إلى روح كل من سعاد إبراهيم أحمد وعلي المك

بهدم ودك وإزالة سينما كولوزيوم عن الوجود في وسط العاصمة، تكون قد إنهدت حقبة كاملة امتدت منذ منتصف ثلاثينات القرن الماضي وحتى منتصف تسعيناته، وتكون قد تلاشت وإلى الأبد معالم شكلت مجتمع العاصمة ولياليه المبهجات، ولكن ستظل ذكرى تلك الدار وحقبتها كامنة في وجدان من عاشوا وعاصروا رونقها، وستظل أخيلتهم عالقة بأجواء تلك الدار التي كانت عامرة بروادها ورسالتها، ليس كولوزيوم هي الوحيدة التي هدوا حيلها ودكوا مدرجاتها وعجنوا مقاعدها، فقد سبقتها إلى الازالة بعض الدور السينمائية الأخرى في العاصمة ، وذلك أمام مرأى ومسمع من الجميع، وقد آلت ملكية شراءها وكالعادة – بالكتامي- إلى أصحاب النفوذ وذوي القربى الفكرية والغربة الوطنية، فلا أحد يعلم الكيفية التي آلت بها أرض كولوزيوم إلى تلك الشركة التي عرف الناس وبالصدفة البحتة أنها المحظية في أيلولة أرض السينما لها!. لا تقديم عطاءات ولا شفافية حرصاً على الابتعاد من شفا حفرة في النار ،، وهم (أهل الذكر والتذكير بذلك ليل نهار)!.
هذا التلاعب وهذه المسخرة الرأسمالية التي تنتهجها الطفيلية الاسلامية (طبقياً) ليس وليست الأولى من نوعها منذ سيطرة أهل الانقاذ والاسلام السياسي على مقاليد الأمور في البلاد، فلقد تناقلت مجالس السودانيين عشرات الحكايات الغريبة والشاذة والمستفزة في كيفية السرقة والنهب والاحتيال والتلاعب في ممتلكات الشعب والوطن، وتحتفظ ذاكرة الناس بمئات الأسماء، لا ،، بل آلاف الأسماء لمسؤولين نافذين وأهاليهم و(أطفالهم وذوي الحظوة، من الذين واللاتي ولغو وولغن في مثل هذا "الهبر" )، وما انفك لسان حالهم يردد بكل قوة عين (الزارعنا غير الله يجي يقلعنا) وما عارف إيه من الشعار المستفز (هي لله ،، لا للسلطة ولا للجاه)!.
لفقد شكلت سينما كلوزيوم - ضمن أماكن أخرى في عاصمة البلاد - أندية ثقافية حقيقية، كان أبناء العاصمة وبناتهم يهرعون إليها في الأمسيات لتقيهم هجير منتصف النهار وضجر أول المساء!، فكانت الحركة من وإلى تلك الأماكن تشكل في حد ذاتها ديناميكية تمنح الاحساس بحيوية الدنيا وحلاوتها وتجدد الأيام في الزمان والمكان.
كان للعاصمة أكثر من مكان للترويح عن الأنفس، فأنى وليت وجهك تصادفك تلك الأماكن، التي كانت تشكل حراكاً ثقافياً واجتماعياً راقياً ومبهجاً بسلاسة ودون ابتذال. فقد كانت دور السينما تحديداً تلعب دوراً متقدماً في ترقية ذوق الناس، كانت مسلية لأهل العاصمة والأقاليم عند زياراتهم لها بلطف ومحبة، كانت دور العرض في العاصمة والأقاليم تتنافس في جذب هؤلاء المشاهدين عن طريق عرض أرفع الأفلام، وكان مجتمع العاصمة تحديداً، يسهر في هذه الدور التي تكتظ بالرواد مساء وليلاً، أسر ومجموعات وأفراد، وكان أغلب هواة السينما ودور العرض، لهم إلمام جم بالممثلين العالميين، وببليوغرافيتهم الاجتماعية، وكذا بالمخرجين ومؤلفي موسيقى الأفلام وكافة التفاصيل الأخرى المتعلقة بالسينما وعالمها المتحرك، كنت ترى جمهور (الشعب) - كدرجة تلي (اللوج) و(الأسر) – يتنافسون في معرفة الممثلين العالميين وأيهم قام بدور كذا وفي أي الأفلام!، حداً أثر على مثقفي تلك الحقب، فكتب القاص البديع الراحل الزبير علي قصته الرائعة (المقاعد الأمامية) ونشرها ضمن القاص عثمان علي نور في مجموعتيهما (النازحان والشتاء)، لوصف أمسية عطرة في أحد دور العرض بالعاصمة ، والتي كانت تقدم عرضاً آخيراً لفيلم تاريخي هام لبطل القصة وصديقه!، وكيف أن القاص نقل بتصوير قصصي رفيع أجواء جمهور السينمات (الشعبية) في المقاعد الأمامية منها، وقد كانت بالفعل قصة سودانية شحماً ولحماً، من قصص (الواقعية الاشتراكية) الرفيعة بحق وحقيقة!. كانت مؤسسة الدولة للسينما ترعى مثل هذا الذوق التثقيفي في حقبة السبعينيات تحديداً!، والتي كان على رأسها مثقفان يشار لهما بالبنان، هما كل من الراحلة العزيزة على معارف جهدها سعاد إبراهيم أحمد، الأستاذة المرموقة والمثقفة الرفيعة بجامعة الخرطوم، والقاص والأديب الراحل علي المك المتلآلئ في أخيلة عارفي إبداعه وعلمه الكث!، فجلبت مؤسستهما أعظم وأشهر الأفلام من هووليود والسويد والاتحاد السوفيتي والهند ومختلف بقاع العالم، وفي مقدمتها فيلماً جباراً كفيلم "زد" الذي يتحدث عن وقائع الانقلاب العسكري المأساوي في اليونان، وأكثر من ذلك دعت الموسيقار اليوناني العالمي ميكس ثيوداركس مؤلف موسيقى الفيلم نفسه لحضور أول عرض له بسينما كولوزيوم!، فحياه جمهور المشاهدين قبل بداية العرض ووقف جمهور (المقاعد الأمامية ) يصفق له بحرارة وهو على شرفة الدرجة الأولى برفقة سعاد وعلي عليهما رحمة الله، مما يشير إلى ثقافة جمهور سينما السودان الخوالي ووعيه المتجذر بكافة ما يتعلق بفنيات السينما وضرورياتها!، هذا وغيره من الأفلام الرفيعة الأخرى كسلسلة الأفلام التي تناولت حرب فيتنام " العودة للوطن " للمثلة الأمريكية جين فوندا والحائزة على جائزة الأوسكار لدورها في الفيلم، و" صائد الغزلان " الحائز على أوسكار أفضل فيلم للعام 1978 للمثل روبرت دي نيرو" والفك المفترس " الذي جسد ولأول مرة المؤثرات الصوتية والصورة السينمائية ثلاثية الأبعاد، وسلسلة أفلام الغرب الأمريكي وفي مقدمتها أفلام ديجانقو لكلينت استود ثم أفلاماً لممثلين عظام كالايطالي جوليانو جيما وليفان كليف و"زوربا اليوناني" لأنتوني كوين،وغيرها من أفلام أخرى كيوليوس قيصر وشجرة المعرفة والشاهد وجسد ديبورا الرائع إلى جانب سلسلة رائعة من أفلام الحرب العالمية الأولى والثانية، وكذا ممثلين عظام كريتشارد بيرتون والسويدية إنقريد بيرقمان وستيف ماكوين، أورسولا أندروس وكيرك دوقلاس وبيرت لانكستر وصوفيا لورين واليزابيث تايلور وغيرهم وغيرهن. وعندما نلقي نظرة حالياً إلى واقع السينما في العاصمة والأقاليم فإن حال دورها فقط يغني عن السؤال، دعك عن أنشطتها المسائية، حيث البوم ينعق في غالبية جنبات هذه الدور،، بينما لعاب رأسمالية الشركات الربوية ومتعددة الأنشطة المريبة يسيل لمقار تلك الدور كما سبق وأن أشرنا!.
هذا عن واقع السينمات في حياة الجمهور والسكان السوداننين، وأما بالنسبة للأندية عموماً، فقد كانت رسائلها الثقافية والاجتماعية تنتشر في العاصمة والأقاليم ،، ففي العاصمة فقط نرصد حركة أنديتها المتعددة، كنادى ( التجار ) باْمدرمان شارع الموردة مقابل مدرسة اْمدرمان الاْميرية وكان يضم فريقا لكرة السلة. فريق نادى العمال لكرة السلة الخرطوم. نادى الهشماب، مركز الخرطوم جنوب، نادي ضباط المعاش بالموردة، نادي الكوكب بحري، نادي الصبيان ونادي الأسرة، وهناك أندية شهيرة للجاليات العربية موزعة في مدينة الخرطوم كالنادي السوري، العربي، أبولو، ناصر، المكتبة القبطية، الأمريكي، الأرمني، الكاثوليكي، المكتبة القبطية، الهندي، الانجليزي، إضافة لأندية مهنية كالاطباء، المهندسيين، الزراعيين، الصيادلة، البياطره، الخطوط الجويه السودانيه، ضباط الشرطه والقوات المسلحة. طلاب جامعه الخرطوم، أساتذه جامعه الخرطوم، الكشافه البحريه ونادي الزوارق. ومكتبة المجلس البريطاني قرب الأحفاد القديمة قصاد بيت الأمة بأم درمان، ومكتبات المركز الثقافي الامريكي والسوفيتي وجوته والفرنسي والبعثة الأمريكية جوار سينما كلزيوم والمكتبة لأمريكية شارع المك نمر، مكتبة دار جامعة أم درمان الاسلامية. وكانت بعض هذه الدور تستضيف أنشطة سينمائية لروادها كإنتقاء بعض الأفلام العربية أو العالمية.
كما أن أن هناك بعض المقاهي بالعاصمة كانت قد شكلت عن حق أندية إجتماعية بأكثر منها أماكن لاحتساء الشاي والقهوة وجخ القهاوي!، كمقاهي مثل "ود الأغا" و "شناكة" و "جورج مشرقي" و"شديد" و"يوسف الفكي"! إضافة للعديد من ظواهر الأندية الرياضية والاجتماعية التي كانت منتشرة في مجتمعات العاصمة، الآن تُرك هذا الدور لستات الشاي اللاتي أصبحن يشكلن الظاهرة الايجابية الوحيدة لحركة الناس، وفيها تعبير واضح لحوجتهم للأنس والترويح وطق الحنك، وهو نشاط اجتماعي تقابله السلطة الحاكمة بعدم الرضا والقبول وتنظر إليه شذراً كونه ربما يشكل منشطاً إما مفسداً لأخلاق الناس ويبعدهم عن الفضيلة – وهم حماتها بالطبع – أو جالب للمفسدة، لتستغله المعارضة المتربصة كأماكن للتحريض وتحريك الشارع!.
وعودة للسينما ورسالتها المجتمعية، فقد نشأ النشاط السينمائي منذ وجود الاستعمار البريطاني في البلاد مع بدايات وحدة أفلام السودان وظاهرة السينما المتجولة ومتخصصين من أمثال سينمائيين سودانيين كجاد الله جبارة وكمال محمد إبراهيم والخير هاشم، وفيما بعد ترعرعت ونمت بواسطة خيرين من الرأسمالية الوطنية التي استثمرت في مجال السينما دون جشع أو استغلال، حيث أنشأت دور العرض الوطنية في أكثر من مدينة في السودان وحي داخل العاصمة، حتى وصل تعداد تلك الدور في البلاد حتى عام 1963 وحده لنحو أكثر من 60 دور عرض موزعة على مدن البلاد!. وكذا تطورت السينما السودانية لتنتج أفلاماً ظهرت صامتة في بداياتها كفيلم (طفولة مشردة) ثم تدرجت فظهرت أفلاماً روائية من نوع عرس الزين كإنتاج سوداني – كويتي، إضافة لأفلام تاجوج وبركة الشيخ وآمال وأحلام. فضلاً عن مساهمات السينمائيين السودانيين الدارسين، إلى جانب بعض التشكيليين والمهتمين والذين قدموا نماذجاً طليعية في انتاج واخراج الأفلام الوثاقية وغيرها كمساهمات الراحل حسين شريف في هذا الجهد السينمائي، وقد حصد بعضه جوائزاً عالمية!.
لقد كان عالم السينما في السودان مدهشاً عن حق ومبهراً وباهراً عن جد، حيث تجد العديد من الحكايات والانطباعات عن رواد هذه الدور في أكثر من مدينة وقرية، من الذين يحكي عنهم الناس ويتناقلون طرائفهم وعلائقهم بالسينما وعالمها، وكيف أنهم يتقمصون أدوار أبطال تلك الأفلام ويهيم بعضهم ببطلات الأفلام الحسناوات، خاصة بالنسبة للممثلات المصريات منذ حقبة الأربعينات،!. (راجع مثلاً حكايات المسرحي يحيي فضل الله عبر سلسلته التي اعتاد نشرها بعنوان "تداعيات" وغيرها من نماذج لكتابات أخرى"!.
وبهذه المناسبة نختتم بواحدة من طرائف أولئك الظرفاء:-
قدمت سينما العرضة بأم درمان فيلماً عن أفلام الغرب الـ (كاوبوي)، وفوجئ جمهور المشاهدين بأن بطل فيلمهم قد قتل، وهو الأمر النادر الحدوث بالطبع في مثل هذه الأفلام، الأمر الذي لا يستسيغه الجمهور عادة، خاصة جمهور (المقاعد الأمامية)!، وبينما كان الجميع في حالة وجوم مما حدث، استشاط أحد هؤلاء المشاهدين غضباً وصاح بأعلى صوته قائلاً :- ( بالله شوفو مغسة ناس سينما العرضة دي ،، وحياة النبي يا جماعة الخير،، نفس الفيلم ده ،، أنا دخلتو الأسبوع الفات في سينما كولوزيوم ،، والبطل كان حي لحدي ما الفيلم إنتهى!).
ــــــــــــــــــــ
* نعيد نشر المقال بتصرف لمناسبة اليوبيل الذهبي لنادي السينما السوداني والذي سبق وأن نشرته صحيفة الميدان.
* آخيراً آلت سينما كولوزيوم بالفعل إلى إحدى المؤسسات المالية والتي سبق وأن تنبأ المقال بوضع يدها على صرح السينما التاريخي وأيلولته إليها "بالكتامي"!.
* نشر بصحيفة الميدان.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////