يحاذيها الطريق الشاقيه الترام

كرش الفيل بأم درمان .. الرقعة الجغرافية التي أنجبت أمة كاملة!

* فيها الأزهري وعبد الله خليل وعبد الخالق محجوب ومبارك زروق وشيخ علي عبد الرحمن وكمال ترباس ومحمد ميرغني والأمين برهان وكرومة وبرعي أحمد البشير وحسن أبو العلا وأحمد محمد صالح والممثل إبراهيم حجازي وإبراهيم خان ودار الجبهة المعادية للاستعمار ومؤسس مقابر البكري ومؤسس فريق الهلال وبت المك أشهر صانعات الكوارع والطعمية!. 

حسن الجزولي

بقلب مدينة أم درمان، تتمدد خارطة جغرافية شديدة التداخل، يطلق عليها أهل أم درمان حي "كرش الفيل"!. كما أنها شديدة التميز أيضاً، كون أن بعض سكانها المتميزين هم ضمن المجموعات السكانية القاطنة في تلك المنطقة، كأعلام مجتمع لعبوا دوراً ريادياً في حياة السودان ومجتمع مدينة أم درمان في شتى المجالات.

فمن طرف سوق أم درمان غرباً مروراً باستديو الوادي الشهير ودكان عبد الكريم العجلاتي  وكشة الترام عند مربوع العصاصير بين مكي ود عروسة والمحطة الوسطى. وبرعي المصري وكهربة عامر فوراوي حتى دكان مكي ود عروسة الشهير، حتى مسجد ود أرو شرقاً في شارع أبروف، ومن طرف مستشفى العيون شرقاً حتى منتصف شارع الدكاترة جنوباً، يكًون هذا المربع الواسع، الحيز الجغرافي الذي يتمدد فيه حي كرش الفيل الذي يضم  مجموعة أحياء، كالركابية والسيد المكي العتيقين اللذين يتوسطا مدينة أم درمان القديمة منذ نشأتها كعاصمة وطنية في القرن قبل الماضي، إضافة لأحياء أخرى نشير إليها لاحقاً.

وبحكم تقسيم أم درمان ومنذ القدم إلى أرباع وحارات. فإن حي كرش الفيل يقع شرق سوق أم درمان، هو مربوع "اتنين اتنين" ، فقد كانت توجد بحارات أم درمان قديماً، وعلى باب كل منزل، قطعة حديدية سوداء اللون عليها نمرة، وهي تعريف بالمنزل وصاحبه، وعن طريقها تدفع العوائد، وتصل الخطابات والطرود والبرقيات البريدية، من مختلف بقاع السودان والعالم!.

كما يضم كرش الفيل مجموعة من الأحياء الصغيرة المتداخلة مع بعضها البعض، حداً يجعل بعض أطرافها، يتمدد داخل أحياء أخرى مستقلة، فتتداخل مع أحياء ومناطق مجاورة، كبيت المال والملازمين شرقاً، وأحياء ود أرو والعصاصير شمالاً، إضافة لمجموعة أحياء صغيرة متداخلة، تربطها تلك الأزقة الضيقة المتعرجة كأحياء الاستبالية والمغاربة والشهداء والعبابدة.

يتميز كرش الفيل من الناحية العمرانية، بضيق أزقته وتداخل بيوته مع بعضها البعض كأغلب عمران أم درمان منذ نشأتها، والتي بني معظمها من الطين والجالوص، وما يزال الكثير من عمرانها يحتفظ بهيئته الأولى التي بني عليها، ويعود أغلبها إلى فترة الثورة المهدية! وقد تميز الحي بحيشانه الواسعة التي تضم عوائل ممتدة من أسرة واحدة كأغلب بيوت وحيشان أم درمان القديمة.

في داخل حيز كرش الفيل يقع حي الركابية، أحد أقدم وأعرق أحياء أم درمان منذ نشأته مع الأيام الأولى لاستيطان الثوار المهدويين منطقة أم درمان، حيث يُحد حي الركابية غرباً بسوق أم درمان وشمالاً بشارع أبروف ويقع جزء منه بحي الاتراك أو زريبة الكاشف شمال كهربة عامر" نسبة لعمود الكهرباء الوحيد بالشارع جوار منزل محمد بشير عامر فوراوي الاداري المرموق والوكيل الأسبق لوزارة الارشاد في عهد الحكم العسكري الأول"، وجنوباً بشارع الاسبتالية، ثم شرقاً بشارع الخليفة أو الوادي حالياً. ويشقه شارع السيد علي الذي يمر به من عند دكان نعيم شندي المواجه للمحطة الوسطى أم درمان من الناحية الشرقية، مروراً بمنزل عبد الله خليل عند تقاطع شارع الوادي المنحدر من مستشفى أم درمان، مروراً بمنزل إسماعيل الأزهري عند تقاطع شارع ود أرو من عند صينية حي الملازمين، حيث يتجه شرقاً داخل حي بيت المال إلى شاطئ نهر النيل. وقد سمي بشارع السيد علي نسبة للسيد علي ابن السيد محمد عثمان ابن السيد محمد الحسن أبو جلابية ابن الختم محمد عثمان!.

تسكن هذا الحي العديد من الأسر التي ارتبط أهلها بالتجارة والرياضة والسياسة والفن والاجتماع كأسرة الأمين برهان، والعازف أبشيبة، وعبد الرحيم كورس حقيبة الاذاعة السودانية، وهناك عدد من الشعراء المشهورين كالشاعر صالح عبد السيد أبو صلاح وأحمد محمد صالح ويوسف مصطفى التني وحسن عوض أبو العلا وكل من كمال الجزولي وصلاح يوسف، ومن المسرحيين نجد كل من خالد أبو الروس وإبراهيم حجازي والريح عثمان والممثل البارز إبراهيم خان!، ومن الحركة النسوية نفيسة أحمد الأمين، وفي الرياضة ضم الحي نادي فريق الهلال الرياضي لفترة من الزمن قبل بناء استاده وناديه الحاليين، كما ترعرع فيه "بكرة الشراب" أشهر لاعبي كرة القدم كالدحيش وبرعي أحمد البشير وبشارة والضب وعبد الرحيم أول حارس مرمى لفريق الهلال، حمور ودريسة ومكي السيد، حمدنا الله أحمد وبابكر مختار، ضمن مؤسسي فريق الهلال الرياضي، والبطل خالد الذي برع في رياضة كمال الأجسام. ومن أشهر الأسر التي أسست حيشانها نجد حوش السيد المكي نفسه وحوش البكري الذي أصبح زاوية للطريقة الاسماعيلية فيما بعد، إضافة لحوش بشير البكري والخليفة هاشم وأل هواري والقبانية والحجازية، آل الأنصاري وآل برهان وعبد الله شوش، كرار السيد والسيد الباقر واسماعيل أبورقبة والبروفيسور فيصل محمد المكي ورئيس القضاة ميرغني مبروك والشيخ الطيب والقرمانية وعبد النور ولاليت وعبد الحافظ وهواري وكبوشية وآل النحاس وتركي وصالح داؤود وبلال رمضان والخزين والمنعمية " عبد المنعم محمد" وآل معني وأبو العلا وهيبة، ود نكير وعوض كوج وأولاد ياسمين،

كما يقع في "كرش الفيل" أيضاً حي السيد المكي الذي تتحدد جغرافيته في حدود أضلاع المثلث الواقع بين الأستوبات الثلاثة "ود أرو"، "مكي" و"الشهداء". بمعنى أنه من الناحية الشمالية الغربية يحد الحي إستوب مكي ود عروسة، ومن الناحية الغربية يحد الحي شارع الوادي أو شارع الخليفه، ومن الناحية الجنوبيه يحده مثلث الشهداء العريق قبالة ميدان الشهداء، ومن الناحية الشرقية صينية أزهري، ومن الناحية الشمالية الشرقية يحده إستوب ود أرو، ويحده شمالاً شارع أبو روف!.

أنشئ حي السيد المكي الذي يقع داخل حدود حي "كرش الفيل" في آواخر عام 1884 عند وصول السيد محمد المكي بن الشيخ اسماعيل الولي مع الإمام المهدي الذي استقر بمنطقة أم درمان، وحاصر مدينة الخرطوم، و"ينحدر السيد المكي من أسرة أصولها ترجع لمنطقة منصوركتي بشمال السودان هاجرت إلى كردفان في نهايات القرن الثامن عشر"، و لوالده الشيخ إسماعيل الولي الفضل بعد الله في نشر الإسلام بجنوب كردفان فأنشأ السيد محمد المكي مسجداً في الفضاء الذي يقع شمال سكن الامام المهدي وخليفته، وعكف فيه بتدريس القرآن وعلوم الشريعة، فسمي الحي باسمه وأصبح مسجده يعرف بمسجد الطريقة الإسماعيلية ثم أصبح فيما بعد مقرباً من الخليفة عبد الله كمستشار في أحوال الرعية وشئؤون الدولة المهدية، خاصة فيما يتعلق بالمواجهات العسكرية ضد أعداء الدولة المهدية، وبعد سقوط الدولة المهدية بعد معركة كرري، عاد السيد المكي إلى الأبيض ليقضي بها بقية حياته ويدفن فيها بجانب والده الشيخ اسماعيل، وما يزال حوشه موجوداً بالحي حتى الآن.

أما نسبة "ود عروسة" التي أُلحقت بالسيد المكي، فقد أتت التسمية من زواج شهير شهده الحي في بدايات تأسيسه، وكان حفل الزواج الذي استمر لمدة أسبوع، طغت علية مظاهر البهرج والزينة والبذخ الطاغي، الذي ظل الحي يساهر مع أفراحه يومياً حتى صبيحة اليوم التالي لمدة أسبوع كامل، حينها قال أحد شيوخ الحي متباهياً لمن حوله: "والله الليلة  مكي أصبح ود عروسو زاتو"!، وهكذا سار الاسم على الحي، جنباً لجنب مع الاسم الأصلي "حي السيد المكي"!. علماً بأن إسم حي"عبد الله خليل" قد أُطلق على الحي، وطغى في أحايين كثيرة على الاسم الأصلي للحي وذلك بحكم أسباب متعددة ليس هنا مجال حصرها!.

إن أكثر ما يميز حي السيد المكي، كبقية أحياء أم درمان الأخرى هي الشخصيات التي ترعرت في ربوعه، وأولئك النفر من النساء والرجال الذين تركوا بصمات على مجتمع العاصمة وتاريخ السودان، في مختلف التخصصات ومجالات الحياة إجتماعياً وسياسياً ورياضياً واقتصادياً!.

وفي حيز ضيق من منطقة كرش الفيل هذه تجد بيوت لأشهر الشخصيات السياسية المميزة، من قادة الأحزاب السياسية، الذين ما تزال أسرهم تقطن تلك المنطقة ، كإسماعيل الأزهري والأميرلاي عبد الله خليل وعبد الخالق محجوب ومبارك زروق والشيخ علي عبد الرحمن وأمين الشبلي. وفي الفن نجد المنازل والحيشان التي نشأ وترعرع فيها أفذاذ الطرب كالفنان عبد الكريم عبد الله كرومة والأمين برهان وكمال ترباس ومحمد ميرغني وأحمد المصطفى في بداياته، مصطفى البكري مؤسس مقابر البكري الشهيرة بأم درمان، وسكن به خالد أبو الروس، والتقر لاعب المريخ وبت المك صاحبة أحد أفضل كوارع وطعمية وسلطة أسود بأم درمان!، آل النجومي وأل العجب، آل الخليفة عبدون، آل الخليفة عباس ومدثر البوشي، آل أبكريق وآل كبوشية وآل شلبي، آل محمد صالح وأبو رفاس وتميم وهواري وخال العيال والبدري وحاجة " قيمة " إحدى أكبر شيخات الظار بالمدينة!. والمنطقة جمعت بيوت الشيوعيين والاتحاديين وأنصار الأمة وحولية الاسماعيلية وحوش البقر وميدان الحديد الذي يتوسط الحي. ونجد أسرة شيخ الطاهر الشبلي وآل الضرير والخليفة عبدون و الجبلاب، آل الخليفة هاشم، مصطفى كيشو وآل محمد عثمان الختم أحد أشهر علماء السودان فترة الخليفة عبد الله التعايشي، آل عبدون خليل وآل أشقر، آل الضرير وآل محمود مشي، آل محمود الرشيد، علماً بأن التسامح الديني قد كان ولا يزال سائداً بين ربوعه حيث نجد عدداً من أسر الأقباط والمسيحيين، كآل جرجس ومنيوس وكلوبس وآل حنا، والبقية من هؤلاء الذين توسع عمرانهم من حي المسالمة إلى هذا الحي العريق، والجاليات الأخرى وأشهرها الهنود واليمانية. علماً أن بعض (ذوي الاحتياجات الخاصة) بشكل أو آخر قد سكنوا هذه المنطقة .. منهم (عابدين ربع الوقة) و(كاميليا) و(لكعا الجن فقعا) و(تيمان الشهدا) و(خوجلي أبو الجاز)!

كما زخرت منطقة كرش الفيل، بالعديد من المعالم كطاحونة كولوبس القبطي قرب تقاطع شارع الهجرة شرقاً وشارع أبروف شمالاً، وتعد من أوائل طواحين أم درمان، ثم ورشة الحجر التي أنتجت اسطوانات طواحين العيش، كما كانت به دار الجبهة المعادية للاستعمار في بدايات تأسيسها، وبه عدد من المعالم الأمدرمانية الأخرى كبوابة أبو العلا، وحيشان كالقزاز والبقر والقمري، والآخير عبارة عن حوش لأسرة أنصارية عريقة، وقد أسس جزء منها قرية " أبو قمري" بمنطقة الجزيرة جنوب ود مدني، إضافة للمقابر التي ضمت شهداء كرري في ميدان الشهداء الشهير، ومدارس أولية كمدرسة الهداية، أول مدرسة أهلية أولية منذ عام 1912 التي أسسها الشيخ الطاهر الشبلي وخرًجت العديد من رجالات الاستقلال والحركة الوطنية، ثم خلوة الشيخ الطيب، والمساجد التاريخية كمسجد الشيخ الضرير ومسجد السيد المكي نفسه. وفوق هذا وذاك يمر به أشهر شارع شعبي وهو الذي أشار إليه الشاعر خليل فرح في أغنيته الشهيرة " ماهو عارف قدمو المفارق" عندما أشار إلى "الطريق الشاقيه الترام" والذي يمتد من مشرع شمبات عند طرف أبروف كمحطة أولى لترام الحي عبر شارع أبروف مروراً بسوق الشجرة وسبيل جبريل ومحطة "مكي باي نايت" ثم كهربة عامر حتى المحطة الوسطى أم درمان!، وكان العم منور هو أحد أشهر سائقي الترام رقم 28 والذى يسير بين المحطه الوسطى أم درمان وابروف.

ورغم عوادي الزمن وتغير الطبيعة الجغرافية، فإن الأحياء التي يضمها "كرش الفيل" وكغيرها من أحياء أم درمان العريقة،  ما تزال تحتفظ بطابعها المعماري والشعبي الاجتماعي القديم.

وحسب توثيق الصحفي معاوية يسن لفن الغناء السوداني في مؤلفه القيم "تاريخ الغناء والموسيقى في السودان" فإن  صديق مولى، أحد أبناء حي السيد المكي، يشير إلى أن الشاعر والمطرب حدباي كان يسمي  الحي بـ (وادي عبقر) لأن هذه  المنطقة ارتبط بها كل من سرور وكرومة وبرهان والشعراء إسماعيل عبد الرحيم محمد نور ابن عم الشاعر أحمد محمد صالح محمد نور، والشاعر عبد الله عبد الرحمن الضرير وابنه محمد عبد الله والشاعر مكي السيد الباقر وصالح عبد السيد أبو صلاح ويقيم في الجانب الشرقي من حي السيد المكي الشاعران على خالد وخالد آدم " إبن الخياط"، وفي ناحية ود أرو الشاعر  خالد أبو الروس، وقريباً من الحي في ود البنا نجد أسرة الشاعر عمر البنا وقربه يقع أيضاً حوش الشاعر توفيق صالح جبريل والأخوان علي وحسن حامد البدوي، وكان الشاعر عمر البنا يقول أن الفن في أم درمان يكمن في المنطقة الواقعة بين "الدرداقية" و "حاج عربي" والأولى إشارة للمنحدر المفضي إلى سوق الشجرة، وهو ما أشار إليه الشاعر خليل فرح بالـ"المزالق" في قصيدته الخالدة " ماهو عارف" ، أما "الحاج عربي" فهو الحي الصغير الدي يقع بين محطتي ود أرو ومكي ود عروسة، وحاج عربي إشارة إلى منزل الطاهر حاج عربي الكائن في حي السيد المكي.  

حقاً .. فكرش الفيل  ليست رقعة جغرافية على النحو المتعارف عليه في واقع الأمر .. إنها بمثابة وطن أنجب أمة كاملة!.

__________

عن صحيفة الميدان





hassan elgizuli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////