عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
تهنئتي القلبية لطلاب جامعة الخرطوم الأشاوس الذين صمدوا لمدة أربعة أيام حسوما , يذودون فيها عن جامعتهم في وجه التتار الباطشين و ما لديهم من أسلحة قاتلة و معيقة , فقد ظلوا يرمونهم  بحجارة من طوب الصمود في بسالة تجبر الجنود على التقهقر الي خارج سور الجامعة ثم يغلقون بوابات الجامعة من خلفهم , و قد ورد ذلك بالصوت و الصورة في فيديوهات تبادلتها وسائل التواصل الإجتماعي , بينما الطلاب يهتفون : ( الجامعة جامعة حرة , و العسكر يطلعوا برة ) و ( حرية سلام عدالة , الثورة خيار الشعب ) . حقا إن الطلاب هم دائما و ابدا كتيبة الصدام الأولى , و لطالما رددت ذلك في كتاباتي !
لقد أّذاع الدكتور عمر محمد صالح الأمين العام لمجلس الوزراء خبرا ذكر فيه ان المجلس لم يصدر أي قرار بنقل جامعة الخرطوم من موقعها الحالي في اجتماعه الأخير ! الأمور بخواتمها , و الرجوع الي الحق فضيلة ولو كان  إجبارا . بداية الأمر كان خبر وكالة الأنباء السودانية ( سونا ) قبيل الهبة الطلابية و الذي ذكرت فيه أنه سوف يتم نقل كليات جامعة الخرطوم إلى سوبا , هكذا في تعمية مقصودة , فتناقلت وسائل التواصل الإجتماعي هذا الخبر خاصة في الواتساب و الفيس بوك , و قد زاده تأكيدا حديث السيد محمد أبو زيد وزير السياحة و الآثار لصحيفة (اليوم التالي ) و تأكيده لخبر بيع كل المباني الحكومية التي علي شارع النيل و أنهم سوف يعتبرون مباني الجامعة مبان أثرية . بعد ذلك تضاربت الأقوال فذكر مدير الجامعة أن المقصود بالنقل هي مباني كلية الطب و الصيدلة , بينما نفت السيدة سمية أبو كشوة وزيرة التعليم العالي أن يكون هنالك قرار من مجلس الوزراء بخصوص نقل الجامعة . الآن في مساء يوم الجمعة و أنا أعد مقالتي الحالية للنشر إستمعت في الأخبار أن مجلس جامعة الخرطوم يؤكد بقاء الجامعة في مبانيها و عدم قابليتها للبيع أو الرهن ! إنه تأكيد قاطع و لو جاء متأخرا .
الواضح في الأمر أنه كان بالونة إختبار لمعرفة قوة هبة الريح , و كان هبوب الريح عنيفا , و كان جسا للنبض , و كان النبض قويا . إعتبر المدونون و المعلقون في وسائل التواصل الإجتماعي أن جامعة الخرطوم ( الجميلة و مستحيلة ) خط أحمر غير مسموح المساس بها , لما لها من مكانة سامية في وجدان الشعب السوداني كرمز تاريخي يمتد منذ عام 1902 و كرمز وطني يمثل قلعة للحرية ضد الأنظمة الدكتاتورية و كمفجرة لثورة أكتوبر 1964 و انتفاضة أبريل 1985 . لمن لا يعرف معنى الإسم ( جميلة و مستحيلة ) أن جامعة الخرطوم منذ زمن الإستعمار الإنجليزي كانت على مستوي جامعة لندن و كان القبول فيها صعبا و كذا الإستمرار فيها حتى التخرج و لذلك سماها الطلبة  بذلك الإسم و الذي هو في الأصل إسم أغنية لفنان أفريقيا محمد وردي و من كلمات شاعر الشعب محجوب شريف .
 البداية كانت تجمع الطلاب في مجمع الوسط للتخاطب و للهتافات السلمية , ثم انتشر تجمع الطلاب في مجمع شمبات , و كانت مصادماتهم مع القوات الأمنية و تساقط الطلاب من الرصاص الحي و المطاطي و من الغازات المسيلة للدموع , و لم يكن هنالك أي تخريب لمباني الجامعة و التظاهر مكفول في الدستور , و رغم ذلك إستعملت قوات الأمن العنف و القوة و إعتقلت الكثيرين من الطلبة و الطالبات , رغم أن مطالب الطلاب لإدارة الجامعة انحصرت في عودة إتحاد الطلاب قانونيا و منع الأجهزة الأمنية من دخول الجامعة و حظر التنظيمات الجهادية التي تتخذ من مسجد الجامعة مخزنا لأسلحتها و التأكيد علي إستقلالية الحرس الجامعي عن أجهزة الأمن و إظهار نتائج التحقيقات عن مقتل الطلاب في الجامعة . لقد دافع الطلاب عن جامعتهم عند توغل قوات الأمن , فردوهم بالحجارة و بالعصي و بإعادة إلقاء قنابل الغازات المسيلة للدموع ( البمبان ) عليهم و لم يلوذوا بالفرار و هذا تطور حميد , و إحتلوا شارع الجامعة و قفلوه في وجه المرور . لقد تنادى خريجو جامعة الخرطوم في وسائل التواصل الإجتماعي لمؤازرة الطلاب دفاعا عن الجميلة و مستحيلة و من الواضح أنهم قد أتوا و شاركوا .
لقد صدرت بيانات من أحزاب المعارضة , فقد أصدر حزب الأمة القومي بيانا دعا فيه شباب حزبه للإنضمام لمظاهرات طلاب جامعة الخرطوم , وكذلك دعا الحزب الشيوعي أعضاءه و منتسبيه , و كذا فعلت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال , و أيضا حزب المؤتمر السوداني الذي ردد  الطلاب شعاراته و زاد على بقية الأحزاب في خروج شبابه في بري و قفلهم لعدة شوارع . من الملفت أنه لم تلعب تنسيقية التنظيمات الشبابية اي دور , و كذلك لم تلعب تنسيقية أحزاب المعارضة و إنما ترك أمر المشاركة للخيارات الفردية . كذلك لم يكن هنالك دور لإتحادات الطلاب في جامعات النيلين و السودان . كذا الحال للنقابات لم يكن لها أي دور و لا أدري أين نقابات الظل التي قيل أنها قد تكونت . لقد جرى بخاطري ما كانت تقوم به النقابات من تضامن كنقابتي عمال النقل الميكانيكي و المخازن و المهمات من خروج و سد للطرق المؤدية لكبري النيل الأزرق , و كذلك ما كانت تقوم به  نقابات الأطباء و المهندسين و المحامين .
لقد تابعت موقف أولياء أمور طلاب جامعة الخرطوم و تجاذبهم بين تأييد و تشجيع صمود الطلاب دفاعا عن حرم جامعتهم و بقائها و بين خوفهم عليهم من بطش القوات الأمنية , و حقيقة فقد تم إعتقال الكثيرين من الطلبة و الطالبات , رغما أن التظاهر مكفول في الدستور و لم يحدث اي تخريب , و قد صدر بيان من أولياء أمور الطلاب المعتقلين أنه لم يتم إخطارهم  باماكن تواجد معتقليهم أو متى يتم إطلاق سراحهم .
   أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم  وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد  و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني القديم العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم  و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !