ضحية ل(صدر المتألهين) ! غادر خالد المبارك ليلتها الحزب الى غير رجعة، ثم أشار الكرنكي قائلاً:- " روى الدكتور خالد المبارك حادثة (الليلة ديك) بين عبد الخالق والوسيلة كشاهد عيان ، في مقال نشره في صحيفة (الشرق الأوسط اللندنية) . قال خالد كان ذلك عبد الخالق محجوب الذي يتحدث عن تقديره للمثقفين ، وأعظِم به من تقدير!". (إنتهى).
أولى الملاحظات التي ندلف بها للتعليق على مقال السيد الكرنكي هي أنه ترك جانباً تبنيه لـ" إنتقادات" الأستاذ إبراهيم حاج عمر كقيادي سابق بالحزب الشيوعي حول ممارسات الحزب في جبهة التنظيم والفكر، عندما أحس بأن ما أشار إليه الأستاذ إبراهيم قد جاء (ناشفاً) غير (مبلوع) أو وكأنه غير(مبلول) ولا يفي بأغراض الكرنكي الأساسية في التعريض بالحزب الشيوعي، فأراد أن (يتمم) الهجوم على الحزب الشيوعي ( بموية على الكسرة الناشفة)  فانتقل مباشرة عن طريق (وثبة)  جبارة متبنياً (آراء) أخرى للدكتور خالد المبارك تتعلق بالأسباب الحقيقية التي دفعت بالدكتور خالد لتقديم استقالته من الحزب الشيوعي السوداني في مقال قال أنه نشره بصحيفة الشرق الأوسط.
الملاحظة الأخرى والأساسية أن جملة ما ذكره الصحفي الكرنكي من أسباب ودفعت الدكتور خالد لتقديم استقالته من الحزب الشيوعي السوداني لا أساس لها من الصحة بتاتاً، وعارية من الحقيقة، بل أنه لا تربطها أي رابطة معتدلة بإبراز الوقائع التاريخية لخدمة التوثيق في مجرى الحديث عن أخبار السودان وأهله الكرام في سبيل إعانة الأجيال اللاحقة لقراءات موضوعية لوقائع التاريخ.
ورغم أنه لا تشغلنا كثيراً واقعة خروج الدكتور خالد المبارك عن الحزب الشيوعي السوداني أو بقاءه فيه بعد كل هذه الفترة، بحيث أن مياه كثيرة قد إندلقت تحت الجسور وأخاديد البلاد، نقول رغم أنه لا تشغلنا كثيراً واقعة الخروج من عدمه، اللهم إلا من ناحية كونها مؤسفة  أن يتخلى عضو – أي عضو – عن قناعاته الفكرية ويخرج عن وعلى الحزب الشيوعي،  وكان يمكننا تجاوز المقال والكاتب وموضوعة د. المبارك معاً، إلا أننا سنتوقف عند ما جرت الاشارة إليه لبضعة أسباب متعددة، من أهما أننا ننشد الصدق وتبيانه للناس وهو قدرنا في أن نبين الحقيقة في مواجهة من يجتهدون "محزمين ملزمين" بلي وقائعها في كل حادث وحديث من جانب، ومن الجانب الآخر نأخذ بها كفرصة سانحة لكشف خطل ومرامي أحاديث الافك التي يلجأ إليها الخصوم والأعداء لالباس الباطل ثياب الحق والعكس صحيح، مستفيدين من توافر أبواق الاعلام المتيسر لبث أراجيفهم التي لا تصمد عند أول محطات للتمحيص والقراءات الموضوعية المتأنية. ومن هنا كان لزاماً علينا تفنيد ما ورد من إدعاءات حول واقعة استقالة الدكتور خالد المبارك عن الحزب الشيوعي السوداني نشداناً لاستعدال أدب الخلاف ليبقى في إطار (الحقيقة) وتناول الأفكار لنقدها دون المس بالخصوصيات وشخصنة الموضوعات حتى يبقى ما ينفع القارئ وكل الناس!.
تبوأ الدكتور خالد المبارك مقعد رئاسة اللجنة التنفيذية لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ضمن لوائح ودستور التمثيل النسبي لانتخابات إتحاد جامعة الخرطوم في فترة منتصف ستينات القرن الماضي، وتحديداً أعوام 1966\67 ، حيث جاء لقيادة الاتحاد بروافع الحزب الشيوعي السوداني والجبهة الديمقراطية باعتباره كان أحد القيادات الطلابية للحزب بالجامعة، والطلائع المثقفة وسط أنشطة الطلاب، سيما في الحركة المسرحية خلال تجارب المسرح الجامعي وقتها.
كان دكتور خالد في عامه قبل الأخير بالجامعة يمهد لكي يصير معيداً بالجامعة، وليستمتع لاحقاً بمنحة  خارجية تؤهله لنيل درجة الدكتوراة، وهو ما تم له بالفعل في أواخر عام 1969  حيث أُبتعث لجامعة بريستول بالمملكة المتحدة.
ما نستطيع الاشارة إليه هو أن د. خالد وربما ليتقرب من إدارة الجامعة ويكون على علاقة طيبة معها لتعينه في منحه تلك البعثة، بدأ التمهيد لذلك عن طريق العلاقة الشخصية التي قربته من الأستاذ حسن عمر المشرف على شؤون الطلاب وقتها، وقد اتفق معه كرئيس للاتحاد حول ما يقدم من أعمال للفنون الشعبية بالجامعة  دون عودة أو ستشارة دوائر نقابية سياسية وأساسية وجماعات ثقافية وسط الطلاب بالجامعة كجمعية الفكر التقدمي والثقافة الوطنية والجبهة الديمقراطية والتنظيمات السياسية بالجامعة بما فيها اللجنة التنفيذية للاتحاد وقتها، مما عرضه لانتقادات علنية ولاذعة حول ذلك الموقف.
في العام 1971 وقع الانقلاب العسكري في 19 يوليو وحدث ما حدث، الشاهد في الموضوع أن المبارك كان وقتها خارج البلاد ببريطانيا، ومن هناك بعث برسالة مطولة لقيادة الحزب الشيوعي بالداخل يدين فيها المحاولة الانقلابية ويحمل الحزب مسؤولية تدبيرها وتنفيذها بل ومطالباً بأن يقدم (له)  تفسيراً مكتوباً حول أسباب (تورط ) الحزب في ذلك الانقلاب، وصلت الرسالة لقيادة الحزب التي كانت وقتها مواجهة بحماية جسدها وجسد عضويتها المتبقية على قيد الحياة من وحشية النظام ومغبة الوقوع كطرائد في مصيدة النظام التي نصبت ككمائن في أكثر من مكان، وظلت تعيش في أجواء صيرورة البقاء والحياة، ولم تكن بالطبع منشغلة  برسالة الدكتور في شأن لا يستطيع حتى هو أن يؤكد حقيقته حسب ما ساقه من اتهامات.
وهكذ ابتعد د. خالد المبارك عن الحزب ولم تكن استقالته قد تمت كتابة أو شفاهة بشكل موثق. ولكنها جاءت هكذا حيث مارس المبارك الاستقالة والابتعاد عن الحزب كحقيقة عملية فيما بعد عودته من المنحة الدراسية، وكان ذلك في سنوات مايو حيث أكد عليها بمواقفه السياسية والفكرية وعدائه الذي مارسه جهاراً نهاراً ضد الحزب الشيوعي وأصبح معروفاً به  حتى اليوم.
عليه لم تكن المسألة لها علاقة بمركوب  ينهال به عبد الخالق  ضرباً على الوسيلة أو أن في (الليلة ديك قرر خالد المبارك مغادرة الحزب الشيوعي السوداني الى غير رجعة، كانت صدمة كبيرة لخالد المبارك المثقف الشفيف المحترم الوديع أن يرى خاله الشيوعي المخلص ضحية). هذا من جانب ، ومن الجانب الآخر فلا يظنن أي أحد عاقل أن من  كان  شعاره (غيري هو دوني في إطار عبادة الفرد والفلهمة والقرضمة وياواطة مافيك إلا أنا) كالشهيد عبد الخالق محجوب يمكنه أن يفدي حزبه وزملاءه بتسليم نفسه لايقاف حمامات الدم التي سالت، فيتقدم نحو حبل المشنقة بثبات وبطولة حيرت حتى أعدائه الذين يجتهدون صباح مساء في محاولات بغيضة لافساد عظمة الثبات والاستشهاد لذلك القائد الأسطوري. وأما عبد الرحمن الوسيلة فهو إبن الحزب الشيوعي المجيد وأحد مؤسسيه العظام الذي أشاد د. خالد نفسه في ثلاثية رحيله  ورفع الفراش بعد انقضاء أيام العزاء بمنزله بالحارة السادسة بالثورة وأمام كل المعزين، أشاد بالحزب الشيوعي والشيوعيين الذين خفوا للتشيع وتبن المسؤولية المباشرة عن أيام العزاء في السرادق وشكره لهم إنابة عن أسرة الراحل العزيز.
وما هو جدير بأن نختم به، هو سؤالنا المشروع حول كيف يفوت على صحفي وموثق للتاريخ، الاشارة إلى عدد وتاريخ صحيفة الشرق الأوسط التي أشار إليها الكرنكي بأن د. خالد المبارك قد نشر فيها تلك الأسباب التي دفعت به لتقديم استقالته من الحزب الشيوعي، واعتمد عليها هو كمصدر؟، ليت الكرنكي يفعل ،، ليحيل الكرة لملعب خالد المبارك. فقط نهمس في أذن الأستاذ الكرنكي، بأن ذلك لا يعنينا في شئ، كون أن المبارك أكد أم نفى.
تنويه:- لم نلجأ لاستخدم علامات التعجب إلا في موضع واحد بهذا المقال!.
_____
عن صحيفة الميدان




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.