عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
د. عمر بادي
عمود : محور اللقيا
رمضان كريم و يحب كل كريم و مهما فعل الزمان بالمواطن السوداني يظل على طبعه كريما و جائدا بالموجود و لكن الموجود في تناقص . تردي الأوضاع المعيشية صار ظاهرا للعيان و في إطراد شهريا ناهيك عن سنويا , فقد ظل الإرتفاع الشهري لمعدل التضخم يقارب نسبة 2-3 % . الناس في ضيق متزايد و كان الله في عون الجميع . لقد بينت إحصائية رسمية أن تكاليف الحياة المعيشية الشهرية لأسرة متوسطة العدد تعادل الستة آلاف جنيها ( ستة مليون بالقديم و هذا يعادل مرتب بروفيسير جامعي ) . هذا يعني أن 90% من الأسر السودانية تعاني من أوضاع معيشية صعبة وأن دخولهم الشهرية لا تكفيهم بتاتا ! لقد صار سؤال الناس و طلب المساعدة أمرا لافتا في الطرقات و في الأسواق و في مواقف البصات و في المساجد خارجها و داخلها , و تعدى ذلك إلى طرق أبواب البيوت و الشكوى من الفاقة و ( الحوجة ) في أوقات لا تحترم حرمة البيوت .
في ساحة احد المساجد و قبالة باب الخروج من داخله جلست سيدة عليها دلائل الإحترام في مقعد لها و صارت تنادي في المصلين الخارجين طالبة المساعدة و انها تعيل أسرتها و قد ترك لها زوجها معاشا شهريا لا يكفيهم و مساعدة أقربائها محدودة و أن لا حل لها آخر غير طلب المساعدة . هل يوجد حل آخر لهذه المرأة و امثالها غير التسول في ظل البطالة التي تفاقمت وسط الباحثين عن العمل من الخريجين ناهيك عن غير الخريجين ؟ لا أنكر هنا أنه كان للمغتربين و المهاجرين السودانيين دور مقدر في إعانة أقربائهم و سد فجوة النقص المعيشي لديهم و لكن تناقص دورهم مع تناقص فرص العمل و تناقص رواتبهم في اماكن أعمالهم في دول العالم المختلفة , بل و هاهم يتوافدون عائدين الى الوطن بناء على قوانين العمل في تلك البلاد و تقدر أعدادهم مع أسرهم بعشرات الآلاف ! هل توجد خطط لإستيعاب هؤلاء القادمين في وظائف أو مشاريع يعتاشون منها عيشا شريفا , أم سوف تستوعبهم المهن الهامشية و السمسرة ؟ إن غاية المغترب إذا إدخر أن يمتلك بيتا ثم مشروعا يعتاش منه , و لكن ليس كل المغتربين يتمكنون من إنجاز ذلك و بذلك تظل آمال العودة عند معظمهم معلقة و غير مرغوبة خاصة وسط النساء .
توجد بين ظهرانينا حلول أخرى غير شريفة و قد طرقها البعض و تذرعوا فيها بمقولة ( الجوع كافر ) و أتوا بإفرازات صارت ملء السمع و البصر مثل كسر السيارات و البيوت و خطف الموبايلات في الطرقات من أجل السرقة , و الترويج للمخدرات و للخمور , و خطف الأطفال و الشباب في سيارات بعد تخديرهم ثم إستئصال أعضائهم ليموتوا بعد ذلك , كما حدث قريبا للطفل محمد محجوب الزين الذي وجد ملقيا في النيل بعد انتزاع كليتيه و قتله يرحمه الله و يلهم آله الصبر , ثم قوادة الطالبات إلى زبائن و أخدان الرذيلة و زواج المتعة و تزايد أطفال دارالمايقوما , ثم تطور أساليب النصب و الإحتيال و الدجل و الشعوذة و الفساد المالي ...
لقد أصابت الضائقة المالية المواطنين في مقتل , و أقول بكل صدق جل المواطنين و ليس كلهم , فقرابة ال 5% من الواطنين يملكون من الأموال و الممتلكات ما يجعلهم لا يحسون بأية ضائقة معيشية , ثم يأتي بقايا الطبقة الوسطى الذين يستطيعون تدبير أمورهم و قد أضحوا قلة مقارنة بما كانوا سابقا !ّ أما الغالبية من الفئات الضعيفة فإن معظمهم من الوافدين إلى العاصمة من مناطق النزاعات و الحروب و الجفاف البيئي و الإقتصادي و هؤلاء يكتفون بوجبة واحدة في اليوم و هذه الوجبة الواحدة صارت في تناقص سواء في حجمها أو في قيمتها الغذائية , فقد صارت عند فقراء المواطنين عبارة عن ( بواقي ) الدجاج كالأرجل و الرؤوس , و ايضا ( بواقي ) المواشي كالأظلاف و الآذان و الشحوم و العظام و ( العفشة ) بل و الجلود أيضا ! فقد ورد في تحقيق صحفي صادم في صحيفة ( الصيحة ) قبيل شهر رمضان الجاري , أن في أسواق معينة بأطراف العاصمة تباع في مطاعمها وجبات من جلود الحيوانات بعد نتف الصوف منها و تقطيعها إلى قطع صغيرة و تطبخ في شكل شواء أو مرق ! لقد أكل المواطنون قديما الجلود في مجاعة سنة ستة (عام 1306 هجرية) في الدولة المهدية أثناء حكم الخليفة عبد الله التعايشي , و كان سبب المجاعة عدم التعايش السلمي داخل السودان و إجبار المزارعين على ترك الزراعة و تجنيدهم للجهاد و الفتوحات شرقا و شمالا , فالحرب دائما هي السبب الرئيسي في تردي الأوضاع المعيشية ! يقول المثل الشعبي ( عايرة و أدوها سوط ) فرغما عن سؤ الأحوال التي يعاني منها المواطن السوداني , و كأن الذي فيه غير مكفيه , يظهر وباء الكوليرا و ينتشر رأسيا و أفقيا و يظل المسؤولون في الحقل الطبي يرددون أنها إسهالات مائية لا تستدعي إعلان الطوارئ ! لقد كثرت الهموم على المواطنين ( فتدمدموا و ناموا ) حتى أصيبوا بالإحباط جراء الضغوط النفسية و ها هو الدكتور بلدو المستشار النفسي يصرح أن 60% من المواطنين السودانيين مصابون بأمراض نفسية كما ورد في وسائل الإعلام !
( السودان سمح بناسه ) مقولة طالما سمعناها منذ كنا صغارا , لكن لا يعرف المرء معناها إلا إذا سافر و إمتزج بشعوب العالم , حينها يتيقن أن للسودان خصوصية تتجسد في ناسه ! السودانيون مشهورون بطيب معشرهم و بتكافلهم و بالجود بالموجود و لو قل و ينطبق عليهم المثل ( الفقراء إتقسموا النبقة ) و تنطبق عليهم الآية الكريمة ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) صدق الله العظيم , و هذا إرث فيهم و في جيناتهم رغم ضيق الحياة المعيشية , فترى بسائط إفطار رمضان معدة أمام البيوت على الطرقات و ترى تبادل وجبات الطعام بين الجارات من فوق الحوائط . لقد سعى الشباب من أجل محاربة الغلاء إلى تكوين الجمعيات التعاونية في الأحياء و في القرى و صارت تلعب هذه الجمعيات التعاونية دورا كبيرا في تخفيف أعباء المعيشة على الأعضاء , و لنا تجربة ناجحة في جمعية البيت السعيد التعاونية في الحي الرابع في حلفاية الملوك .
هذا الدور الشعبي للتكافل و للتعاونيات لا بد أن يرافقه دور حكومي يهدف لرفع المعاناة عن كاهل المواطن السوداني و يكون أكبر من دور الزكاة المحدود . من أجل ذلك دعت الحكومة للحوار الوطني و جعلت أهم أهدافه وقف الحرب و إيصال المساعدات للمتضررين ثم إفشاء السلام , و لكن انتهى الحوار الوطني و لم تنجز تلك الأهداف الثلاثة , و أحيل أمر إنجازها لحكومة الوفاق الوطني و قد صرح السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية و رئيس مجلس الوزراء أن أهم واجبات حكومته إنجاز تلك التوصيات الثلاثة بل و أضاف عليها إصلاح الخدمة المدنية و محاربة الفساد ! إن 70% من ميزانية الدولة تذهب للدفاع و الأمن و أن مئات و آلاف الملايين تذهب مع تدهور الخدمة المدنية و مع الفساد , فإذا تم تطبيق وقف الحرب و توصيل المساعدات للمناطق المتضررة و تم إفشاء السلام و تطبيق مبدأ الشفافية و محاربة الفساد , ذهبت معظم ميزانية الدولة للتنمية و لتخفيف أعباء المعيشة و للتعليم و للصحة . لماذا لا يسعى أصحاب الحس الوطني و الذين يستشعرون مسؤوليتهم تجاه مواطنيهم سواء كانوا في صفوف المعارضة أو الحكومة إلى نكران ذواتهم و العمل لتقليل أوجه الخلاف و من ثم التوصل إلى حلول عادلة تخرج بلدنا و مواطنيها من أزمتنا الراهنة , أكرر حلول عادلة كما حدث في جنوب أفريقيا التي إستمر نظام الفصل العنصري لمدة ثلاثة قرون , و عسى أن يكون لدول الترويكا و الإتحاد الأفريقي شأن في ذلك .
اللهم نرفع أكفنا ضارعين إليك , يا عالم ما في الصدور و الأرحام , أرحم أبناء و بنات السودان و أستجب لدعائهم يا حنان و يا منان , و زل عنهم الهم و الغم و الكرب , إنك على كل شئ قدير .
////////////////
/////////////