* في عموده باسم "شهادتي لله"، نشر المذكور كلمة مؤخراً تحت عنوان "ليس بالضرورة أن يشارك الشيوعيون"، اختتمها بقوله "لم أتعود يوماً الرد على الدلاهات"!.

* لقد فاضلنا، في صحيفة الشيوعيين "الميدان"، بين التعقيب على ذلك الإسفاف، وبين تجاهله والذهاب للانشغال بما ينفع الناس! على أننا حزمنا أمرنا، ورجحنا ضرورة التعقيب، من واقع  مهامنا كصحافة تنويرية ليس غريباً عليها أسلوب الرد والتعقيب والتوضيح، مما يشكل أيضاً بعض ما ينفع الناس، ويدخل ضمن أوجب واجباتنا في خدمة إعلام حزبي نظيف يبذل المعرفة برحابة، وبتواضع جم.

* نهج التنويريين الحقيقيين، بالغاً ما بلغ اختلاف مدارسهم الأيديولوجية وتباين توجهاتهم السياسية، ألا يتعالوا مهما أوتوا من العلم، وألا يتعاطوا مع الآخر المتفق، فقط، وينظروا للآخر المختلف "كدلاهة" .. كبرت كلمة تخرج من أفواههم! وسنحاول، جهد طاقتنا البشرية، أن نكبح جماح أقلامنا، فلا نرد الإساءة بإساءة، رغم علمنا بأن المهنة، للأسف، قد ابتليت خلال الفترة الماضية، بأجسام غريبة لم ترضع رضاعة طبيعية من ثديها الطبيعي، بما يكبح الألسن من مزالق الابتذال ويعصم الأقلام من مهاوي الانحطاط، حمانا الله والقراء أجمعين!.

* وهكذا فإن ما يعنينا في  كلمة الهندي المشار إليها أعلاه هو ما ورد من هجوم على "الميدان" كصحيفة لها كامل الحق في الصدور، وفي امتلاك المعينات التي تساعدها، وتعين طاقم تحريرها على إصدارها، وتدعم خطها في حماية الحريات العامة والحقوق الأساسية، بما فيها حق التعبير والتنظيم، تماماً مثلما ظلت تطالب بتوفير هذه المعينات لكل الصحف السودانية، على قدم المساواة، وبإعلاء قيم حماية مهنة الصحافة من تغول السلطات، وتحديداً جهاز أمن النظام. وظلت  الميدان – وما تزال -  تدافع عن كل الصحف والصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال والإيقاف والحجب والرقابة القبلية والبعدية وما إليها من مضايقات.

* لقد قال المذكور  مدعياً العدل والسوية: "نريد أن تصدر الميدان كل صباح وأن تأكل من خشاش الأرض كما تفعل صحفنا، وتواجه أزمات التوزيع وتحصيل الإعلان، وأسعار الطباعة الخرافية المرتفعة كل شهر. وأن تخرج الصحيفة للناس، وقد كانت من قبل موجودة في سوق الله أكبر وفي عهد ذات الإنقاذ وفي ظروف سياسية وأمنية أسوأ، ولم تستطع اختراق السوق، لا هي ولا صحف حزبية أخرى، بما فيها صحيفة حزب المؤتمر الوطني الرائد، التي اختفت بفعل السوق، مثلما اختفت الميدان مرات بهذا السبب، ومرات بأمر السلطات"! ثم ختم بقوله "الموية تكضب الغطاس كما يقول المصريون".

* أول ما يجدر سؤال الهندي عنه هو ما الذي فعل كصحفي و"كزميل مهنة" تجاه حق الميدان في "الصدور كل صباح" كي تمارس "الأكل من خشاش الأرض"؟! هل قام بواجبه في الدفاع في "صحفه" ولو مرة واحدة عن هذا الحق بينما الميدان تصادر "كل صباح" بل تُحرق وتُحجب عن قرائها ويُطارد ُمحرروها ويتم اعتقالهم والتنكيل بهم ويُحاربون في لقمة عيشهم "من خشاش الأرض"؟!، بل تصل محاولات حجبها عن قرائها حد إيقافها عن الصدور لمدة تجاوزت أكثر من سنتين!.

* وأما حديثه الذي يشير فيه إلى "صحفنا" فقد جاء بالفعل مطابقاً للمثل السوداني "جدادة الخلا الطردت جدادة البيت" ولا نزيد .. والتوضيح جاي تحت!.

* وفي ما يتعلق بقوله إنه "يريد أن تصدر الميدان وتواجه أزمات التوزيع وتحصيل الإعلان وأسعار الطباعة الخرافية المرتفعة كل شهر"! فإننا نتساءل: ما هذا اللغو؟! هل الهندي جاد في ما يقول؟! وإلا فمتى لم تواجه "الميدان" فعلياً  "أزمات التوزيع" وجهاز الأمن قد اعتاد أن ينتظر حتى تطبع، وتترتب فاتورة طباعتها على ذمة إدارتها، ثم يصدر بعد ذلك أوامره بكل هدوء أعصاب للدار الطابعة ولدار التوزيع بحجز النسخ المطبوعة وعدم الإفراج عنها لأصحابها الذين يعلم مقدرتهم على توزيعها ذاتياً! يتم كل ذلك هاتفياً، ودون حتى أن يكلف الجهاز نفسه "عبء" توضيح الأسباب وراء قراراته تلك!.

* وأما بخصوص "الإعلانات"، فيكفي أن نهديه هذه الأحجيه الطريفة: فقد حدث أن  نشرت شركة اتصالات شهيرة إعلاناً عن نفسها في "الميدان" ، على مدى يومين، وفي صفحة كاملة بالألوان الطبيعية، فما كان من أحد أبرز قياديي النظام إلا أن اتصل بمسؤولي تلك الشركة قائلاً لهم: "الحكاية شنو يا جماعة؟! ما زودتوها حبتين"! فإن لم يكن ذلك حصار بغيض من الحزب الحاكم لتجفيف مصادر تمويل صحيفة الحزب الشيوعي، فكيف يكون الحصار وتجفيف التمويل إذن؟!.

* وأما عندما يلغلغ الهندي بالحديث عن "خشاش الأرض" فنرجو أن يكشف للقراء ابتداءً عن مصادر "خشاشه" هو الذي أسس به صحيفتين في غاية الأناقة، والفخامة، والإمكانيات اللوجستية "للمنافسة في سوق الله أكبر" ..  وحتى يفعل ذلك فإننا لا نزيد!.

* وأما عندما يشير إلى أن "الميدان" كانت موجودة من قبل "في سوق الله أكبر وفي عهد ذات الإنقاذ وفي ظروف سياسية وأمنية أسوأ، ولم تستطع اختراق السوق، لا هي ولا صحف حزبية أخرى، بما فيها صحيفة المؤتمر الوطني الرائد، التي اختفت بفعل السوق، مثلما اختفت الميدان مرات بهذا السبب"، عندما يشير إلى ذلك فإن أصغر قاريء يستطيع أن يعاجله بسؤال منطقي عما إذا كانت "الرائد" وحدها هي الصحيفة الحزبية، الناطقة باسم المؤتمر الوطني، وعما إذا كان من الممكن أن ينطلي على أحد هذا "التخفي" الساذج الذي تمارسه "بعض" الصحف، إذ تدعي الاستقلالية، بينما هي، في حقيقتها، مجرد بوق إعلامي مأجور لحزب الحكومة؟!

* وأما بخصوص "السوق واختراقاته" فنهمس في أُذن الهندي بأن "الميدان" هي الصحيفة السودانية الوحيدة، بعد "الأيام"، التي لم تختف من "السوق" ولو لمرة واحدة منذ نشأتها وتأسيسها في الثاني من سبتمبر عام 1954، لأنها استطاعت، في كل مرة، أن تحقق "اختراقاً"باتجاه "سوق" القراء، رغم أنف أجهزة القمع في مختلف حقب الشمولية! وتلك معلومة كان من المفترض تدريسها في معاهد الصحافة وأروقتها المتخصصة للنابهين من الصحفيات والصحفيين السودانيين .. ولكن!

* وأما فيما يتعلق بـ "المنافسة في سوق الله أكبر" فيلزمنا توضيح أن مهام وواجبات إعلامنا الحزبي موجهة، بالأساس، للجماهير في سبيل استنهاض هممها وتنويرها بقضاياها وتحريضها ودفعها للنضال من أجل تغيير واقعها بأدق تفاصيله إلى الأفضل على طريق الديمقراطية والرفاهية والتقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وبالطبع ليس من بين هذه المهام والواجبات "المنافسة في سوق الله أكبر"! وقد دفع محرروها ومريدوها وحتى قرائها جراء ذلك، ثمناً باهظاً في مراكز التنكيل والسجون والمعتقلات طويلة الأمد عبر كافة حقب الشمولية، لمجرد حيازة صحيفة "الميدان"!، ويهمنا بالدرجة الأولى أن نقول هذا الكلام لمن اقتحموا "سوق" الصحافة من الأبواب الخلفية والمواربة، لأجل التربح بالمضاربة في تغبيش وعي الجماهير وتزييف واقعها!

* نحن صحيفة حزبية جماهيرية فقيرة في إمكانياتها، ولكنها غنية بشعبها وقرائها، إلى حد أن مخضرماً كالراحل التيجاني الطيب رئيس تحريرها السابق، كان يقبع، بكاريزميته، وهيبته، وسنواته الثمانين، خلف مكتبه المتواضع، وبقايا الجير المتآكل تتناثر من سقف المكتب على رأسه وملابسه! نتوجه بهذا التوضيح  لثلة معروفة من أولئك الجالسين على مقاعدهم الوثيرة، داخل مكاتبهم الأنيقة، يتنسمون دعاش رئاسات التحرير، ومجالس الإدارات، ليس عن علم أو خبرة، وإنما بنفوذ ثرواتهم الفجائية (أمسكوا الخشب!)، وهذا ما يجعلهم عاجزين عن الرؤية أبعد من أرانب أنوفهم، فيكملون (نقصهم) بـ "العنطزة وجخ القهاوي"!.

* وأما حكاية المثل المصري بخصوص "الموية" التي "تكضب الغطاس"، فقد تعلمنا أيضاً من أهلنا في كل من مصر ولبنان - ضمن ما تعلمنا- "مهناً" متعددة، كالتدريب الصحفي، والبرادة، والطب، والكوافير، وتحصيل رسوم النفايات، وما إليها من مهن شريفة حقاً!

* في الختام ما كنا أصلاً  في انتظار مؤازرة زمالة لوجه الله من قبل  هذا الهندي، دفاعاً عن حرية الصحافة والكلمة، أمام أخطر هجمة تمر على مهنة الصحافة والصحفيين بالبلاد في هذا المنعطف، لأننا لا نعتقد أن مثل ذلك يدخل ضمن ما يشغل باله كواجب صحفي، أو على الأقل من باب رد الجميل، لو كان يعرف لرد الجميل معنى أو قيمة، حيث لم تتقاعس "الميدان" عن معاضدة هذا "الصحفي الهمام" وصحيفتيه "الأولى والحالية"، في أي وقت ووجهتا فيه بالإيقاف والمصادرة، وهو واجب سنواصل القيام به حتى تصان الحريات الصحفية بحق وحقيقة، بصرف النظر عن مستوى وتوجهات الصحيفة المعينة، حينها سنرفع رؤوسنا عالياً، والفخر والاعتزاز يحفنا، لأننا ساهمنا بإخلاص ومبدئية في الدفاع عن الحريات، وظللنا منذ نشأة صحيفتنا وإعلامنا الحزبي نترفع عن ساقط القول والإسفاف، وننشد بياض اليد والعفة، ونجتهد كي يكون مدادنا نظيفاً كأفئدتنا وضمائرنا .. وأما الزبد فمآله معلوم!.

______

عن صحيفة الميدان

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////