عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.      

         عمود : محور اللقيا

( هلّ الخريف هلاّ ... أهلا به و سهلا ) هكذا كنا نردد في اناشيد المرحلة الإبتدائية , و عن الخريف يقول المثل السوداني ( بجي الخريف و اللواري بتقيف ) , فها هو الخريف يهل علينا في السودان و لكن بلا ترحاب به  في العاصمة و المدن الكبرى , فمنذ الأمطار الغزيرة الأولى صار الناس يقولون : ( حوالينا و لا علينا ) ! فقد غرقت مناطق في شمال السودان و فقد بعض المواطنين أرواحهم , و كذا الحال في الخرطوم , و ها هي الأمطار تتوالى و تتوالى الكوارث . جاء الخريف و بدلا أن تتوقف اللواري داخل المدن توقفت الكهرباء ! و هاهي أحياء الخرطوم تعيش في قطوعات للكهرباء تمتد لساعات طويلة , فالأمطار و ما تصاحبها من رياح تؤثر على شبكة توزيع الكهرباء الفوق-أرضية و تؤدي الى تلامس الأسلاك الموجبة و السالبة فتحدث القطوعات و تنفصل المحولات . أما السعة التوليدية من السدود ( الخزانات ) فتتضاءل مع موسم الفيضان حيث تفتح البوابات الرئيسية و المصارف العليا لتصريف المياه المندفعة و المحملة بالطمي و العوالق المتعددة , فيقل بذلك ضاغط الماء و هو الفرق بين منسوبي الماء خلف السد على البحيرة و أمامه , و الضاغط هو المعامل الرئيسي في حساب كمية الطاقة الكهربائية المولدة . لذلك فالناس موعودون بقطوعات للكهرباء أكثر مما كان الحال في رمضان الماضي , خاصة و أن التوليد الحراري الذي يفترض أن يغطي العجز في التوليد المائي خلال موسم الفيضان قد أصابته بعض المشاكل التي أدت الى تقليل الطاقة المولدة من محطات توليد الكهرباء الحرارية , و هذه المشاكل كنت قد عددتها في مقالة سابقة بعنوان ( كيف نتفادى تطفئة الكهرباء الشاملة ) و يمكن الوصول اليها بواسطة محرك البحث قوقل , و المشاكل تتمثل في عدم توفر قطع الغيار الأصلية للماكينات , و عدم توفر أجهزة الحماية و التحكم , و عدم توفر الوقود الثقيل لتشغيل الغلايات , و عدم توفر القدرة المالية لتكملة المحطات التي تحت الانشاء كمحطة توليد كهرباء الفولة , و وراء كل ذلك قرارات المقاطعة الاقتصادية المفروضة على السودان , و أيضا وراءها نظام أولوية الصرف الحكومي من دخول الميزانية و من الدخول غير المدرجة في الميزانية كدخول الذهب مثلا أو دخول شركات الكهرباء نفسها ! ان حال الذهب قد صار كحال البترول يعرف الناس ايراداتهم المليارية و لا يعرفون أين تذهب , و هذه الأيام تتضارب الأنباء عن مدى صحة الاكتشافات الضخمة لمخزون الذهب بواسطة شركة سيبيرين الروسية و الذي يقدر ب 48 ألف طن , و لكن انتاجهان صدق يتطلب بنية تحتية و وقتا ! كالتعيس و خائب الرجاء , تتلازم قطوعات الماء مع قطوعات الكهرباء ! فعند انقطاع الكهرباء تتوقف مضخات المياه في محطات تنقية مياه الأنهار و عند الآبار , و بالرغم من أن هذه الأماكن في غاية الأهمية و يتوجب وجود مولدات احتياطية لتعمل و تغذي المضخات بالكهرباء عند انقطاعها من شبكة الكهرباء الا أننا لا نجد ذلك . ان محطات تنقية مياه الأنهار تحتاج لتشغيلها الى مرشحات و فلاتر و مرسبات و ( رواق ) و ( كلور ) و في موسم الفيضان يغمرها الطمي فتحدث بها الانسدادات , لذلك و كاجراء اسعافي سعت هيئة المياه الى حفر آبار عدة و ضخ المياه منها بواسطة مضخات رأسا الى شبكة توزيع المياه , و هم بذلك قد وفروا كل تكاليف الاعتماد على محطات تنقية مياه الأنهار . يقولون انهم يحللون ماء البئر أولا لمعرفة نسبة الملوحة و مدى تلوثه , و لكن اذا زادت الملوحة عن معدل عالمي معروف أو حدث تغير في لون الماء أو رائحته وجب اتخاذ اللازم , و في بلاد أخرى يتم اتباع معايير منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب في محطات تنقية المياه العامة أو تلك التابعة لمحطات توليد الكهرباء . في حالة الملوحة يجب تركيب مرشحات تعمل بالتناضح العكسي لتقليل الملوحة الى معدل الشرب , و لكن نسبة لتباعد الابار عن بعضها يصعب تركيب هذه المرشحات و لذلك تضخ مياه هذه الآبار ذات الملوحة الزائدة لتختلط مع المياه الحلوة في شبكة التوزيع و بذلك تقل ملوحتها . دعونا ندخل الى حسابات التكلفة , فهيئة المياه توفر تكاليف محطات تنقية مياه الأنهار التي كان يتوجب انشاؤها لسد النقص في المياه , و توفر المواد الكيميائية التي يجب استعمالها , و توفر رواتب قارئي العدادات الذين كانوا قديما يقرأون عدادات المياه في كل بيت لمعرفة الاستهلاك الفعلي , و توفر تكلفة عدادات المياه هذه الغير موجودة حاليا , و توفر الأموال التي تأخذها ظلما من المواطنين  كل شهر مع فاتورة الكهرباء و بدون أي وجود للمياه لعدة أشهر , فهل بعد كل ذلك تكون هيئة المياه خاسرة ؟ ألا يهم هذا الأمر جمعية حماية المستهلك و رئيسها الدكتور ياسر ميرغني ؟ ان الخسارة اذا وجدت في مرفقي الكهرباء و الماء فقطعا مردها الى الفساد و الى سؤ الادارة , فمنذ التفكير في حل الهيئة القومية للكهرباء و تحويلها الى شركات خمس  و قد كنت من مهندسيها , فقد أبديت اعتراضي في مقالة بعنوان ( الهيئة القومية للكهرباء ) و يمكن الوصول اليها بواسطة محرك البحث قوقل , عددت فيها مثالب هذا التحول و أبنت عيوبه المرتقبة  كتوسعة الظل الاداري و ارتفاع التكلفة و تضارب الاختصاصات , و قد حدث كل ذلك ! ان الزيادات في تعرفة الكهرباء و الماء قد صارت متضاربة مع تصريحات المسؤولين ما بين الاثبات و النفي , و لكن القول المرجح أنها قد أجيزت من داخل الحزب الحاكم و لكنها أطلقت كبالونة اختبار لجس رد الفعل , فسبتمبر على الأبواب ! و الزيادات في الأسواق قد طالت كل المواد , و الآن تعاني البلاد من شح في دقيق الخبز و توقفت مطاحن عدة عن العمل بعد زيادة الجمارك عليه و التي ستعقبها زيادة في سعر الخبز . هذه الزيادات تمثل للحكومة الملاذ الاقتصادي الأخير لتدارك انهيار الدولة اقتصاديا , كما كان التقتيل بالرصاص الحي للمتظاهرين يمثل الملاذ الأمني الأخير ( الخطة ب ) لتدارك انهيار الدولة أمنيا , في ظل شمولية الدولة الانقاذية . لقد صار المواطن يعتاش على الكفاف مع استشراء الضائقة المعيشية التي وضعته في الدرك الأسفل من الحياة , و صار معظم الأطفال يعانون من سؤ التغذية مع متطلبات نمو أجسادهم , و رغم ذلك تظل الحكومة مطالبة للمواطنين لسد عجوزاتها المالية , فماذا بعد الدرك الأسفل من الحياة غير الموت ! لقد تم وضع خطط قصيرة المدى و متوسطة المدى لمعالجة  مشاكل الكهرباء , و تم تكوين لجنة فنية للاصلاح الاقتصادي و تم وضع خطة خمسية قيل أنها سوف تكون في مصلحة المواطن , و قد كان البرنامج الانتخابي للسيد رئيس الجمهورية منصبا على مصلحة المواطن و كذا كان خطابه بعد الانتخاب , و لكن كيف السبيل الى ذلك و جل دخول الميزانية تذهب للدفاع و للأمن و للدستوريين المتزايدة أعدادهم و التي ستزيد أكثر اذا وصل حوار الوثبة الى نهايته سواء بالرافضين أو دونهم . عند ذلك سوف تكون الزيادات في تعرفة الكهرباء و الماء و في المواد التموينية و في كل شيء حتمية !

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني ذاك تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !