عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا

أذكر قبل عام و نيف و في حفل ترفيهي للجالية السودانية بأكسفورد بالمملكة المتحدة كنت أجلس قرب الفنان السوداني العالمي الأستاذ إبراهيم الصلحي الذي يقطن في أكسفورد و هو من أعضاء الجالية . وجدت نفسي بحس الكاتب الصحفي أدخل معه في دردشة حوارية شملت ومضات من مسيرة حياته بينما كانت فقرات الحفل تمثل لنا لوحة خلفية .

بداية حواري معه كانت خصوصية الفن السوداني في ما عرف بمدرسة الخرطوم و قد كان الأستاذ الصلحي واحدا من روادها , و أجابني في تواضع جم أنهم لم يأتوا بهذا التعريف بل أتى به بعض النقاد الغربيين الذين شاهدوا الخصوصية في لوحات الفنانين التشكيليين شبرين و عثمان وقيع الله و الصلحي حيث كانت تعبر عن وحدات من المرئيات في الفن التشكيلي الشعبي نتيجة  لتلاقح الثقافتين الأفريقية و العربية الإسلامية , فكانت الشرافة و اللوح و البرش و الطبق و الحروف العربية مع آيات قرآنية و المباني القديمة في حلفا و سواكن و الوجوه و الأقنعة الأفريقية و ما شابهها من ملامح على الإنسان و المكان . هؤلاء النقاد أطلقوا على هذا الفن التشكيلي ( مدرسة الخرطوم ) في سبعينات القرن الماضي , و لكن هذا النوع من الفن التشكيلي قد ظهر قبل السبعينات . سألت عن علاقة مدرسة الخرطوم بجماعة الغابة و الصحراء , قال إن مدرسة الخرطوم  كانت عفوية بينما الغابة و الصحراء  كانت أكثر شمولا . إنتقلت به إلى برنامجه التليفزيوني الشهير في السبعينات و هو سهرة منوعات بإسم ( بيت الجاك ) وقد كان قد إستوحى إسمه من أقصوصة في كتاب الأطفال المدرسي , قال لي أنه يحمد لبرنامجه ذاك تعريفه له بالشخصية السودانية على نطاق أكبر مما زاد في رصيده من الأصدقاء . سألته ما كان قد تردد في فترة مايو و قد كان فيها وكيلا لوزارة الإعلام أنه قد رفض السماح لسيارات الوزارة أن تخرج لتنقل المواطنين للمشاركة في مسيرة مؤيدة لنظام مايو رغما عن توجيه السلطات بذلك و كانت النتيجة أن تم إعفاؤه من منصبه , أجابني بالإيجاب و هو يبتسم !

بعد ذلك إنتقلت معه و هو مقيم في بريطانيا منذ عدة أعوام و قد نال الجنسية البريطانية و لكنه لا يزال يشدد في اللقاءات الرسمية أنه سوداني , صمت برهة و قال إنه فعلا سوداني و أن ما يقدمه هو فن سوداني محلي رغم عالميته , قال إنه قد نال الجنسية البريطانية قانونا بحكم المدة التي قضاها في بريطانيا و لكنه لا زال محتفظا بالجنسية السودانية , و هذا الأمر قد أضاع عليه الكثير من فرص الإنتشار في بريطانيا حيث قد تم تجاوزه في محافل كثيرة لإصراره على تقديمه كفنان سوداني , و لكن في الآونة الأخيرة و بعد أن أثبتت أعماله نجاحات فائقة أعيدت له مكانته رسميا و صارت لوحاته تعرض في أكبر الصالات في بريطانيا و في الدول الأخرى . سألته عما أشيع من إنزال لوحة لبيكاسو في صالة قاليري الفن الحديث في لندن و وضع لوحة له في مكانها , قال و كله تواضع لقد حدث ذلك و لكن لأن الجدار كان كبيرا على لوحة بيكاسو بينما لوحته كانت أكبر و هذا كان هو السبب . سالته أخيرا عن إنتاجه الفني التشكيلي في الإستديو الخاص به , قال إنه يرسم يوميا لمدة عشر ساعات أو أكثر و أنه يداوم على عرض لوحاته في القاليريهات الكبرى ! بعد ذلك طلبت منه أن نتحرك لمشاركة الآخرين في الحفل و لكنه طلب مني أن أخبره بكل صدق إن كنت أعلم بحضوره لهذا الحفل فأعددت ما أعددت من أسئلة , أجبته أنني في زيارة لأكسفورد و ليس لي علم أنه يقطن في اكسفورد تحديدا و قد خرجت كل أسئلتي تلك من مخزون الذاكرة . ضحكنا و تحركنا إلى المسرح و رفعنا يدينا بالبشر و انطلقت الزغاريد !

لقد ساهم المثقفون السودانيون من كتاب و شعراء و فنانين في التوصل إلى صيغة للهوية السودانية منذ  ستينات القرن الماضي من خلال مكونات المجتمع الأفريقية العربية , و قد كانت اللبنات الأولى في  جماعة الغابة و الصحراء ثم جماعة أباداماك ثم مدرسة الخرطوم للفنون التشكيلية, إلى أن أتى الأستاذ الفنان أحمد الطيب زين العابدين  فجسدها في مصطلح السودانوية ! لقد كنت قد كتبت في مقالة لي بعنوان ( السودانوية كحل لقضايانا الراهنة ) أنه منذ عقد السبعينات أبان الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين أن للسودان خصوصيته الذاتية التي شكلت هويته من مجموع خصوصياته العرقية و اللغوية و الدينية في أقاليمه المختلفة . كان السودان موزعا بين العروبة و الأفريقانية و لكن عند وضعهما في مكانيهما الصحيحين كوجهين لعملة واحدة , يزول الإلتباس ! إنني أرجو من القراء الكرام أن يقرأوا ثانية التعريف الذي اورده الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين أعلاه عن السودانوية بكل تمعن . إنه يقول أن الخصوصيات العرقية و اللغوية و الدينية في أقاليم السودان المختلفة تشكل في مجملها الخصوصية الذاتية لهوية السودان التي سماها السودانوية . هذا يعني الإعتراف بالجزء و تمثيله في الكل , و هذا يتطلب القبول بالآخر تحت مظلة السلام و الحرية . هل نحن بعد هذا في إحتياج لطرح حوار عن ماهية الهوية ؟

قبل اشهر قليلة مضت تم تكريم الفنان العالمي الأستاذ إبراهيم الصلحي في حفل رسمي و شعبي كبير في العاصمة الخرطوم , و كان عند عودته من بريطانيا قد نزل في بيت والده القديم في حي العباسية في أم درمان , و قد هب كل سكان الحي للترحيب و الإحتفاء به و إجترار الذكريات الجميلة عن أيامهم الخوالي , و لم تقصر القنوات الفضائية السودانية في إستضافته و إظهار ما بدواخله من حب مكنون للسودان  . في حفل التكريم أشاد المتحدثون بالمحتفى به و بدوره في إبراز الوجه المشرق للسودان و بوطنيته , ثم شدا الفنانون بدررهم و كان من بينهم زميله الفنان التشكيلي و المغني شرحبيل أحمد كما كان من ضمن الحضور الفنان التشكيلي إبراهيم العوام , و أحسست بما أحس به الأستاذ الصلحي من راحة نفسية و هو في حضن مدرسة الخرطوم الفنية .

من يستطيع إقتلاع شجرة النخيل

الباسقة من جذورها

إنها إن أرغمت تذهب

لكن جذرها العميق يبقى !

أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !