عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
              
عمود : محور اللقياإن تطفئة الكهرباء الشاملة Complete black out  لا تحدث إلا نادرا جدا في الأقطار المتقدمة , و تكون عادة نتيجة لكوارث طبيعية , و عند حدوثها تصبح معلما تاريخيا يؤرخ به , مثلها في ذلك كمثل معالمنا التاريخية الشعبية ك ( سنة حفروا البحر ) و ( سنة ستة ) و ( سنة النجمة أم ضنب ) و ( سنة الفيضان ) .. و على ذلك فقد أصبحت تطفئة الكهرباء الشاملة في مدينة نيويورك في عام 1977 حدثا تاريخيا  , فقد ضربت الصواعق نتيجة للأحوال الجوية السيئة بعض خطوط نقل الكهرباء و بعض المحطات الفرعية لتوزيع الكهرباء و عاشت نيويورك يومين كاملين في ظلام دامس , و تزامن ذلك الحدث مع تفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية و أدى إلى الكثير من عمليات السطو و نهب المحلات التجارية .
 على هذه الشاكلة دعوني أسبر غور سنيننا الشعبية عالية الذكر و التي أضحت معالما تاريخية ...( سنة حفروا البحر ) المقصود عام 1869 و هي السنة التي تم فيها حفر قناة السويس في زمن الخديوي عباس , و السودان كان حينذاك تحت الحكم التركي و يقول الناس هذا التعبير للأشياء التي يرونها قديمة  .. ( سنة ستة ) و المقصود مجاعة سنة 1306 هجرية في عهد المهدية في السودان عندما دعا الخليفة عبد الله التعايشي كل المزارعين إلى الإنخراط في الجيوش للجهاد فتركوا مزارعهم و تزامن ذلك مع القحط المناخي .. ( سنة النجمة أم ضنب ) و المقصود عام 1910 عند ظهور المذنب هالي واضحا في سماء السودان و كما هو معروف فإن المذنب هالي يقترب من الأرض كل 76 عاما , و الجسم المضيء الذي ظهر في سماء شمال أمدرمان في الإسبوع الماضي قطعا لم يكن ( النجمة أم ضنب ) كما أورد السيد معتمد محلية كرري ! .. ( سنة الفيضان ) و هي سنة 1946 التي فاض فيها النيل و أغرق الكثير من الجزر و الأراضي قبل أن يحتاط الناس له .
قبل أن أسترسل في موضوع مقالتي هذه , أود أن أتطرق لظاهرة الشائعات التي يتم تداولها في صور محرفة بالفوتوشوب في وسائط التواصل الإجتماعي خاصة الواتساب , و هي ظاهرة غير محمودة قطعا و تؤدي إلى عدم الثقة في الأخبار المتداولة خلال الواتساب , لأن حبل الكذب فيها قصير و  ستبدي الأيام الحقيقة  , و لا أدري ما هي مقاصد من يقومون بها . الأمثلة موجودة و متعددة و لكنني هنا أقصد صور محول الكهرباء الكبير ذي الجهد العالي التي وصلتني في الأسبوع الماضي و ألسنة النيران تلتهمه كدليل على سبب تطفئة الكهرباء الشاملة , و لكن تبينت لي الحقيقة من أول نظرة , فمثل هذه النيران التي تلتهم العوازل البلاستيكية و الزيوت في المحول من المؤكد سوف تنتج سحابات من الدخان و لن تكون الرؤية واضحة كما في الصور , كذلك فإن نظام مكافحة الحريق بأنابيبه الحمراء اللون و مرشاته المتعددة لم يظهر أثر لعمله و طمره للمحول بالمياه  و حتى إذا إفترضنا عدم تفعيل جهاز الإطفاء الذاتي له فإن أجهزة الإنذار الحرارية سوف تلفت أقرب شخص كي يفعّل يدويا محبس الماء للمرشات .
تطفئة الكهرباء الشاملة تعني إنقطاع الكهرباء الكلي في شبكة الكهرباء القومية نتيجة لتوقف كل ماكينات توليد الكهرباء في محطات توليد الكهرباء المغذية لشبكة الكهرباء . أحيانا توجد إنقطاعات جزئية للكهرباء تحدث في مناطق محددة , و هذه تكون عادة نتيجة لأعطال تصيب المحولات المغذية Feeders لتلك المناطق , ربما نتيجة للأحمال الزائدة أو لتماس كهربائي أو لنقص في التبريد , فيؤدي إلى تفعيل أجهزة الحماية فتؤدي إلى فصل الكهرباء عن المحول حفاظا عليه من التلف . في شبكة التوزيع الداخلية في المدن الكبرى توجد في بعض المحولات المغذية للأحياء أجهزة للحماية تعمل عند إنخفاض ذبذبة التيار الكهربائي عن معدلها الطبيعي و هو 50 هيرتز , و يحدث هذا الإنخفاض عادة عندما تزداد طاقة الكهرباء المستهلكة عن طاقة الكهرباء المولدة و ذلك عندما تنفصل ماكينة أو أكثر و تخرج عن الخدمة نتيجة لعطل حدث بها , و ذلك حتى لا يؤدي قلة التوليد الكهربائي إلى فصل بقية الماكينات العاملة نتيجة لتفعيل أجهزة حمايتها في إنخفاض الذبذبة أو إنخفاض الجهد أو إرتفاع التيار عن معدلاتها المسموحة , لأن ذلك سوف يؤدي إلى إرتفاع الحرارة في الأجهزة الكهربائية و إلى تلفها خاصة في بيوت المستهلكين .
في الأسبوع الماضي في ليلة 4/5/2015 حدثت في الخرطوم تطفئة للكهرباء شاملة , و في مقابلة مع المهندس جعفر علي البشير مدير الشركة السودانية لنقل الكهرباء ذكر أنه قد حدث عطل في محول الخط الناقل للكهرباء من سد مروي و أدى ذلك إلى قطع ألف ميغاوات من الكهرباء عن الشبكة القومية التي كان حملها في ذلك الوقت 1800 ميغاوات ( الميغاوات يعادل 1000 كيلوات ) , و عملت أجهزة حماية ماكينات التوليد على فصل الماكينات بعد إنخفاض الذبذبة و الجهد , و أن المحطات الحرارية بها بعض الماكينات تحت الصيانة السنوية , و أن الخط الناقل المرتبط مع شبكة الكهرباء الأثيوبية كان توريده صفرا لأنه كان مفتوحا ! 1800 ميغاوات هي طاقة الكهرباء المولدة في الشبكة القومية , فإذا أضفنا إليها طاقة المدن خارج الشبكة القومية و طاقة الماكينات التي تحت الصيانة و قلنا إن طاقة الكهرباء المولدة في السودان 2000 ميغاوات و هذا ما تقوله مراكز أبحاث الطاقة الكهربائية العالمية ,  فإنه لأمر مخزٍ لنا أن نعلم أن جارتنا الشمالية مصر لها طاقة كهربائية مولدة تعادل 25 ألف ميغاوات , و أن جارتنا الشرقية عبر البحر الأحمر المملكة العربية السعودية لها طاقة كهربائية مولدة تعادل 44 ألف ميغاوات , و أن الطاقة الكهربائية هي عصب الحياة و مؤشر التقدم و الرقي لكل المجتمعات !
حسب علمي فإن بسد مروي 10 توربينات مائية طاقة كل توربينة 125 ميغاوات , و من السد يخرج خطان لنقل الكهرباء , خط ينقل الكهرباء لعطبرة و بورتسودان بطاقة 250 ميغاوات , و خط ينقل الكهرباء للشبكة القومية بطاقة 1000 ميغاوات و يلتقي بالشبكة عند جبال المرخيات بواسطة محولين , و الخط الناقل بجهد 500 كيلوفولت بينما الخط الدائري في العاصمة بجهد 200 كيلوفولت و ينزل بعد ذلك الجهد بالمحولات الخافضة حتى يصل في الأحياء إلى 220 فولت . نقل الكهرباء يكون دائما على الجهد العالي حتى ينخفض التيار على الأسلاك الناقلة للطاقة الكهربائية و بذلك تنخفض الحرارة الضائعة التي تسبب نقصا في الطاقة المنقولة . الطاقة القصوى لخزان الروصيرص بعد التعلية تعادل 280 ميغاوات , و في المحطات الحرارية كمحطة الشهيد محمود شريف تعادل الطاقة القصوى 425 ميغاوات و لكن توجد وحدة من وحدتي التوسعة الأخيرة متوقفة بطاقة 100 ميغاوات , و محطتي قري تعادل طاقتهما القصوى 470 ميغاوات و لكنها لا تعمل بطاقتها  نتيجة للنقص في الوقود الثقيل , و محطة كوستي ( أم دباكر ) تعادل طاقتها القصوى 500 ميغاوات و لكنها لا تعمل بطاقتها لنقص الوقود الثقيل , و محطة الفولة صممت بطاقة 405 ميغاوات و لكن توقف العمل بها كما سمعت في أجهزة الإعلام .
كيف نتفادى تطفئة الكهرباء الشاملة ؟ أرى الحلول في الآتي :
1 – توفير وحدات ( ماكينات مولدة ) لتوليد الكهرباء في الشبكة تعمل بأحمالها الدنيا كإحطياطيات دوارة Spinning reserve تكون كافية لتغطية حمل أكبر وحدة عند فصلها , و بذلك لا تقل الطاقة الكهربائية المولدة عن الطاقة الكهربائية المستهلكة و لا تقل الذبذبة , و لكن هذا الحل يتطلب وفرة في القدرة المولدة .
2 – توفير عدد كافٍ من المحولات المغذية التي عليها أجهزة فصل عند انخفاض الذبذبة في المحطات الفرعية Under frequency feeders و ضبطها على أساس أن تنفصل قبل أن تنفصل الماكينات العاملة في شبكة الكهرباء و أن تغطي في مجملها قدرة محول الخط الناقل عند إنفصاله .
3 – عمل التعديلات اللازمة في مولدات سد مروي حتى لا يؤدي العطل إلى فصل توربينتين في آن واحد كما حدث و أدى إلى تطفئة الكهرباء الشاملة .
4 – توفير الوقود الثقيل ( الفرنيس ) لمحطات توليد الكهرباء الحرارية حتى لا يؤدي النقص فيه إلى نقص في طاقة التوليد .
5 – عمل الصيانات الدورية و السنوية و إعادات التأهيل لماكينات توليد الكهرباء حتى تعمل الماكينات بطاقات توليدية قريبة من القصوى .
6 – توفير قطع الغيار الأصلية من أقطار المنشأ و التي يؤدي عدمها إلى توقف ماكينات توليد الكهرباء عن العمل , و لن يتم ذلك إلا بعد رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب , و لن يتم ذلك إلا بعد تغيير الحكم الشمولي بحكم ديموقراطي شامل .

د. عمر محمد صالح بادي
دكتوراة في الهندسة الميكانيكية ( قوى )
مهندس مستشار في سعودكونسلت السعودية
و كاتب صحفي حائز على القيد الصحفي