في نعي الطيب صالح

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كتبت  هذا المقال في منتصف تسعينات القرن الماضي، وبرحيل الروائي الكبير الطيب صالح، ونزولاً على رغبتي الضاغطة لرثاء هذا السوداني النادر على طريقته.. أعيد نشره  لأكثر من مرة نسبة لتدخل مقص الرقيب الأمني في النسخة المنشورة بصحيفة الميدان مما أفقده محتواه!. 
 ****************
 ( ماهو مقياس الفتنة؟.. هل هو جمال الشكل؟.. أم الجاذبية الجنسية؟!.. وهل هي قوة الشخصية .. أم أناقة الملبس؟! .. أم لعله الذكاء وخفة الدم؟ .. إنه شئ يجمع بين كل هذه الصفات، مضافاً إليها غموض خفي، وسحر لايكشف عن نفسه .. جاذبية خاصة إسمها الفتنة!).
بهذه المقدمة أجرت مجلة } هاربرز أند كوين{ البريطانية ، استفتاءاً حديثاً بين عدد من الرجال، لانتخاب خمسين أمرأة، باعتبارهن أكثر نساء العالم فتنة وجمالاً. وقد جاءت النتيجة مؤكدة، أن كل رجل تقريباً ( يحمل داخله إحساساً عميقاً، تجاه نوع معين من النساء .. أو أمرأة بعينها كانت بالنسبة له، مصدر فتنة لاتنسى). وأضافت المجلة ( ربما كانت إحدى المدرسات في أيام الطفولة.. أو إبنة الجيران التي تزوجت منذ سنوات طويلة.. لكن هذه في النهاية إجابات، من تجارب شخصية، ونحن هنا نهتم بالأمور العامة)!.
إذن فالنترك أمر الفتنة، والسحر الأنثوي مؤقتاً، لنعود إليها لاحقاً، طالما أن الحديث، يدور حول العام الذي يشغل البال، ومن أكثر الموضوعات، التي شغلت بال المناخ، الثقافي والاجتماعي والسياسي، حالياً وسط أهل السودان ، هو ذاك القرار الممعن، في الغرابة والتآمل في آن!، والخاص بمنع تدريس، رواية موسم الهجرة إلى الشمال، في كليات الآداب بالجامعات السودانية، باعتبارها (منافية) للأخلاق السودانية، و(خادشة) لحياء أهلها!وهو الأمر المنافي لكل أشكال الحقوق، وحريات البحث العلمي، بل الحريات العامة، التي هيمنت عليها سلطة إن سُئلت يوماً عن اسهاماتها، في مجال الفكر الانساني السوداني، لأجابت إنها اضافتها لنظرية جديدة .. هي نظرية ( التفسير البوليسي للأدب)! تحت طائلة ( الشعور بالزنا)!.. تلك هي السلطة التي هيمنت، على كل مناحي الحياة في السودان،  بتوجهاتها الأيدولوجية الغارقة في التخلف، رغم إدعائها بالسير الحثيث صوب ( الحضارة).. أي كان الأمر، إلا أن مثل هذا القرار، لايمكن أن يصدر فعلاً، إلا من ( مجموعة مجانين) كما وصفهم الأستاذ الطيب صالح نفسه .. ولا يعبر إلا عن رؤية غارقة في الاغتراب، عن واقع السودان وأهله، بمخاصمتها لذلك الواقع، من مواقع احساسها هي، بعدم القدرة على الانفعال، مع ذلك الواقع، لذا فهي تجتهد ليل نهار، في هدم البنيات الأساسية، لذلك الواقع، ليحل محله بديلاً ينسجم ولو شكلياً، مع سجم رمادها، ومع احساسها المريض بالاغتراب، والعزلة والنبذ، يتجلى ذلك أيضاً في إحلال ما تراه بأعينها هي ، مكان ما يراه الآخر، بعينيه في كل مناحي الحياة، وقد قصد رجال الجبهة ونساؤها مؤخراً، مناحي الابداع بكل ضروبه لاحساسهم العميق، بتخلفهم المهين في هذه ( الجبهة)!.
وبمصادرتهم لقيمة أدبية، كرواية موسم الهجرة إلى الشمال، إنما يوجهون بذلك، انذاراً ووعيداً لكل محاولة فنية انسانية، على أي مستوى من مستويات الابداع، ولا نبالغ إن توقعنا أن عسسهم سينبش، في أضابيرالتراث الشعبي السوداني، بدءاً من فاطنة السمحة، مروراً برقصة تاجوج أمام المحلق، نزولاً على رغبته، حتى مسادير الهمباتة عند ناس ود ضحوية.. حتى عمك تنقو في الصبيان، .. ويا حليل دار النشر التربوي.. ويا حليل  زمن متعة قراءة ود النمير.. ويا حليل زمن الإجهاش بالبكاء، بعد مطالعة بقرة اليتامى .. وياخوفي على المجذوب في رائعته:-
فليتني في الزنوج ولي رباب
تميل بها خطاي وتستقيم
واجترع المريسة في الحواني
وأهذر لا أُلام ولا ألوم
 وخوفي عليه في رائعته ( كلب وقرية).. خوفي على الكابلى، في توفيق صالح جبريل.. خوفي على الصديق، بشرى الفاضل في ( ذيل هاهينا) .. خوفي على ترباس، لمان يقول ( بعيونك تقول لي تعال وتعال .. وبي قليبك تقول لي لا مافي مجال) .. خوفي على صلاح أحمد إبراهيم في ( الحاجة) عندما تطرق بابهم في أمل باحثة عن عمل :-
( تطل لها أمرأة
ذات صدر جهام وكفل
مستقل مهيب
كلما حركته احتفل
واشمخر بها فتميل
أدخلي .. فلدينا غسيل)
 وليس آخراً خوفي على حسين خوجلي، أديبهم النحير إن جاء ( العرب الطالبان)، بديلاً عن ( العرب الأفغان)! .. وما زال السؤال الحائر، الذي طرحه الأستاذ الطيب صالح، يجول بخاطر كل عاقل، وهو بيت القصيد ( من أين جاء هؤلاء؟).. بل أي فقه هذا الذي يبرر، ما يقوم به أهل الاسلام السياسي في السودان؟ .. حقاً إنه فقه ( متفيقهو السودان، أصحاب القلوب الغلفاء .. والفكر الأصلع )!.
 أعود لأمر الفتنة والسحر الأنثوي، الذي عالجته مجلة ( هاربرز آند كوين) ، حيث انتخبت نخبة ،من رجال الصحافة والأدب، والسينما والسياسة وبيوت الأزياء، أجمل خمسين فاتنة في العالم، وقد كانت في مقدمتهن كل من كليوباترا ، بنازير بوتو، كاثرين دي نيف، أدري هيبورن، جولي كريستي، إنجريد بيرقمان، كريس كيلي أميرة موناكو، صوفيا لورين، اليزابيث تايلور، جريتا جاربو، جوان كولينز، شارون استون، جودي فوستر .. وأخريات، وفي نهاية الاستطلاع، توجهت المجلة، بنداء إلى قرائها، لكي يدلي كل منهم، بقائمته التي يختارها، لتضم أجمل خمسين فاتنة في العالم!.
 جاء في الرواية المفترى عليها، أن الراوي حينما ذهب، لمنزل مصطفى سعيد بعد موته المأساوي ( انصرف الولدان، وظلت هي واقفة أمامي، قامة ممشوقة تقرب من الطول، ليست بدينة ولكنها ريانة، ممتلئة كعود قصب السكر، لا تضع حناء في قدميها، ولا في يديها، ولكن عطراً خفيفاً يفوح منها، شفتاها لعساوان طبيعة، وأسنانها قوية بيضاء منتظمة، وجهها وسيم، والعينان السوداوان الواسعتان، يختلط فيهما الحزن والحياء، حين سلمت عليها، أحسست بيدها ناعمة ودافئة في يدي، أمرأة نبيلة الوقفة، أجنبية الحسن، أم أنني أتخيل شيئاً ليس موجوداً حقيقة؟ أمرأة أحس حين القاها، بالحرج والخطر، فأهرب منها أسرع ما أستطيع ( ... ) قلت لها شيئاً أضحكها، وارتجف قلبي من عذوبة ضحكتها).
 فإن جاز لي أن أرشح أنا الآخر .. أنا الذي لم يتشرف بالانتماء، إلى كل أولئك الرجال الأفذاذ، من بيوت الأزياء والسينما والصحافة والأدب والسياسة.. لو أني كنت ضمن أولئك .. أو لو أن أحداً يمنحني هذا الشرف .. إذن فلن أتردد ولو للحظة واحدة، في أن أضع إسم ( حسنة بت محمود) زوجة مصطفى سعيد وأرملته، في مقدمة كل تلك النساء اللاتي تم انتخابهن، كأروع أمرأة فاتنة وساحرة للجميع.. ضارباً عرض الحائض بكل تلك الأسماء، من شهيرات السينما والمجتمع، والتي أوردتها المجلة المشار إليها .. بل ومتشككاً في نزاهتها وإنصافها!.
 أقول قولي هذا، لكي أغيظ أهل النظام في السودان أكثر من مرة .. شارحاً لهم كيف أن هذا الروائي الفذ، استطاع ببصيرته الابداعية، أن يجعلنا نرى الخيال أوضح من الواقع! .. مذكراً لهم بأنهم وبذاك التطاول، على قامة بحجم الطيب صالح، الذي يعد من أخطر المثقفين السودانيين، إنما ينطبق عليهم، قول القاص عزيز نيسين في أمثالهم، ( إنهم يسيرون بمصابيح تنير الطريق المظلم الذي يسيرون عليه.. إلا أنها مصابيح لا تفيد إلا في توضيح معالم الظلام)  .. وأراكم يا متفيقهي آخر الزمن، تمضغون بذلك الماء حيناً وحيناً تقبضونه.. و( ما أحمق من ماضغ الماء إلا قابضه).