هو بالفعل كان كده،، كان يتنفس بهجة وضحكاً وفرحاً  ومرحاً، في صباحاته ومساءاته، كأنه يرحمه الله يعبر عن حالة البؤس المدقع وضنك الحياة السياسية والاجتماعية  بأن شر البلية هو بالفعل ما يضحك، كان ملكاً للشغب  كما كان أميراً للمقالب، يبحث عن النكات الضاحكة  ويعشق أن تُروى له بواسطة الصحاب فيقهقه من الأعماق حتى تدمع أعينه، ثم  تراه يتولى صياغات جديدة لحكي الطرفة، فتدمع أعينك من طريقة روايته لها حتى وإن سمعتها من قبل!، يدبر المقالب والمواقف الهزلية ويسره ممارسة ذلك في أوساط المعارف الجدد تحديداً، قاصداً من ذلك كسر حواجز الهيبة والرهبة وتسليك دروب المباشرة والعادية في العلاقات الاجتماعية، ما كان يحفل بالبرتكولات التي كان يتضايق منها والمقدمات المصطنعة للفعاليات والمناسبات، لذا فقد شهدنا له أنه لم يدخل في غيبوبة أو معاناة لحظة الاحتضار إلا لبرهة قصيرة ليفيق منها سريعاً كأنه قاومها بضراوة رغبة في مواجهة الموت وهو بكامل وعيه وحضوره وانتباهته!، فمات حبيبنا وعلى وجهه إبتسامة ارتياح ، فمحجوب مدهش عن حق حتى في لحظات رحيله الأخيرة ،، حتى  أن الظنون أخذت ببعضنا حول صحة وفاته، فقد كانت الشكوك تجول  بخواطرنا حول ما إن كانت واقعة رحيله صحيحة أم من بنات  مقالبه المتعددة؟!،، دعوني أحكي لكم بعضاً من أطرف هذه المقالب والقفشات:-
* هذه يحكيها تلميذه حسبو:- فقد بعث في مرة بأحد تلاميذه  القدامى بالمرحلة الابتدائية إلى متجر ليشتري له ( مفلكش معلكش) وبالفعل ذهب التلميذ طالباً من صاحب المتجر هذا المفلكش المعلكش!، إستغرب صاحب المحل بالطبع وسأله مندهشاً عن ما يطلب، عاد التلميذ لمحجوب الذي كان يجلس داخل عربه تلميذه الصديق والتي كانت تقف أمام المتجر وهو بينما يراقب الموقف مستمتعاً بتورط تلميذه ، وعندما سأله تلميذه عن ماهية ذاك المفلكش الملعكش، أوضح له محجوب بأنه " إسبير لعمود الطوارئ"!، ولما كان التلميذ يثق ثقة عمياء في أستاذه ذهب يشرح لصاحب المحل علاقة المفلكش الملعكش  بعمود الطوارئ!، فما كان من صاحب المحل إلا وأن اهتاج في وجه التلميذ قائلاً له :- يا زول إنت مسطول ولا فاكة منك؟، وعندما التفت التلميذ ناحية محجوب وجده غارقاً في الضحك من الموقف الذي استمتع به غاية المتعة!.
* إستلقى في إحدى حدائق مدينة لندن لأخذ قسطاً من تعسيلة الظهيرة المعتاد عليها، كنت أجلس بقربه أتصفح جريدة يومية، وكان الطقس طقس صيف، أردت إجراء محادثة تلفونية ، ولما اكتشفت بأن رصيدي قد نفذ، تحركت ببطء لتناول موبايل محجوب من جيب قميصه، هنا إنتبه لي أحد المواطنين من عواجيز البريطانيين والذي كان يجلس بقربنا، فاعتقد إني أقوم بمحاولة نشل لموبايل محجوب، وكعادة الأوروبيين، إنتهرني محذراً وهو يطلب مني إعادة جهاز الموبايل لصاحبه، ثم أخرج هاتفه النقال هو الآخر مهدداً بأنه سيتصل بالشرطة على هاتفها السريع، هنا أيقظت محجوب بعدما لم أستطع إقناع البريطاني - عالي الهمة-  بصلتي ومعرفتي بمحجوب، عندما استيقظ محجوب أوضحت له بأن الخواجة عاوز يتصل بالشرطة ولم يقتنع بمعرفتي بك ظناً منه إني أحاول سرقة موبايلك، والآن عليك نفي ذلك وتأكيد علاقتي بك ،، عندما سأله الخواجة  إن كنت على معرفة به أم لا ،، نظر محجوب نحو الخواجة  لبرهة ثم  نحوي لبرهة أخرى ،، ومن بين لازمات ما تبقى من نعاس على عينيه قال للخواجة :- أبداً والله ،، ما عندي أي علاقة بالزول ده!.
* زاره أحد ضيوفه  للتعرف عليه لأول مرة، وعندما لاحظ محجوب أن الضيف متحفظ ومتهيب  في الونسة والدردشة، ذهب  للمطبخ وعاد يحمل للضيف  صينية  ضخمة  وفي منتصفها وضع كوب عصير والصينية مغطاة بطبق كبير!.
* زاره ضيوفاً أصدقاء يحملون بطيخاً وفاكهة، إقترحت إقترحت ضيفة أن تذهب مع أميزة زوجته للمطبخ لتقطيع البطيخة وإعداد الفاكهة لتقدم باردة بعد وجبة الغداء، قال محجوب لهن:- إنتن أمشن المطبخ قطعن الفواكه، وأنا حاجي في المطبخ ،، أول ما عيونكن تقع فيني ،، حا تقطعن أصابعينكن!.
* وهذه الطرفة يحكيها صديقه دكتور مصطفى مدثر:- محجوب أول ما يركب معاك في العربية يقول ليك أنا ح أعمل وش. يقوم يعمل وشوش للناس في العربيات المحازية لينا. يعوج خشمه  ويطفي عين ويخلي عين. يوم عامل وش شين خلاس وفجأة كانت الاشارة حمرا، عربيتنا وقفت وكذلك عربية الزول الكان محجوب بيشاغله بي وش عجيب. الراجل نزل من العربية وعايز يعمل مشكلة اضطرينا قلنا ليهو يا ابن العم الزول دا أصلو كدا ومحجوب اضطر يحتفظ بالوش لغاية ما الراجل فات!
* يقول جاره مؤمن أنهما إعتادا السمر على مقاعد قرب منزليهما على الشارع، حتى منتصف الليل ثم يتعشيا سوياً، حلف مؤمن على محجوب أن يكون العشاء من منزله هذه المرة، ثم وجه بتحضير العشاء، ومؤمن رجل أعمال ويسكن منزلاً جميلاً جوار محجوب، عندما جئ بالعشاء إكتشف محجوب أنه عبارة عن صحن وحيد به ملاح وكسرة، بعد أن أكل محجوب قال لصديقه مؤمن ممازحاً وهو يغسل يديه:- لكن  يا مؤمن يا خوي ما تقول لي ،، البيت عمارة والصحن زرارة!.
* وهذه يرويها صديقه عمر العالم زوج شقيقته الراحلة نوال:- في إحدى ساعات الذروة كانا ينتظران عربة "ياعم" لتقلهما لنواحي  أم درمان من الخرطوم، وعندما طال انتظارهما  تهكم  العالم من محجوب قائلاً له:- بالله شاعر الشعب ما تقيف ليهو أي عربية؟ ،، طيب شاعر الشعب فوق كم؟!، ، ولما كان الشارع مزدحماً بالعربات وأبواقها رد محجوب على سخرية عمر قائلاً له:-  تعرف  يا ابو العالم ،، لو حسع دي صدمتنا عربية  في زحمة المواصلات دي،، حا يقولو في النعي: توفى شاعر الشعب  الكبير محجوب شريف ومعه  " شخص ما"!. 
* يحلو لمحجوب شريف، ممارسة دعاباته بين أوساط أصدقائه ومعارفه، فهو يطلق أسماءاً، (من عندياته) لبعضهم، ينادى مثلاً صديقه، محمد (مبارك) بمحمد مبارك (علينا وعليكم)، و لرزق  الحلفاوى يناديه .. (رزق) اليوم باليوم، ولعبد الله (العوض) بعبد الله العوض (علي الله) وأما اٍنتصار، فتاة جبال النوبة، التى تقيم، معهم بالمنزل، فيقول لها :- (انتصار) الشعب على أعدائه!.
* وهذه يرويها الراحل محمد إبراهيم نقد:- عاوده مرة بمنزله للإطمئنان على صحته، وبعد الزيارة أصر محجوب أن يقدم نقد لباب البيت ونقد يصر عليه أن يعود لسريره، فخيره محجوب بين أن يقدمه حتى باب المنزل أو يغني له أغنية لعثمان الشفيع ، فاختار نقد الشفيع، ولكن وما أن بدأ محجوب "بالصياح"  حتى قاطعة نقد بسرعة قائلاً له بحزم : يا خينا أقول ليك حاجة! ،، أرح قدمني!.
* تعارف كل من الشاعر محجوب شريف، والدكتور عمر اٍبن المرحوم الفريق أبراهيم عبود الذى رأس البلاد  فترة الحكم العسكرى الأول عام 1958 ثم أطاحت الجماهير بحكمه العسكري فى ثورة أكتوبر الشهيرة عام 1964، وقد لمس محجوب أخلاق عمر الرفيعة ودماثته وتهذيبه وأدبه الجم، فتصادقا سوياً، وظل محجوب يؤكد علي صفات صديقه عمر فى كل حين  تأتى سيرته  أمام الناس،  للحد الذى جعله يصرح مرة قائلاً :- والله فى وجود (عمر عبود)، الواحد يخجل زاتو .. إنو يترنم بأناشيد أكتوبر!.
* عندما كشف الطبيب على محجوب شريف، طلب منه الابتعاد النهائي عن السكريات، وقد حرصت أسرته ، على الإشراف الكامل على هذا الأمر ، لوضع إرشادات الطبيب موضع التنفيذ، إلا أن محجوباً ، ظل يتحايل عليهم ، بشتى الطرق، في مرة حشى قطعة من الخبز بكمية كبيرة من (الطحنية) ووضع فوق السندوتش كمية من (الجرجير) ليغطي على كميات الطحنية ، شكًت إحدى كريماته في الأمر وعندما فحصت السندويتش ، بانت كميات الطحنية تحت الجرجير، فقالت له بدهشة :- أهو ده (التأمين) الإتعلمتو من الحزب الشيوعي!؟
* سجل السيد الصادق المهدي زيارة لمحجوب شريف بمنزله للإطمئنان على حالته الصحية، وكان برفقته عدد من الأنصار ومساعديه الذين كان من بينهم مرافق شديد (البياض)،، وعندما لاحظ محجوب أن الزيارة مشحونة بالرسميات، قصد كسر الحواجز فبدأ يسأل كل مرافق عن إسمه، وعندما جاء الدور على المرافق الأبيض قال له محجوب ممازحاً :- طبعاً إنت بتمثل " الحمرة الأباها المهدي "!.
* وهذه تكشف رقة محجوب وتعامله الانساني، فقد تعرف  بسجن كوبر، على أحد المحكوم عليهم بالإعدام ، لجريمة جنائية اغترفها ، وظل منتظراً تنفيذ الحكم عليه ، وفي أحد الأيام، وبينما كان محجوب  قرب مكاتب إدارة السجن العمومي، مع أسرته التي جاءت لزيارته الأسبوعية، شاهد المحكوم عليه، ومعه لفيف من أهله وأقربائه ، وعندما ذهب لتحيته ، فوجئ بأنهم حضروا لتوديعه، حيث صدر قرار، بتنفيذ الحكم عليه ، في فجر اليوم التالي، لم يدر محجوب ، كيف يتصرف أمام موقف كهذا ، لم يمر به من قبل ، فما كان منه سوى أن إلتفت بتاثر بالغ نحو المحكوم عليه بالإعدام .. وشال معاهو الفاتحة !.
* في أحد الاعتقالات المتكررة، لمحجوب شريف، سنوات الإنقاذ الأولى، والتي برزت فيها ظاهرة مطربي الدفاع الشعبي والإنقاذ ، بمختلف مسمياتهم كقيقم وشنان وهلمجرا، قال له المحقق المتحذلق :- هل تعرف بأن دكتور عبد الله الطيب قال أن كلمة (فنان) تعني (حمار)؟ .. فرد عليه الشاعر قائلاً بحزم وتأكيد مباغت :- إذن (شنان) فنان!.
* من المعروف أن محجوب ضعيف الصلة بالمال ولا علاقة تربطه  به، وطيلة حياته العملية  وحتى وفاته كان لا يعلم  كم يصرف من مرتب، وكنا في أحايين نستغل هذا الظرف، بحيث عندما نكون في حوجة مالية، نراجع جيوب ملابسه جميعها، لأنه قطعاً يكون قد نسي مبلغاً من المال هنا أو هناك!،  كنت أستقل معه إحدى الحافلات العامة، فطلب منه السائق أن يجمع له ثمن المشوار من الركاب، رد عليه محجوب قائلاً:- أعفيني من التكليف ده يا زميل  لأنو عمري كلو ما إتصديت للمسؤولية المالية في مجالي الحزبي بفرع السكن!.
*  كما روت زوجته أميرة الجزولي أن محجوب سأل سيد اللبن عن اسمه عندما طرق بابهم في إحدى الأمسيات وهو يدردش معه، فأجابه سيد اللبن أن اسمه "هيثم" ، هنا قال له محجوب جاداً:- ياخ معقول؟ ،، لأنو ده إسمي الحركي في الحزب!.
* والأخيرة أرويها أنا:-  عدت معه للسودان بعد انقضاء أكثر من 22 عاماً وبعد أن تلقى هو علاجاً مكثفاً بلندن، إحتفاءاً بمقدمنا أهدى لنا عدد من الأصدقاء خرافاً، وكان عدد خراف محجوب التي أُهديت له أكثر  من عدد الخراف التي أهديت لي بالطبع، فتم وضع جميع الخراف في زريبة مؤقتة قرب المنزل، في أحدى الأمسيات كنا هو وأنا نجلس خارج المنزل، نظر محجوب للزريبة ملياً ثم التفت لي قائلاً: حسن أخوي ،، زح خرفانك ديل من مراحي ده!. 
*  على المستوى الشخصي لا أتصور كيفية العيش في هذا الكون دون محجوب شريف ،، فليرحمه الله وينزل عليه شآبيب رحمته  بقدر ما أمتعنا وأبهجنا ،، وعلمنا معاني الإنسانية الرفيعة والنبيلة وعرفنا بنماذج من بشر يحملون عن حق  مثل هذه الصفات!.
_____
عن صحيفة الميدان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////