عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.                          

عمود : محور اللقيا

لقد عرف الناس في السودان قصص قطاع الطرق المعروفين بإسم الهمباتة منذ عقود عدة مضت , خاصة في سهول البطانة و منطقة شرق السودان عامة , و قد حدثنا التاريخ أن تاجوج الموسومة بقصة العشق التراجيدي بينها و المحلق قد أغتيلت قبل قرن و نصف من الزمان عندما هاجم قطاع الطرق القافلة التي كانت بها و هي في طريقها من قريتها ( ود الحليو ) إلى كسلا شمالي نهر عطبرة . في نفس هذه المنطقة الحدودية كان يتوغل قطاع الطرق الأثيوبيون الذين يسمون بالفالول و الشفتة و كانوا ينهبون ثم يعودون أدراجهم . يحدث هذا رغما عن إتفاقية الحدود بين أثيوبيا و السودان منذ عام 1902 و التي عرفت بالمعاهدة الأنجلو – أثيوبية و قد قام الميجور قوين بموجبها بوضع العلامات على الحدود , و مرة ثانية إعترفت إثيوبيا بهذه الحدود في عام 1972 أيام الإمبراطور هيلاسلاسي و الرئيس نميري . كان قد تم تكوين لجنة مشتركة من الجانبين السوداني و الأثيوبي لترسيم الحدود في بداية الألفية الثالثة و قد باشرت أعمالها و لكن كان الأثيوبيون يلجأون إلى التماطل في عمل اللجنة و في عام 2004 توقف عمل اللجنة نسبة لعدم سداد المبلغ اللازم دفعه من الجانبين لمواصلة العمل و هو مبلغ 14 مليون دولار !

في الأيام الماضية حملت الأنباء ما لا يسر في منطقة الفشقة و قد توالت تصريحات المسؤولين السابقين و الحاليين في ولاية القضارف , بعد أن أماط اللثام الإعلام المقرؤ و المرئي عما يحدث من تعديات و تفلتات أثيوبية على حدودنا الشرقية و تبين أن الشفتة يأتون مسلحين بأسلحة ثقيلة مدعومين من الجيش الأثيوبي و أنهم يروعون المزارعين , و قد قتلوا حتى الآن أكثر من 25 فردا منهم مما جعل المزارعين يلوذون بالفرار إلى الداخل و يتركون مزارعهم و قراهم , و أن الأثيوبيين قد إختطفوا 20 مواطنا سودانيا و طلبوا فدية تعادل 360 مليون جنيها كي يعيدونهم و قد تم لهم ذلك , و قد صرح أخيرا السيد معتصم عبد الجليل معتمد القلابات الشرقية السابق بأن الأثيوبيين يحتلون 2 مليون فدان من الأراضي السودانية شرق العطبراوي و يبنون الآن ثلاث قرى للإستيطان فيها . أما سفيرنا في أثيوبيا السيد عثمان نافع فقد قال أن المليشيات المسلحة يتبعون حكومة إقليم الأمهرا المتاخم للفشقة و لا يعترفون بالحدود الحالية و يريدون أن يتوسعوا , و نحن ( السفير و حكومته ) لا نريد أن نفسد علاقتنا معهم و لا تمثل الحدود أولوية لنا !

منطقة الفشقة تقع على طول الحدود مع أثيوبيا بمسافة 168 كيلومتر و مساحتها الكلية 5700 كيلومتر مربع و تنقسم إلى الفشقة الكبرى و تقع ما بين نهري ستيت و العطبراوي الفرع , و الفشقة الصغرى تقع ما بين العطبراوي الفرع و إلى باسوندا و القلابات . يزرع المزارعون السودانيون حاليا 384 ألف فدان بينما يزرع المزارعون الأثيوبيون 720 ألف فدان أي قرابة ضعف ما يزرعه المزارعون السودانيون و أن عدد المزارعين الأثيوبيين 1252 مزارع بينما عدد المزارعين السودانيين 24 مزاعا ! و أن المنطقة غنية بزراعة الذرة و السمسم بواسطة الآليات الحديثة و بجمع الصمغ العربي من أشجار الهشاب و أيضا غنية برعي المواشي . هذا ما ورد في التقرير الذي نشرته صحيفة (اليوم التالي ) بتاريخ 10/11/2015 و قد ورد فيه أيضا أنه كانت هنالك تفاهمات بين حكومتي السودان و أثيوبيا منذ عام 1995 قد جعلت المنطقة الحدودية بين البلدين خالية من جيشي البلدين و لذلك توجد فقط في الجانب السوداني كتائب الدفاع الشعبي مقابل الشفتة و المليشيات المسلحة الأثيوبية ! و المجلس الوطني يقول بإجراء محادثات مع الحكومة الأثيوبية , و وزير الخارجية غندور يقول بإستمرار ترسيم الحدود , و كما هو معروف فإن الأثيوبيين يماطلون في ترسيم الحدود .

من أجل إيجاد مداخل و حلول لقضية الفشقة إنعقدت ورشة في القضارف خلال الأسابيع الماضية لمناقشة قضية الإحتلال الأثيوبي للفشقة و قد خرجت بتوصيات في غاية الأهمية و هي :

1 - عمل مشاريع لتنمية المنطقة ( الفشقة الكبرى و الفشقة الصغرى )

2 – بناء عدة جسور على نهر عطبرة و فرعه نهر ستيت لربط المنطقة بالمناطق الداخلية

3 - عمل طريق بمحاذاة الحدود من القلابات إلى حمدائييت

4 – إنشاء قرى نموذجية داخل المنطقة و تشجيع المواطنين للبقاء بها

5 – توفير الأمن للمزارعين كي يعودوا إلى مشاريعهم و تعويضهم عن خساراتهم

6 – تقنين وضع المزارعين الأثيوبيين

7 – دفع عجلة التعاون الإقتصادي بين الدولتين

إنني أرى أن هذه التوصيات المهمة يجب إعادة ترتيبها حسب الأولوية و يجب إيجاد مداخل من أجل الحفاظ على الأجواء الصافية بين السودان و أثيوبيا , و التي لا يريد الإنقاذيون أي تعكير لها , و خير وسيلة لذلك هي النقر على وتر المصالح الأثيوبية التي لدينا , و بذلك أرى الحل في الخطوات التالية :

1 – التشديد على ترسيم الحدود , برفع الأمر للإتحاد الأفريقي أولا و مقره في أديس أبابا و الحكومة الأثيوبية أشد إلتزاما بقراراته , و من قراراته أن تظل الحدود التي تركها المستعمر بين الدول الأفريقية معترفا بها حتى تنتهي النزاعات من التداخل السكاني , و أن يتم ترسيم كل الحدود بين الدول الأفريقية قبل نهاية عام 2016 . ثم يتم مخاطبة الحكومة الأثيوبية لمعاودة عمل اللجنة المشتركة لترسيم الحدود بين البلدين مع توفير مبلغ ال 14 مليون دولار المطلوب من الجانبين , و أن المزارعين الأثييوبيين إذا ارادوا الإستمرار في الزراعة في أرض الفشقة عليهم دفع إيجار الأرض للحكومة السودانية بالطرق المقننة , و للسودان الحق في حماية أراضيه و مواطنيه من قطاع الطرق و المتفلتين .

2 – بالتزامن مع التحرك السابق يتم تذكير الحكومة الأثيوبية بالعمل في بناء الميناء الجديد على البحر الأحمر الذي منحت الحكومة السودانية أرضه لأثيوبيا , و أن الحكومة السودانية من جانبها سوف تقوم بعمل طريق بمحاذاة الحدود من القلابات إلى حمدائييت و منها شمالا عبر همشكوريب إلى سواكن ليلتقي مع طريق سواكن – بورتسودان و سوف يستعمل هذا الطريق في تصدير و إستيراد البضائع الأثيوبية عبر منفذ الحُمرة– حمدائييت في الشمال أو منفذ المتمة - القلابات في الوسط حيث تتمدد من المنفذين الطرق البرية إلى داخل أثيوبيا , و سوف يستفيد السودان من رسوم العبور و من الخدمات على الطريق و من الأمان .

3 – سوف يتطلب عمل طريق القلابات- سواكن إنشاء الكثير من الجسور على نهري عطبرة و ستيت ,و هذا سوف يساعد على ربط منطقة الفشقة بداخل السودان .

4 – البدء في تنفيذ إتفاقية المشروع الزراعي المشترك بين السودان و السعودية لزراعة القمح بالري الدائم من سدي أعالي عطبرة و ستيت , و هذا المشروع سوف يغطي مساحات واسعة من الفشقة الكبرى و بموجبه سوف تقام الكثير من القرى النموذجية و سوف تنتعش المنطقة .

5 – يمثل المستثمرون السودانيون في أثيوبيا الرقم الثاني في قيمة الإستثمارات الأجنبية و هذا رقم له وزنه , و من أجل دفع عجلة التعاون الإقتصادي بين البلدين يمكن طرح إقتراح للحكومة الأثيوبية بمد قناة المفيض من سد النهضة و تعديلها كي تعمل للمفيض و للري الإنسيابي الدائم و إقامة مشروع زراعي مشترك عليها , بدلا عن أن تعمل كمفيض فقط تحمي السد من الغرق عند ارتفاع منسوب البحيرة فوق المعدل , و قد أوردت إقتراحا بذلك في مقالتي ( التأثيرات الكهرومائية لسد النهضة الأثيوبي 2 ) بتاريخ 18/4/2015 و المقالة يمكن استرجاعها بمحرك البحث قوقل , و هذا المشروع الزراعي المشترك بين السودان و أثيوبيا سيكون متمددا مع منحدر الأرض داخل الأراضي السودانية .

6 – من المتوقع أن يتعنت الأثيوبيون و يماطلون في مسالة الإعتراف بالحدود , خاصة من حكومة إقليم الأمهرا بحجة أن الفشقة إرث تاريخي لهم , و على الجانب السوداني تذكيرهم بكل ما أوردت ذكرهآنفا و إضافة لذلك تذكيرهم أن إقليمي بني شنقول و جمبيلا الأثيوبيين كانا إقليمين سودانيين و أن الإنجليز قد منحوهما لأثيوبيا كترضية للقبول بالحدود التي رسمها الميجور قوين و للقبول باتفاقية مياه النيل , و هذان الإقليمان لا زالا يطالبان بالإنفصال عن أثيوبيا و لهما  حركات تحرير , بل و أن حركة تحرير شعب بني شنقول تطالب بالإنضمام للسودان مرة أخرى و يعارضون بناء سد النهضة في أرضهم و تهجيرهم و هم سودانيون من قبائل القمز و قبائل شمال السودان و يتكلمون العربية باللهجة السودانية , و الإقليم كان يتبع تاريخيا للسلطنة الزرقاء و كان معروفا بمناجم الذهب و كان سببا لحملة محمد علي باشا لضم السودان من أجل المال و الرجال , أما سكان إقليم جمبيلا فهم من النوير و الأنواك .

7 – عملا بمتطلبات المرحلة , على الحكومة السودانية أن تتوصل مع الحركات المسلحة من دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق في المحادثات الجارية في أديس أبابا إلى إتفاقات تكون في صالح الوطن و المواطن تنهي بموجبها الحرب الأهلية في السودان التي أضعفت جبهتنا الداخلية و ألبت الأعداء علينا و طمعتهم فينا , حتى يتفرغ الجيش السوداني إلى مهمته الرئيسية في حراسة الحدود السودانية بكل مهابة .

الآن تجري تحركات حثيثة من الحكومة السودانية فقد إجتمع والي القضارف مع وزير الدفاع و سوف يغادر للإجتماع مع حكومة إقليم أمهرا , و سوف يغادر السيد نائب رئيس الجمهورية للإجتماع مع الحكومة الأثيوبية , و أرجو أن يضعا نصب أعينهما خارطة الطريق هذه , و التي هي مساهمة مني من أجل الوطن العزيز , و بالله التوفيق .

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !