يقول د. فهد بن عبد العزيز الخليف في مقال له عن المكان وعبقه وسر التعلق به أن الانسان يظل مشدوداً إلى المكان " وقد يصعب عليه أحياناً مغادرته، وإذا غادره يحنّ إليه مرةً أخرى، بل مراتٍ ومرات، وإذا طال به الزمان ولم يعد إليه فإنه يظل يستنشق عبقاً يُذكره به، وكم في الذكريات من شجنٍ ووجد!، ولطالما كان للأمكنة عبق فيها، ما يربط كل موطن بإنسانه، وبين كل منزل وساكنه، رباط خفي، يتجاوز المشاعر العادية، يفوق الوصف، حيث لا يمكن ان يُشرح أو يُفسر، وإنما يُحس فقط، شيء أقرب إلى علاقة الروح بالجسد، بل تتجاوز المشاعر والأحاسيس العادية، إلى تلك العلاقة في قدسية شفافة، ما يجعل الشخص في حالة جذبٍ متناه إلى ذلك المكان الذي سبق وأن عاش فيه. فإن أراد أن يبارحه صعب عليه الرحيل منه، وإذا بارحه عاد إليه ثانيةً، حيث يظل ما بين مدٍ وجزر أشبه بحالة البحر،الأحزان خلف جدران الزمان. ذلك أن المكان له قدسية سر العشق الذي يهيج الذكريات ليخلق عالماً مدهشاً من الإبداع" ،، هذا بالضبط ما كانت تعبر عنه طيبة الذكر فاطمة أحمد إبراهيم، فقد كانت عليها الرحمة وأنا أسجل معها طيف ذكرياتها بشقتها في مدينة لندن لا تذكر لي واقعة من وقائع حيها إلا وتستذكر دوماً ما يعبر عن علاقاتها وعلائقها المتعددة بحي العباسية ،، حتى أصبحت أؤمن بأن حي العباسية بأم درمان إن هو إلا تعبيراً حياً لسيرة حياة فاطنة.

***
حي العباسية بالقاهرة يعد من أشهر وأقدم أحياء العاصمة المصرية، وقد اتخذ اسمه من اسم الخديوي عباس. ومنه اتخذ السودانيون اسماً لأحد أعرق أحيائهم بأم درمان في السودان، وهناك رأي يشير إلى أن الاسم ربما يكون قد جاء من اسم مدينة العباسية في غرب السودان بالقرب من تقلي. أما شارع الأربعين الذي يقع فيه حي العباسية فقد استمد اسمه من درب الأربعين الذي كانت تسير فيه القوافل التجارية بين السودان مصر، وهو الشارع الشهير الذيت رقد على ضفتيه العديد من أحياء المدينة القديمة كالأمراء وحي الضباط، وأبكدوك، وحي بانت شرقاً وغرباً ثم إشلاق الجيش القديم والمباني العسكرية المتعددة.
يتكون حي العباسية من جزئين، العباسية شرق وغرب، و"يفصل بينهما الجزء الشمالي من شارع الأربعين والذي يمتد من كبري خور ابوعنجة في الجنوب و حتى شمال العرضة" وهو يقع في أطراف منطقة مزدحمة بالعديد من الأحياء، فمن الشمال يقع حي الأمراء، وشرقاً حي الهشماب، وغرباً حي العرضة، أما من ناحية الجنوب فيقع خور أبو عنجة الشهير وحي الموردة معاً. كما يمكننا أن نشير إلى أن حي العباسية يضم خمسة "فرقان" رئيسية شهيرة وهي كل من فريق الأمراء وفريق العمايا وفريق الصقور ثم فريق الربيع إلى جانب فريق فنقر.
يوثق التيجاني عبد الرحمن صديق والد الفنان الطروب عادل التيجاني في مؤلفه القيم " مذكرات حكيم" لحيه قائلاً:ـ أنه يمتد {من المجلس البلدي بأم درمان غرباً حتى جامع الملك فيصل، ثم جنوباً إلى خور أبعنجة، ثم جنوب شرق إلى شارع الفيل ثم شمال شرق إلى دار الرياضة بأم درمان ثم شمالاً إلى المجلس البلدي، وهي مساحة كبيرة جداً، ثم سميت بداخلها العديد من الأحياء كحي الهاشماب، حي الأمراء، حي حمد، فريق العمايا، العباسية شرق، ،،، الخ. وتجد سكانها يمثلون كافة بقاع السودان"سودان مصغر"واشتهر عن العباسية أن الموضة تخرج منها، وفيها أفضل الخياطين والترزية والفن الراقي الجميل.
إذن هذا هو الحي الذي عاشت وترعرت فيه فاطمة أحمد إبراهيم.
ويوثق أبناء حي العباسية لحيهم العريق فيشيرون إلى معالم شهيرة فيه، ضمنها أربعة من محطات للمواصلات التي يستدل الناس بواسطتها على وجهتهم كما درج السودانيون، حيث تغيب عن أم درمان والعاصمة وكامل مدن البلاد عناوين وأسماء الشوارع المرقمة كما عند غالب دول ومدن العالم المتعارف عليها، فالناس في السودان يتعرفون على عناوين مقاصدهم عن طريق معالم شهيرة موجودة، إما بالشارع أو الحي أو قرب المنزل أو المكان المراد الوصول إليه. كالكوشة والطاحونة والخور الفاصل واللوري المركون قرب ناصية الشارع منذ سنوات طويلة وغيرها.
هذه المحطات الشهيرة أولها وأنت متوغل لداخل أم درمان من الجنوب للشمال، تصادفك محطه عابدين، ويبدو أن الثقاة قد اتفقوا حول نسبة الاسم، فحينما يوثق أحد أبناء العباسية لحيه موضحاً بأن عابدين هو عابدين حمد جبر الله والد ميرغنى عابدين رئيس نادي الربيع الأسبق، فإن التشكيلية البارزة الخالة سعدية الصلحي وشقيقها إبراهيم يؤكدان لي المعلومة ضمن مؤانسة شيقة معهما بمنزلهما بالعباسية حينما تحدثا عن الأسرة وعن جدهم حمد حامد جبر الله والد أمهم الذي أشارا إلى أنه هو من ساهم في الدعم المعيشي لجيش المهدي بمؤونة الذرة طيلة فترة حروبه واستقراره بأم درمان بعد انتصاره وقبل مماته، وهي المعلومة التي قال الصلحي أنه لم يشر إليها أي من كتبة التأريخ عدا عصمت زلفو في كتابه الشهير (كرري) ونعوم شقير في كتابه عن جغرافية وتأريخ السودان والموسوم بالغرض والتشويه من قبل البعض، خلافاً لوجهة نظر كل من الصلحي وشقيقته بأن شقيراً كان الأكثر أمانة، إذا ما قورن بمن حاولو ويحاولون (من بين الوطنيين السودانيين) – وما يزالون – تشويه معالم تأريخ البلاد!. تقول سعدية أن جدهم هذا كان قد سكن منطقة الفتيحاب القديمة ناحية البحر، جدوده هما كل من الشيخين حمد وخوجلي بمنطقة الخرطوم بحري الحالية، وله من الأبناء 17 ولداً و22 بنتاً، رحلوا جميعهم ولم يتبق منهم سوى بنت واحدة تسكن حالياً منطقة الفتيحاب مع أبنائها وبناتها، ومن أبنائه أيضاً عابدين الذي سميت عليه محطة عابدين الحالية بشارع الأربعين!.
المحطة الثانية هي سنادة، والإشارة هنا لحسن سناده من قبائل الشايقية المشهورين الذين سكنوا العباسية. ثالثها محطة جعفر المنسوبة لمتجر صغير يعود لجعفر محمد سليمان ثم المحطه الرابعة هي الادارة المركزية والتي منها تتفرع ثلاثة طرق رئيسية عند تقاطع " مسلة الهادي" ، شرقاً في اتجاه حوش الخليفة وغرباً نحو شارع العرض واستاد المريخ، ثم شمالاً نحو داخل سوق أم درمان.
يتميز حي العباسية من بين جميع أحياء أم درمان بأنه يزخر بالالهام الذي تستمد منه الأجيال موضات اللبس والأزياء، فقد كانت فترة سبعينيات القرن الماضي قد شهدت إنفجار التمرد الشبابي الذي بدأ في ربيع ثورات الشباب الأوروبي الشهيرة التي انفجرت نهاية ستينات القرن الماضي، في باريس وكافة دول أوربا الأخرى، وربما اختزنت ذاكرة شبيبة السودان تلك الأحداث التي عبرت عنها بأشكال تعبيرية أخرى ومختلفة كتقليعات الأزياء الحديثة والأغنيات الشبابية المتميزة، فكان أولاد وبنات العباسية في مقدمة من ساهموا باهتماماتهم المتنوعة في هذين المجالين بمد جيل تلك الفترة بإضافاتهم.
وفي هذا المنحى فإن قارنت حي العباسية ببقية أحياء العاصمة في مدينتي بحري والخرطوم، فإنك واجد أن الأحياء الأقرب وجدانياً لهذا الحي هي في أحياء أولاد وبنات الديامة في الخرطوم، إضافة لديامة بحري!، وفي واقع الأمر فإن سؤالاً ربما يتبادر لذهن المهتمين والدارسين، هل أن أولئك العارفين بخصائص المجموعات البشرية في علوم الأجناس ونحوها من علوم الثقافة الشعبية، ربما سيصنفون حي شعبي كحي العباسية ضمن متشابهات في نمط وحياة أحياء في أم درمان نفسها، كأبكدوك وحي الضباط وفريق ريد بحي الموردة، يا ترى!.
إذن هذا هو الحي الذي ترعرعت فيه الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم وعاشت فيه مع أسرتها التي أصبح أفرادها منتمون له، سيما شقيقها صلاح الذي استمد معظم شخوص قصصه القصيرة وقصائده من شخصيات فريق فنقر، ذلك الفريق الذي يعتبر جزءاً أصيلاً من حي العباسية وسكنته منذ آماد بعيدة مجموعات تنحدر أصولها من النيجر وغرب أفريقيا ثم انصهرت في مجتمعات السودانيين وأصبحت جزءاً منه، فقد صور صلاح جانباً من حياة الحي وأهله مركزاً على كدح وحياة ضنك معيشتهم من أجل اللقمة الشريفة، خاصة في تفاصيل قصيدتة بعنوان الحاجة:ـ
ذرعت كل افريقيا وهى لا تفتر
وسواكن وجهتها - بحرها الأحمر
فالحجاز
إنها لآن فى شارع من مدينتنا
فانظروا
ها هى الحاجه
ربطت طفلها بحزام
على ظهرها - وجهه الاغبر
عظمة نتأت من عظام
مائل راسه الضخم : فرخ نعام
تطلع من بيضة دهشاً، او كما يفعل الكنغر
وسعت فى الطرق
يا ترى ما اسمها
يا ترى اى هم
جال فى جنبها وهى ام
طفلها فى الرضاع
جائع ، وهى لم...
لا يهم...
انها الحاجه
العناء على وجهها المستطيل
آمرُ ومطاع
والألم
صاعد ، صامد ، واصيل
وهى صامتة لا تنم
كفنت وجهها بقناع
كفها كالقدم
ذات شق بجانب شق
كبقايا ندم
في فؤاد نبيل
حملت فوق هامتها - حملها
فى تحد وفى كبرياء
ومضت ترتزق
فرشت عند هجليجة فوقها...
والنبق
تعلك الصبر فى جانبى فمها إحمرار
وأتاها الصغار
بعد طول انتظار
زحموا ظلها ضحكا وغبار
يتدافر جمعهم حولها وبهم لم تضق
قلبها مؤتلق
انها الحاجة
كذا عاش فيه الروائي الفذ الراحل خليل عبد الله الحاج برائعته المدهشة رواية "إنهم بشر" والتي كما خله صلاح أحمد إبراهيم استمد شخوصها من واقع فريق العمايا وفنقر، وفنقر وحي العمايا يضجان كأحد أغلب أحياء أم درمان بتنوع ثقافي غني وثر في إطار الوئام والعيش المشترك. أما صلاح وخليل عبد الله الحاج فيصنفان ضمن رواد الواقعية الاشتراكية السودانية!.
إذن هذا هو الحي الذي نشأت وترعرت وشبت فيه الراحلة فاطنة.
يتميز حي العباسية بأهله الذين يرتبطون ببعضهم إرتباطاً شديد الانتماء في التكافل والتعاضد والوئام، حيث يتميزون باعتزازهم وفخرهم بالشخصيات البارزة من المجتمع السوداني والتي تنتمي لهم ولحيهم، ويبين ذلك في محبتهم الفائقة والتي برزت من خلال تمجيدهم لابن حيهم الفنان القامة زيدان إبراهيم. وتكريمهم له بواسطة الليلة الفنية التي أقيمت له، إضافة لاطلاق اسمه على المسرح الذي شيد تكريماً له، كذلك يبرز ذات الحب في مراسم تشييع الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم والتفافهم حول رحيلها الفاجع وتبنيهم لتشييعها كإبنة صميمة من بنات حي العباسية.
قلنا يضم هذا الحي مجموعات واسعة من النساء والرجال الذين واللاتي تخصصوا في مختلف ضروب النشاط الانساني والاجتماعي، كما يؤرخ له أبناء العباسية في محافل الوسائط الاكترونية والميديا الحديثة.
ففي الرياضة برز كل من نصر الدين عباس جكسا الذي انتقل لفريق الهلال في الأصل من فريق الربيع الرياضي بالعباسية، ويوجد على سلطان الحكم بالدرجة الأولى كما لعب ابنه عماد فى المريخ ثم التحرير وابنه سلطان فى العباسيه ويوجد لاعب المريخ كلول وشقيقه فريوة، ومحمود الجزولي الذي لعب لفريق الهلال والملقب بطياره وساتي عبد الرحمن الجزولي الذي لعب لفريق الترسانة المصري في خمسينات القرن الماضي، ونسيبه برعي العدني رئيس فريق الكواكب، وأبناء آل عيساوي اسماعيل وحمد الذين لعبوا في فريق زهرة الربيع، وآلـ النعيم فرج الله أو صلاح فرج الله. إلى جانب الهرم صديق منزول.
"والعباسيه وقتها كانت تعج بكل ذلك الزخم الفنى..فى انتقال مواكب خمسينيات .وستينيات وسبعنيات القرن الماضى ..فقد كانت مجمع فنون متعدده..وكان ليلها يزدحم بالالحان .والجلسات. وليالى الطرب والأنس" ففي الموسيقى والغناء والطرب العام نجد أسماءاً كعائشة الفلاتية وشقيقتها جداوية وشرحبيل أحمد وفرقته، وعامر ساكس وخميس مقدم وبادى محمد الطيب وعبد الدافع عثمان. ومحمود تاور وعبد الله دينق وعمر الشاعر وعادل التيجاني وإبراهيم حسين وأم بلينا السنوسي وثنائى النغم والطيب محمد الطيب..وفيصل الخير ومحمد عبد الله محمديه. رمضان زايد وعلي نور الجليل عازف البيز جيتار وجراح القلب الشهير حالياً بلندن، إضافة لزيدان إبراهيم.
في المسرح والتمثيل سكن عوض صديق. ومحمد السني دفع الله وموسى الأمير. وفي مجال الاذاعة نجد كل من الاذاعي عمر عثمان وأبوبكر عوض وفي الإخراج الفني والإعلام إسماعيل عيساوي. ويعد حي العباسية أكثر الأحياء الشعبية التي يقطنها سينمائيون سودانيون دفعة واحدة كناصر المك والطيب المهدي ومنار الحلو.
فيها عبد المجيد إمام القانوني المجيد الذي قاد أول إضراب شعبي جماعي يتكون من أمة بأسرها أمام القضائية بوسط الخرطوم، فأسقط حكماً عسكرياً كان مدججاً بالسلاح والبومبان فاتك الأعين، تجد آل الصلحي وفيهم الفنان التشكيلي العالمي المعروف إبراهيم الصلحي وشقيقه عربي الصلحي الملحن الذي قدم لعبد الدافع عثمان لحن مرت الأيام وللكابلي نشيد "هبت الخرطوم في جنح الدجى للسفير عبد المجيد حاج الأمين شقيق عبيد حاج الأمين أحد مؤسسي جمعية اللواء الأبيض وشيخ مناضلي الشعب السوداني، وشقيقتهم التشكيلية المعروفة والمرحة ذات الظل الخفيف سعدية، وفيه مسكن الامام عبد الرحمن المهدي وأبناءه وعشيرته، وكذا عشيرة الخليفة عبد الله التعايشي وآلـ مخير وفيه حوش الأمير إسماعيل ود أحمد وأبنائه محمود وعبد الله والخليل وعبد الرحمن وعلي ومهدي والمرحومة السيدة الطاهرة الأمير وسكنه أبناء وأحفاد الأمير يعقوب والأمير يونس الدكيم وآلـ الختيم موسى أحد أمراء وأبطال المهدية، والأمير محمود ود احمد وشقيقه الأصغر الأمير إبراهيم الخليل أصغر أمراء المهدية والذي ناصر عثمان دقنه عندما تم عقد أخطر إجتماع للمجلس الحربي للدولة المهدية للنظر في أمر الخطة الحربية التي يجب أتباعها لمواجهة الغزاة قرب تلال كرري، فأشار دقنة لضرورة الهجوم الليلي، إلا أن المجلس لم يأخذ برأيهما وقرر الهجوم الصباحي، عندها نهض إبراهيم الخليل وقال قولته المشهورة، "المهدية مهديتكم ،، لكين نصرة مافي" وفي صباح اليوم التالي احتفظ "برأي الأقلية" ونفذ "رأي الأغلبية" وداوس في كرري فسقط شهيداً وغبار المعركة يعفر وجهه الصبوح!.
كما تجد فيه آلـ بدري وحوش الخليفة عبد الرحمن الجزولي أحد خلفاء السيد علي وتجد فيه الرباطاب. وفيه حيدر عبد الرحيم المحاسب بالخدمة المدنية ونسيب آلـ إسماعيل الأمير وفيه المهندس مرتضى أحمد إبراهيم شقيق فاطنة وصلاح، كما سكنه الفنان التشكيلى عمر خيرى وكل من فاروق أبوعيسى وغازي سليمان المحاميين. إضافة إلى الصادق المهدي، الطيب محمد الطيب، وفيه دفع الله المك ناصر مك عموم الجموعية والضابط الاداري الأسبق لمجلس بلدي أم درمان، وشقيقه الراحل الطيب المك المحامي القدير، القائمقام عبد الرزاق خير السيد، نعمات مالك، عرفات محمد عبد الله، كما أن جون قرنق سكنه لفتره على شارع الأربعين.
فيه حوش المرحومة السيدة الطاهرة الأمير ، كما سكنه آلـ بدري والرباطاب، كما وتجد آلـ شبو حسن ومحجوب، تجد محمد داؤود الخليف وشقيقه الكابتن البحري عمر، تجد الشهيد الشفيع أحمد الشيخ، وتجد الزائره الصحيه حنينه بت سلاطين باشا أول قابله صحيه في السودان، وفيه فاطمه يونس الدكيم والده الشهيد محمد سليمان الخليفه أحد قيادات البعثيين السودانيين الذي سقطت به الطائرة العراقية ضمن وفد من بغداد كان ينوي الوصول للخرطوم بغرض تهنئة قيادات البلاد السياسية الجديدة التي استلمت زمام السلطة بإنقلاب عسكري جرئ وقع في يوم 19 يوليو 1971 وما يزال لغز سقوطها يحير الالباحثين والدارسين لتلك الأحداث التي يظللها الغموض أيضاً!.
تجد في العباسية عبد الحميد حجوج، أحمد عبد القادر أرباب وتجد معتصم التقلاوي المحامي، تجد آلـ ياجي محمد وإبراهيم وسعد وهاشم وتجد أسرة وخلوة الفكي إبراهيم مرفعين الفقرا، وتجد خلوة قدح الدم. تجد كتيرة داؤود الخليفة وتجد صلاح عبد السلام الخليفة السياسي والقيادي في حزب الامة القومي وحفيد الخليفة عبد الله وتجد زوجته كلتوم داؤود الخليفة عبد الله التعايشي والتي قالت في رحيلها الكاتبة الصحفية بخيتة أمين:ـ { كلتوم بت روضة جميلة المحيا، بديعة التقاطيع ذات شلوخ سوداء أضافت لوجهها الصبوح ذاك جمالاً على جمال، فأصبحت رمزاً لسودانية مشلخة بمساير طويلة وتعرجات حتى الأكتاف، كانت أمرأة من نسيج متفرد، باب دارها مفتوح على مصراعيه، منذ أن تزوجت حتى رحلت، للفقراء دولاب خاص بالملابس والأحذية والملاءات والمعلبات، وفي ركن آخر دفتر للطلاب العاجزين عن السداد وتستقطع من مصروف بيتها لمجابهة من يحتاج، تبتاع أغلى الأثواب لكسوة نساء فشل أزواجهن توفيرها عند المناسبات، تدخل مطبخها شهرياً لتوزع أطباقها وحللها وملاعقها على بيوت خالية من مستلزمات "التكل"، توفر الطلاء بألوانه وأنواعه وتخبئه تحت سريرها، وعندما يحل رمضان ويقبل العيد، تدخل الرضا في نفوس بيوت كستها "الزبالة" قبحاً على قبح فتحيلها بذاك الطلاء إلى شئ بهيج}.
هذا هو إذن حي العباسية التي ترعرعت فيه فقيدة البلاد والانسانية فاطمة أحمد إبراهيم!.
حي العباسية يضم أشهر رجال دين وأتقياء من الذين أشعلوا نار القرآن ووقفوا على حال الدين وعملوا على تفشيه في أوساط أهل السودان كشعيرة شعبية محببة بلا منً أو أذى، لا تطرف ولا صناعة كما هو عليه واقع العقيدة في حياة أمة الرسول صلى الله عليه وسلم اليوم بالبلاد الحزينة، حيث يجيره بعض أهل الاسلام السياسي حالياً في السودان لصالح مشروعهم الدنيوي إبتغاءاً لمرضاة مصالحهم البغيضة، لا لمرضاة الله، فنجد حي العباسية يحتشد بشيوخ أتقياء وأولياء صالحين لله، رجال دين كانت وما تزال خلاويهم ومساجدهم من أقدم مساجد أم درمان بعد جامع الخليفة، كالفكي إبراهيم مرفعين الفقرا، والفكي أحمد قدح الدم صاحب أقدم بيوت الله والذي بناه منذ العام 1898 بعد عودته مباشرة وهو جريح من معركة كرري التي أبلى فيها، وللأسف تم هدم المسجد على أيادي أحفاده وأهل الحي بحسن نية ولكنها سالبة، إبتغاء لتجديده بصورة حديثة، وما درى القوم أنهم بهذا قد مسحوا من الوجود وذاكرة الأمة، معلماً تاريخياً قيماً بلغ المأئة عام، وكان المأمول الحفاظ عليه بهيئته التي كان عليها، ولا بأس من إلحاق بعض التوسعة بصورة حديثة حوله، إن أهل السودان وفي سبيل التجديد والتحديث و"مآرب أخر" يضيعون تراثهم ويهدمون عبق تاريخهم التليد، وقد حدث ذلك لأكثر من معلم بمدينة أم درمان وغيرها من مدن السودان، لقد ضاعت معالم حوش الخليفة وجامع أم درمان وسوق النسوان بداخل سوق أم درمان، وكذا بالنسبة لسوق الشجرة في أم درمان، كل ذلك بدعاوي التحديث والتجديد للأسف الشديد.
كما عاش في حي العباسية العارف بالله شيخ البدوي بقبته الشهيرة التي تتلآلآء من البعد لكل متوغل لداخل حي العباسية كأحد المعالم البارزة لهذا الحي العريق، وهو رئيس مشيخة علماء الدين منذ العام 1911م، وقد أوضح صلاح أخو فاطنة في إحدى كتاباته الأدبية كيف أنه وشقيقه مرتضى وأختهما فاطمة نفسها قد نهلوا من المعارف الدينية على يد الشيخ البدوي في خلوته التي كانت تجمع شفع وشافعات الحي، كذا تلقى السيد عبد الرحمن المهدي وكثير من أهله أولى علومهم الدنية على أيادي الشيخ البدوي، وهو الذي قيل ـ والعهدة على من قال ـ أن الفلاتية قد تغنت له بصوتها الشجي أغنيتها الشهيرة:ـ
"بلال تزورني مرة ،،
أنا يا ود البدوي تزورني مره"
لهم جميعاً الرحمة والمغفرة والسلوان.
وفي العباسية كانت توجد دار الحزب الشيوعي السوداني بشارع الأربعين، تلك الدار التي حاولت جحافل الأخوان المسلمين مع الأنصار إقتحامها في حوادث حلً الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في العام 1965، إلا أن بسالة الشيوعيين السودانيين ومعهم أصدقائهم والمشايعين لبرنامجهم السياسي قد أرغمتهم على التراجع، حيث شاركت في الدفاع عن الدار زميلات وديمقراطيات من حي العباسية، منهن فاطمة موسى، خدوم، وصال، أسيلات الحلو، عزيزة كافي، ثريا أبوعلامة وشقيقاتها. كن خليطاً من عضوات الحزب والاتحاد النسائي واتحاد الشباب. وفي كتابنا بعنوان {الهجوم على حلة الشيوعيين} والموثق لتلك الأحداث يحكي حسن شمت الكادر القيادي بالحزب الشيوعي بعضاً من تلك المآثر حيث يقول:ـ" وفي مشهد استثنائي يندر أن تقع عليه عين، أرغمت إبنة العباسية الراحلة أسيلات الحلو، ومعها زميلة من فرع الحزب بالعباسية، مجموعة من الأخوان المسلمين على الفرار وهما تطاردانهما بـ (مِرِق عنقريب)!".
وعن العباسية يحكي الكاتب والأديب عبد الله الشقليني قائلاً:ـ{كانت تعنى الموضه والتقليعات والفن والشعر والرياضه والسياسه والعلوم والاجتماع والصخب والانسجام والدهشة في اللبس والموسيقى والأزياء وتصفيف الشعر وتشكيل الالوان، كانت عالماً متفرداً ومتانقاً وجذاباً ومدهشاً، كانت سطوة ودوي وطرب وايقاع، وموقع وركن هام ومهم وفاعل له تاثيره وقوة نفاذ سطوته، كانت عالم من فرح وأضواء وخيال جامح، وقيم معانى ورؤى، وتفهم وإدراك وزخم، وربط ومواكب من نور وإشراق وحدائق جمعت بين كل الرؤى والفنون، عرفت زيدان عندما كان طالباً بمدرسة الأهلية الثانوية، لم يكمل دراسته واختار فن الغناء، له صوت كصداح الكنار، تَرِف أوراق زهر العواطف من تشريب اللغة الغنائية وهو يُزخرفها بألوانه الوضاحة، صوته يحمل دفء العواطف، شجياً، يانِعاً وفتياً "..." كان الرائع زيدان إبراهيم فنان شباب السبعينات، اجتمع مع شاعر كوستي التجاني حاج موسى والرائع المُلحِن عُمر الشاعر حتى أطلت علينا:ـ
باب الريدة وانسدّ
أقول يا ربي أيه جَدَّ
أهي الأيام بتتعدى
ونَقعُد نَحسِب في المُدة}
ثم يمضي قائلاً:ـ {كُنا نتتبع سيرتهم في حي العباسية، قُرب ( زُقاق المَدق ) في الصفحة الغربية من الحي. لأهل الحي طعم ونكهة خاصة. تآخت قبائل وأعراق وسكن الود بينهم منذ أكثر من قرن من الزمان. الطُرفة صناعة هينة في ذلك الزمان. تهتز الأرض طرباً من تحتكَ وأنت تسمع أمسيات نادي العباسية، رياضة وثقافة وترفيه، يدعونا صديق العُمر الشيخ محمود الطيب في يوم من أيام الخميس لحفل بدأ بندوة ثم الغناء والطرب إلى منتصف الليل. تشهد اللغة العاشقة وقد وُلدت هناك. بدأ الفرح في النادي واختتمناه في الدار: ـ
ـ أهلاً .. ما تعَرَفنَا ؟
ـ عبد الله
يصيح الفنان زيدان:ـ
ـ كُلنَا عَبيد .. يا جَماعة الأسامِي دي بتجِيبُوها من وين؟}.
***
الشعراء لا تخطئ أعينهم مكامن الجمال واكتشاف مخابئ خزائن الوسامة والملاحة والفتنة، قيل أن شعراء زمن الحقيبة، كانوا يجوبون أحياء العاصمة ولياليها بحثاً عن ملهمات يحركن كوامن الشجن واللوعة لدى أؤلئك الشعراء "المحرومون" في تلك الحقبة، سيما أن الشاعر الكبير أبو صلاح كان قد سكن حي العباسية عند نهاية الشارع المقابل لمنزل أسرة الراحلة فاطمة، ورغم أن تاريخ سيرة الغناء والطرب لم يحدثنا عن ملهمات بعينهن لهذا الشاعر الولهان إلا فيما ندر، ولكن من الوارد جداً أن أبو صلاح قد كتب في إحدى حسان العباسية، سيما وأنه عاش في هذا الحي وارتبط به لمدة تفوق الخمسين عاماً.
وأما بالنسبة لبقية الشعراء، فها هو محمد بشير عتيق يكتب أغنيته الشهيرة والتي أرخ لها أحد أبناء حي العباسية ضمن تراث حسن عطية في أغنيته الشهيرة {هل تدري يانعسان} باعتبارها ضمن أغنيات غزل تلك الفترة لحسان حي العباسية ،، والله أعلم.!:ـ
ليلي ونهاري انا لي حيك بهاجر
ماخذني نورك ياساحر المحاجر
لا اصغي لوم في هواك مابخشي زاجر
مهما الاقي من طول فراقي وفرط اشتياقي
حافظ عهودك وحياة خدودك يا اللي هاجر،،
هل تدري يانعسان انا طرفي ساهر.
ويبدو أن لحاظ حسان حي العباسية قد قتلن أكثر من شاعر ولهان، حدثني الأخ الصادق فضيل ابن السيدة زينب عبد الرحمن المهدي بأن والدته هي المعنية بقصيدة الشاعر سيد عبد العزيز {يا بت ملوك النيل:ـ
يا أخت البدور
مين لي علاك ينيل
في البدو والحضور
الجبرة فيك بتخيل
محمية الحما
الماحام حماه دخيل
كما قيل أن الشاعر عوض أحمد خليفة، كتب في إبنة العباسية الأخرى عواطف يعقوب الحلو والتي عناها الشاعر بإحدى أروع الأغنيات العاطفية:ـ
يا ربيع الدنيا في عينيا
يا نور قلبي يا معنى الجمال
يا اُخت روحي يا أماني هواي
عشت في دنيا الخيال
أنا فيك عشقت الروعة
ما أحلاها في الدل والدلال
****
هذا هو إذن حي فاطنة أحمد إبراهيم، حي العباسية العريق بأم درمان، والذي ينقسم كمساير حسانها إلى قسمين، شرقي عند ضفة شارع الأربعين وغربي عند ضفته الأخرى، وكان بيت الشيخ أحمد إبراهيم يقع ناحية الغرب.
وفي علاقة الفقيدة فاطمة بحي العباسية، هناك واقعة ذات دلالة ،،
فميدان الربيع يعد أحد أشهر معالم حي العباسية حيث يتوسط صحنه الحي غرباً من كل الجهات، وقيل والعهدة على عصمت حسن زلفو وكتابه القيم "كرري" أن الربيع هو أحد قادة المهدية الذي أُعدم بأوامر مباشرة من سلاطين باشا في أعقاب الهزيمة التي منيت بها جيوش الدولة المهدية في تلال كرري ودخول كتشنر وقواته مدينة أم درمان واستباحتها لمدة ثلاثة أيام، تم خلالها إعدام أشهر قوات الدولة المهدية وأبطالها الذين بقوا على قيد الحياة يقاومون ومن بينهم الأمير الربيع بتوجيه مباشر من سلاطين باشا.
والواقعة ذات الدلالة التي نشير إليها ،، أنه وعند زفافها، زفاف فاطنة في العام 1968 شهد ميدان الربيع وسط حي العباسية مراسم عقد الزفاف ولحظات ذاك الحفل المتواضع البهيج، حيث رفض فيه كل من الشهيد الشفيع وفاطنة اتباع عادات البذخ والفشخرة الفارغة والسالبة في الزواج وقررا أن يكون زفافهما شعبياً، فقد سردت لي الراحلة ضمن توثيقي لحياتها أن سائقي المواصلات العامة بالعاصمة، قد تولوا توزيع رقاع الدعوة التي أُسندت لهم إضافة لوسائل الاعلام:ـ " يا ركاب ،، السمع يكلم الماسمع، بعد باكر زواج النائبة البرلمانية فاطنة أحمد إبراهيم من النقابي الشفيع أحمد الشيخ بميدان الربيع في العباسية بأم درمان والدعوة عامة ليكم كلكم" فامتلأت ساحة الربيع بالمدعوين، والذين كان من بينهم جموع من الشحاذين والعمال والعتالة وأبناء السبيل، حيث هجموا على اللوري الممتلئ بالموز يتخاطفوه، لحظتها وقفت فاطنة وسط المدعوين تقول لهم بروح منشرحة:ـ "الليلة أنا والشفيع أسعد الناس لأنو شاركنا في زواجنا كل هذا الكم الهائل من الفقراء اللي ما عندهم إمكانية يأكلوا موز، اليلة أكلوه ليلة زواجنا".
كما شهد ذات الميدان إحتفالاً شعبياً إحتفى فيه أهلها وجيرانها بانتصارها الباهر عام 1965 ونجاحها في الدخول كأول أمراة في الوطن العربي وأفريقيا كبرلمانية ممثلة لنساء السودان قاطبة عندما منحن أصواتهن لها ثقة ومحبة.
تكر السنوات كر المسبحة فيشهد نفس صحن الميدان التاريخي مراسم الصلاة على روحها الطاهرة وبداية سير موكب تشييعها المهيب إلى مثواه الأخير بمقابر البكري بأم درمان. رحمها الله ،، فاطنة السمحة الدغرية.
هذا هو إذن حي العباسية التي ترعرعت فيه فقيدة البلاد والانسانية فاطمة أحمد إبراهيم!. عفواً لمن فات علي ذكرهم أو الاشارة إليهم من أهل حي العباسية الكرام في هذا التوثيق وهم كثر ،، لهم ولهن جميعاً التقدير والاحترام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.