عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
               
عمود : محور اللقيا
( ... قال مغني القرية بلغته المحلية في أغنيات وداعه للحلة النازحة إلى معسكر كلمة أمام هجمات الجنجويد : إذهبوا إذهبوا ... هذا ما تريده الحكومة ... إذهبوا إذهبوا ... و سيحل مكانكم الجنجويد ... و هذا ما تريده الحكومة ... أنا سوف أبقى في ارضي للأبد ... و هذا ما تخاف منه الحكومة ... إذهبوا إذهبوا ... ) الروائي عبد العزيز بركة ساكن , في روايته ( مسيح دارفور ) .
لقد ورد في الأنباء أن لجنة تنسيق شؤون الأمن في محلية الخرطوم قد اتخذت في إجتماعها الأخير التدابير اللازمة لتنفيذ قرار مجلس الوزراء بتقنين وضع لاجئي دولة جنوب السودان و معاملتهم كأجانب و تطبيق قوانين الجوازات و الهجرة و الجنسية عليهم و إرجاعهم من الأحياء في المدن إلى داخل المعسكرات , و ذلك بعد إنقضاء مدة الأسبوع التي قررها مجلس الوزراء كإنذار لحكومة جنوب السودان حتى تتخلى عن دعم الحركات المسلحة السودانية . حكومة جنوب السودان نفت ذلك على لسان سفيرها في الخرطوم و أيضا على لسان وزير خارجيتها المقال حاليا , بل و رمت بكرة الإتهام على ملعب الحكومة السودانية و أبانت بالدليل دعمها لقوات رياك مشار و هكذا يستمر الحال بين الإتهام و الإتهام المضاد . لكن ما جريرة اللاجئين الجنوبيين الذين وعدهم السيد رئيس الجمهورية أن يعاملوا في السودان كمواطنين و أن يتمتعوا بالحريات الأربعة , و هم يهربون من ويلات حرب أشعلتها حكومتهم في صراع من أجل السلطة و لم ترث لحالهم ؟ و لماذا يعاملون هذه المعاملة السيئة بينما تفتح أبواب الحدود  و المطارات للاجئين الآخرين من دول الجوار و غيرها ؟ حقا لماذا إتخذت الحكومة السودانية هذا القرار المتشدد و المجحف في حق اللاجئين الجنوبيين الأبرياء بل و تمادت و قفلت الحدود ؟ الإجابة سوف آت بها لاحقا في هذه المقالة .
لقد أسمت الحكومة السودانية صيف العام الجاري 2016 بصيف الحسم , و عنت أنه في هذا الصيف سوف تحسم أمر التمرد و تنهي الحرب في دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق , مع أن أعوام الحسم التي قررتها الحكومة قد شملت الأعوام الخمسة الماضية , و لكي تتوصل الحكومة هذه المرة إلى قرارها ذاك فقد قامت بعمل الآتي :
1 – تحسين العلاقات السياسية و الإقتصادية مع دول الجوار و تقوية العلاقات الأمنية عن طريق وقف النشاطات المعادية و تسليم المعارضين و المنشقين لدولهم و عدم إيواء و دعم الحركات المسلحة المعارضة . لقد كانت نتيجة هذا العمل مثمرة مع تشاد , و مع أثيوبيا , و مع إريتريا , ومع مصر , و كانت بين بين مع دولة جنوب السودان , و توقف فعلها مع ليبيا بعد ضموروضع الإسلاميين و بروز دور الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر, و مع أفريقيا الوسطى ظل الوضع هادئا .
2 – تكوين القوات المشتركة لتأمين و حراسة الحدود بين دول الجوار . لقد تكونت هذه القوات المشتركة مع تشاد أولا و عندما نجح دورها في وقف الحراك و الدعم عبر الحدود لحركات دارفور المسلحة , تم تعميمها بين السودان و أثيوبيا في مناطق الحدود بين ولاية النيل الأزرق و إقليم بني شنقول فعملت القوات المشتركة علي تأمين الحدود من المتفلتين و المهربين و علي وقف الحراك و الدعم للحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال , و أيضا حدث نفس الأمر بين ولاية القضارف و إقليم تقراي لردع المتفلتين و الشفتة و المهربين . أما في الحدود بين ولاية كسلا و دولة أريتريا و بين السودان و مصر فلم يتم تصعيد حراسة الحدود إلى قوات مشتركة و ذلك لإنتفاء تمترس الحركات المسلحة المعارضة على هذه الحدود .
3 – تعزيز متحركات الردع من القوات المسلحة و الأمن إلى مناطق العمليات في دارفور و المنطقتين . في الأسبوع الماضي هجم الجيش السوداني على معقل حركة جيش تحرير السودان - عبد الواحد محمد نور في جبل مرة و أدى ذلك إلي نزوح 120 ألف من المواطنين من قراهم , و بقيت قوات عبد الواحد محصورة في أعلى جبل مرة كما صرح بذلك السيد كبير مساعدي رئيس الجمهورية . كذلك تحركت أرتال من الجيش السوداني إلى جنوب كردفان للإستيلاء على معاقل الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال في كاودا و ما جاورها . كذلك حدث الأمر في النيل الأزرق جنوب الكرمك .
الآن تستمر الدعوات للحركات المسلحة للتوقيع على خارطة الطريق المقترحة  في تزامن مع حملات الجيش السوداني و قوات الأمن على معاقلهم في جبل مرة و المنطقتين , و ذلك من أجل إرغامهم للإنضمام إلى الحوار الوطني و هم صاغرون . إن التعويل على خنق الحركات المسلحة المتمردة بقفل الحدود أمام تحركاتها و وقف الإمدادات العسكرية لها من أجل إضعافها  ثم شن هجوم كاسح يقضي عليها , كان هو الهدف , و لكن حدث ما جعل الحكومة السودانية تكيل الإتهامات لدولة جنوب السودان بدعمها العسكري و اللوجستي للحركة الشعبية – قطاع الشمال , لأن ذلك تراه قد أفشل مخططها !
إن التضييق على الحركات المسلحة المعارضة و حصارها في الأركان الضيقة و محاولة القضاء عليها سوف يسبب ردود أفعال تنتقل بوسائل المواجهات من تلك الميدانية إلى وسائل اخرى مدنية أي في داخل المدن في شكل تفجيرات و إغتيالات . هذا ما يفعله القط حين يهاجم في ركن ضيق فيستميت في شراسة ! لذلك , لا بد من التوصل إلى إتفاقيات سلمية و عادلة بين الحكومة و الحركات المسلحة و أحزاب  قوى المعارضة الحقة من أجل الحفاظ على وحدة الوطن و تقدمه , و لا بد من الجدية و خلوص النية و ترك التعمية ( الدغمسة ) من جانب الحكومة . اليوم صدرت تصريحات من الحكومة أن خارطة الطريق الموقعة من الحكومة و الإتحاد الأفريقي غير قابلة للإضافة أو الحذف ! هل هذا يمثل قطعا للطريق  لأي حلول وسط ؟ لقد أمهلت مفوضية الإتحاد الأفريقي الحركات المسلحة و حزب الأمة إلى يوم 28/3/2016 للتوقيع على خارطة الطريق , و الحركات المسلحة تقول أن أمبيكي قد فقد حياده و انحاز عيانا إلى جانب الحكومة , بينما على الوساطة انفاذ قراري مجلس السلم و الأمن الأفريقي رقم 456 و 539 . هكذا و بعد جولات أمبيكي المكوكية الأثنتي عشر ليس من المستبعد أن ينتقل مجلس الأمن الدولي الى ايجاد وساطة أقوى , و ربما ينتقل الى تطبيق قراره رقم 2295 و التدخل العسكري في السودان .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم  وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد  و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني القديم العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم  و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !