{مهداة إلى شيخنا العارف بالله وبالفنون وآدابها التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي الذي تأخر هذه السنة والتي قبلها عن حضور زفة المولد التي ظل يهرع إليها سنوياً من أصقاع أكسفورد ببريطانيا ،، رعاه الله بالصحة والعافية}

****
إعلان منمق بإحدى الصحف اليومية يبشر فيه صاحب مشروع تجاري مستثمر في مجال التعليم، أولياء أمور الأطفال بافتتاحه لروضة ترفع شعار }السلفي الصغير{!، معدداً به مزايا روضته بطريقة " يلله ،، علينا جاي"، داعياً أمور الأطفال لتسجيلهم في روضة يدعي أنها توفر الأساليب {الحديثة} في التربية. وكأنه لم يفطن للتناقض ما بين {السلفي} وتوجهاته المتعارضة جملة وتفصيلاً مع {الحداثة} في مشروعه التعليمي والتربوي، لقد أصابني إحساس الحزن أكثر من أحاسيس الغضب، كون أن بلادنا تقع في نهاية الأمر في قبضة سماسرة وتجار طفيليون يتاجرون في مستقبل أطفالنا دون رقابة أو مسائلة أو قوانين ومواد قانونية رادعة. ولا نعلم إلى أين يودون بمشاريعهم المريبة تلك أن يقودون بلادنا؟!.
غير ما أبهجنا وطمأننا ودلق السكينة في قلبوبنا هي الزيارة التي قمنا بها في جولة ليلية لمولد المصطفى صلوات الله عليه بحوش الخليفة بأم درمان، حيث استقبلتنا خيمة مخصصة لأطفال الأسر بالمولد، استرقينا فيها السمع والنظر، لنكتشف بأن مريدي الشيخ حسن قريب الله يقدمون في الخيمة برامج مفرحة للأطفال، عبر مسرح عرائس، وأسئلة ذكية بجوائز قيمة حول {ماذا تفعل عندما تصحو من النوم، كيف تعامل والديك، كيف تعامل معلمك بالمدرسة، كيف تعامل أقرانك؟}، وهو الأمر الذي يشرح القلب كون أن نشاط مريدي البروفيسور حسن لم تطاوعهم نوازعهم الدينية الصادقة والصافية في استغلال الطفولة لتقديم خطاب ـ كما يفعل سلف الرأسمالية الطفيلية ـ يجير فيه الطفولة لصالحهم، حاشا وكلا أن يفعلوا ذلك لمصلحة مشاريعهم في الدعوى الصوفية التي يبتهلون بها لله عز وجلً، ومن جانب آخر توقفنا على الخدمات المجانية دون تملق أو منً من التي وفروها لجمهور المولد بالمستشفى الطبي الميداني باسم الطريقة وتحت رعاية الشيخ البروفيسور حسن الفاتح قريب الله { كشف نظر، اسعافات أولية، عيادات، متخصصون طبيون ، صيدلية مجانية }.
فهل للحركة الاسلامية بكل مسمياتها، أي مشروع يستهدف تنمية الانسان وحياته، في أي شبر من أرض السودان الواسعة؟، أي مشروع، سواء كان ماءاً نقياً أو مستشفى أو دور علم هنا أو هناك، ملاجئ للعجزة، مأوى للأطفال المشردين، مشاريع تنموية لفقراء السودان شيبهم وشبابهم، مشاريع للشباب تسد أزمة جيش العطالى لخريجين بالآلاف يطرقون أبواب السوق الهامشي غير المتوافق ومؤهلاتهم الأكاديمية التي يحملونها من أجل توفير اللقمة الشريفة لهم ولأسرهم المغلوب على أمرها، مراكز لأنشطة الشباب في الرياضة وفي المعارف وفي تزجية أوقات الفراغ، ليت أحدهم يدلنا على مشروع مشيد ولو في شكل صدقة جارية تصب في ميزان حسناتهم، إن كان لهم نصيب من مثل هذا الاحسان!، وهم الذين يقبضون على البنوك والمصارف وسبائك الذهب والسلطة معاً؟!، أوليس أمر ملفت للنظر بالفعل كون أن هؤلاء الذين لا يعلم أحد من أين جاءت ثرواتهم ونمت، قبل أن يعرف من أين جاؤوا هم في الأساس، أن لا أثر لحسناتهم حول أي مساهمة اجتماعية على مستوى النفير والتكافل الاجتماعي ليسجلوها في سيرتهم الذاتية؟، مقارنة بأهل الاسلام الشعبي المتجذر في تربية أهل السودان دونما حوجة لاعلان رخيص عن تدين بأشكال ركيكة ومبتذلة من شاكلة غرة مصطنعة على الجبين، أو لحية مزيفة ومسبحة بأدعية وبسملات وحوقلات كاذبة كذوبة؟.
لله درهم إذن أهل الاسلام الشعبي السمح المتسامح، الاسلام غير المسيس أو مجيش لخدمة أغراض دنيوية بغيضة، أفظعها توجهاًتهم في الاستثمار الرأسمالي الطفيلي الجشع البشع بواسطة بضع آيات من القرآن الكريم أو التمسح بأسماء دينية يرفعونها كلافتات تدغدغ أحاسيس المسلمين وبسطائهم، حيث لا يعدو الأمر في نهاية المطاف والطواف سوى قشور وشكليات واكلشيهات خالية من المضمون وخاوية من جوهر العقيدة ومقاصد الاسلام وتعاليمه السمحة. ولا هم لهم سوى تخريب اللاد ونسيجها الديني والاجتماعي.
قيل أن العارف بالله الشيخ قريب الله الأكبر، كان يقوم الليل داخل خلوته بحي ود نوباوي العريق وحوله مريديه وتلامذته، عندما طرقت أذنيه في الهزيع الأخير من الليل صوت حفل عرس ساهر في بيت لعبة كان يغني فيها الفنان كرومه:ـ
ياليل ابقالي شاهد على نار شوقي وجنوني .. ياليل
فينصت الشيخ الى هذه المناجاة العذبة لليل فيلتفت إلى تلامذته يسألهم عن المغني لليل فيجيبوبونه، ليطلب منهم أن يأتوا به مشكوراً إليه، عندما علم كرومه بطالب الشيخ قريب الله، فزع واضطرب أن يكون الشيخ غضب منه ويريد توبيخه، فيهدئ من روعه صديقه الشاعر عمر البنا ويقرر مرافقته لخلوة الشيخ، يدخل المبدعان إلى حيث يجلس الشيخ العارف وهو على فروة صلواته، فيقبلا يد الشيخ الذي يستقبلهما هاشاً باشاً، ويجلسهما بمحبة ومحنة إلى قربه ويطلب أن يؤتي لهما بشراب العسل الممزوج بالماء، بعدها يقول الشيخ لكرومة بأنه سمعه ينشد كلمات طيبة عن الليل، فيطلب سماعها منه مرة أخرى، وبالفعل يغني كرومه الأغنية بمصاحبة عمر البنا:ـ
ياليل ابقالي شاهد على نار شوقي وجنوني
ياليل صار ليك معاهد طرفي اللي منامو زاهد
دنا لي سهرك واشاهد فوق لي نجيمك ظنوني
ياليل ابقالي شاهد على نار شوقي وجنوني
فجأة يصيح الشيخ قريب الله صيحة الصوفي المنتشي ( الله) وينكفئ مغشياً عليه، فيخرج كرومه وعمر البنا من عنده وهما في حالة من الذهول والاستغراب!.
لله درهم أهل الاسلام السمح المتسامح مع دنيا المسلمين وناموس حياتهم وحيواتهم، خلافاً للذين أتوا بليل بهيم على صهوة دبابات وهم يعدًون للناس ما استطاعوا من قوة وبطش وتنكيل وزواجر ونواهي يرهبون بها أعداء مخالفيهم في الرأي، فيهجمون كالتتر على تراث أغنياتهم تمزيقاً وتشطيباً وتحويراً، بدعاوي الفسوق والفجورفي حملة فجة لإعادة صياغة إنسانيتهم بما يتوافق وتوجهات مشروعهم الحضاري البغيض ،، فيشطبون من قواميس الأغنيات البديعة كل معنى ومغزى وإشارة لمعاني بعينها، هي عندهم لا تعني غير مقاصدهم التي بها يفهمون لب الأشياء، بقلوب خاوية وعقول خالية من أي فهم سوى قصور وركاكة، لتغيب عنهم دون أن يتبصروا المعاني والمتون، فيعتدون على أي أغنية أومقطع شعري بديع يخالون أنه يمجد "السكر" و "المجون" كذا، حداً يشوهون فيه رائعة الشاعر البديع حسين عثمان منصور والتي يصدح فيها المطرب سيد خليفة قائلاً " يا سقاة الكأس من عهد الرشيد، وحسب ما أشرنا في كتابنا "زمن وليم أندريا" فإنهم يحيلون ابتسارها لكي تأتي غصباً عن الشاعر والمضامين الاجتماعية والسياق التاريخي الذي أنتج ظاهرتها والشعر الذي وثق لعهدها، فيتنطعون بمعالجتها عن طريق قوافي ممسوخة ومنسوخة وتلفيقية وتوفيقية ركيكة من شاكلة " يا رواة الشعر من عهد الرشيد"!، علماً أن شر البلية في هذا المقام يكمن في واقعة منع أصحاب المشروع الحضاري وحماة الفضيلة أغنية للشاعر المتصوف الحبيب قرشي محمد الحسن، باعتبارها تدخل ضمن شعر "الخمريات"، حيث استهدفوا أغنية " خمرة العشاق" التي غناها له المطرب الراحل عثمان حسين، حيث يقول صديقنا الصحفي معاوية جمال الدين " أن من أوقف بث الأغنية اكتفى من القصيدة بـ:ـ
عندما تغفو الأزاهر في الربى
النسيم الحلو يغفو رطباً
والنداما يسكبون العنبا
يرشفون الكأس حبباً حبباً
فاذكري صبا صريعاً مستهاماً
لم تعد كاساته إلا حراماً"
فكان حتماً عليه ألا يعلم أن قرشي محمد حسن المتصوف ابن الأسرة الأنصارية الودنوباوي، رئيس تحرير جريدة النيل التي كان يصدرها السيد عبد الرحمن، مقدم برنامج المدائح النبوية في الاذاعة، ناشر الأماديح النبوية في كتاب ،، لم يقصد الخمرة المعروفة، لكن مدير الاذاعة الداعشي لم يصبر حتى نهاية قصيدة خمرة العشاق، ليستمع لما يقول الشاعر المتصوف " نشوتي في الحب خمر قد تسامى ،، عجزت عن عصرها يد الندامى ،، فاصرفوا الكأسات عني والمداما" ،، والمدام لعلم المدير الداعشي هي الخمر"!.
لله درهم أهل الاسلام الشعبي، الذين تمسكوا بشعيرة المولد كإحتفال ديني وشعبي ظل أهل السودان يتمسكون بها منذ آماد بعيدة، عمل فيها متصوفة البلاد ورجال الدين وشيوخه الأجلاء عبر البوادي والحضر على إشعال نار التقابة في صحن إحتفالاتهم، وألسنتهم تلهج بمآثر الرسول الكريم، وهي الشعيرة التي قاوم أهل السودان محاولات نظام الحركة الاسلامية والانقاذ والجبهة الاسلامية إلغائها عند قدومهم أوئل التسعينات، ففي أم درمان مثلاً أقفل جامع الخليفة في وجه أهل الذكر ومنعوا إقامة المولد في ساحته، فاصر القائمون بأمر المولد على إقامته في ميدان البحيرة بأم درمان، وكذا تمسك الناس في كل شبر من أرض السودان على الاحتفاء به. مما أجبر النظام على التراجع عندما فشل في محاولة إلغاء شعيرة المولد النبوي الشريف.
لله درهم أهل الاسلام الشعبي، الذين يحتفلون بمولده الكريم ويحتفون به بكلمات صادقة وأمينة تخرج من حنايا القلوب، ولقد وقفنا على ظاهرة تنداح حالياً في أوساط الجيل الحديث ومن يمثلوهم، بلغة رصينة يمجدون بها رسول البشرية بعيداً عن الخطاب الديني التقليدي المكرور ومعاد:ـ
{يخصفُ نعله ويحلبُ شاته ويأكل مع المساكين
*هكذا هم الكبار كلما ارتفعوا تواضعوا.
يخرج مع أصحابه فيقرروا أن يذبحوا شاة
يقول الأول : أنا أذبحها
يقول الثاني : أنا أسلخها
يقول الثالث : أنا أقطّعها
يقول هو : وأنا أجمع الحطب.
*هكذا هم الكبار يرفضون أن يتميّزوا.
تحت تصرّفه مال كثير، يحثوه على النّاس حثواً وينسى نفسه، فيموت ودرعه مرهونة عند يهوديّ.
*هكذا هم الكبار يأبون إلا أن يتعففوا
يؤمُّ النّاس ويسجد فيحبو الحسن ويصعد على ظهره، فلا يرفع رأسه حتى ينزل حفيده، ويصلي أخرى فيسمع بكاء طفل عند صفّ النساء
فيخفف صلاته ويختصر قراءته، كي لا يشغل قلب أم على طفلها
*هكذا هم الكبار وُجدوا ليَرحموا
ينهى أصحابه عن الوقوف له تعظيماً، ويدخل عليهم مرّة وبدون شعور منهم يقفون، فيمتعض ويرى حسّان انزعاجه بادٍ على وجهه، فينشده :
وقوفي للعزيز عليّ فرضٌ
وترك الفرضِ ما هو مستقيمُ
عجبتُ لمن له عقلٌ وفهمٌ
يرى هذا الجَمال ولا يقومُ
فيبتسمُ ويرضى
*هكذا هم الكبار إذا اعتُذِر إليهم قبلوا.
طبت حياً وطبت ميتاً يا رسول الله
اللهم صل وسلم وبارك على الحبيب المصطفى
وعلى آلِه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
طيب الله أوقاتكم ..
بالصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ}
مما يجبرنا على التعبير عن إعجابنا بمثل هذه اللغة الجديدة غير التقليدية والغارقة في كلاسيكيات الكلام الديني المعاد والمستلف بضجر وتكرار ممل ،، وقد وفق صديقنا د. جمال بشير كثيراً في جذبنا لصلاته الرائعة على الحبيب المصطفى في صفحته بالفيس بووك ،، فالف سلام وتحية عليه في أيامه المباركات.
لحظة طوافنا جذبتنا نوبات البرهانية في حلقات شيوخهم الذين يضرب الواحد فيهم نوبته وهو يرجحن، {فيجعلها تئن وترن، ثم ترقص هديراً أو تجن، وحواليها طبول صارخات فى الغبار، حولها الحلقة ماجت فى مدار، نقزت ملء الليالي تحت رايات طوال، كسفين ذى سوار فى عباب كالجبال}. لاحظنا أنهم يطوفون وهم يحيون مخيمات الطرق الصوفية حولهم بساحة المولد، فيخرج إليهم شيوخ ومريدي الطرق من داخل مخيماتهم مرحبين مهللين، يتعانقون جميعاً بأهزيج البشر، والفرحة تبدو على سيماء الجميع، يقرأون الفاتحة ويتمتمون ويتبسملون ثم يودعون بعضهم، لتتحرك جوقتهم إلى مخيم صوفي آخر، سألنا أحدهم فأوضح لنا أنها عادة برهانية في مواسم المولد باسم " زفة التهنئة " لشيوخ ومريدي الطرق الصوفية تعبيراً عن التسامح والصفح والعفو والعافية، بين أحباب الله.
لله درهم أحباب الله ذوي التدين الشعبي السمح المتسامح ،، لله درهم إذا قارنا فعلهم بأفعال من يتربصون بأهل الذكر وآياته، متحجرون في عقولهم ومحدودون في تفكيرهم، تحولوا لطاعون ناهش في خاصرة أمة محمد وغير محمد وما انفكوا يخربون الأوطان تحت أنشطة حركة الاسلام السياسي أو باسم الحركة الاسلامية ،، سيان الأمر عندهم ،، وهم يحملون البغضاء والتطرف والغلو والعصي الغليظة والقبضات القوية كقبضات الفتوات والقبضايات والشبيحة والرباطة بأكثر منهم أهل دعوة، ليعيقوا إقامة شريعة يتعاملون معها كبدعة تخرج المسلم من ملة الدين والاسلام ،، فشتان إذن ما بين دعوى وعواء ،، ما بين دعاء وعداء!.
فلله درهم أهل الاسلام الشعبي الذين ينشدون بمحبة وصوفية عذبة مع شيخ شعراء شعبنا الراحل محمد المهدي المجذوب:ـ
{ليلة المولد ،، يا سر الليالي ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝِ
ﻭﺭﺑﻴﻌﺎً ﻓﺘﻦ ﺍﻷﻧﻔﺲَ ﺑﺎﻟﺴﺤﺮِ ﺍﻟﺤﻼﻝِ
ﻣﻮﻃﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢِ ﻓﻲ ﻇﻠﻚ ﻣﺸﺤﻮﻥُ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝِ
ﻃﺎﻑ ﺑﺎﻟﺼﺎﺭﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﻤﺮَ ﻋﻨﻘﻮﺩَ ﺍﻟﺴـﻨﺎ
ﻭﻣﻀﻰ ﻋﻦ ﻓﺘﻨﺔِ ﺍﻟﺤﺴﻦِ ﺍﻟﺤﺠﺎﺑﺎ ﻭﻣﻀﻰ
ﻳﺨﺮﺟﻪ ﺯﻳـﺎً ﻓﺰﻳـﺎً ﻭﺯﻫـﺎ}.
،، حفظ الله بلادنا وأهلنا وأدياننا المتعددة وأدام تجذير واندياح السلام والوئام والمحبة والتسامح في مجتمعاتنا بكل مللها وطوائفها وشعوبها المغلوب على أمرها في هذا المنعطف.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.