عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عمود : محور اللقيا
في ظل ثقافة القوة و التحدي تتجلى آفة الخطابات المرتجلة في الجموع الهادرة في ما تحدثه في المتحدث القائد من إنتشاء بالسلطة يجعله يهوش على إثره و يهز بعصاه يمنة و يسرى فتتمايل الجموع معه أو يخيل إليه ذلك , فيسمعها ما يرى دون مراعاة لمتطلبات السياسة ! أليس هذا الشعور ما دعا فرعون أن يهوش و يصرخ في الجموع : ( لا أريكم إلا ما أرى ) و ( أنا ربكم الأعلى ) !
لقد حدث في مدينة بورتسودان قبل أيام مضت أن أعلن السيد رئيس الجمهورية في خطابه بمناسبة اليوم الختامي لمهرجان التسوق عن لاءاته الأربعة : لا حكومة قومية و لا فترة انتقالية و لا تأجيل للإنتخابات و لا تفكيك لدولة المؤتمر الوطني ! و زاد على ذلك ان للمؤتمر الوطني أجندته التي سوف يقام الحوار عليها , و على من شاء أن يقبل بها !  لقد ترسخت ثقافة الخطاب الجماهيري في فترة ربع القرن الماضي من السنين على نسق المصادمة و مهاجمة المعارضين و سبهم و نعتهم بأسوا الصفات و السخرية منهم و التقليل من شأنهم و دق طبول الحرب ثم الرقص على نيرانها ... و حتما سوف يصعب التغلب على تلك الثقافة ما بين عشية و ضحاها , و لذلك لم أر غرابة في حديث الرئيس !
لقد كانت تصريحات السيد الرئيس قاصمة لظهر المصالحة الوطنية , بل كانت ناسفة لمساعي الحوار الوطني بعد أن أعادته إلى ما كانت تردده حكومة الإنقاذ من ان قطار الإنقاذ قد سلك طريقه و من اراد أن يلحق به فليركب ! كنت أتوقع ان يكون رد الفعل عنيفا من عضوية المؤتمر الوطني , و اقل تأثيرا على أحزاب تحالف قوى الإجماع الوطني التي لم تكن تثق في المؤتمر الوطني و تتوقع ان ينقض عهوده . أما عضوية المؤتمر الوطني من الإصلاحيين و الشباب فمن المؤكد أن هذه التصريحات قد نسفت كل ما أعدوه في لجانهم القاعدية و القيادية من دراسات و حلول في التسعة اشهر الماضية  كما ذكروا و أجملوها في وثيقة الإصلاح الوطني المعروفة بوثيقة الوثبة . لذلك فقد قلت في نفسي : ( دعني أنتظر و ارى ) , و فعلا في اليومين التاليين لتصريحات بورتسودان هيمن السكون على كل أجهزة الإعلام و على تصريحات المسؤولين , و في اليوم الثالث أعادت لجان المؤتمر الوطني دعوتها للحوار الوطني و تناقلت أجهزة الإعلام أخبار الحوار و اللقاءات مع الأحزاب المعارضة , و كأن شيئا لم يكن ! هل تم حسم السيد الرئيس داخليا ؟ أم تراه قد شعر بانجرافه مع الخطاب الجماهيري المرتجل بحكم العادة فقال ما لم يكن عليه قوله ؟ كالعادة فليس ثمة أي بيان توضيحي من الرئاسة أو الحزب ليشرح للناس ما قد حدث !
لقد تزامن خطاب نسف الحوارالوطني مع قرار المملكة العربية السعودية بإعتبار تنظيمات القاعدة و الحوثيين و حزب الله و داعش ( دولة الإسلام في العراق و الشام ) و الإخوان المسلمين أنها كلها تنظيمات إرهابية , و قد سبق ذلك تجديد قرار المقاطعة الإقتصادية على السودان , و تبعه إيقاف البنوك الغربية و السعودية و الأماراتية من تعاملها مع بنك السودان و ما يعنيه ذلك من تشديد على الحصار الإقتصادي . لقد دعم إخوان الإنقاذ إخوان ليبيا بالسلاح عند مقاومتهم للقذافي , و دعموا إخوان مصر بالسلاح و ساعدوا في تهريب القياديين منهم إلى السودان , و دعموا شباب المجاهدين في الصومال , و دعموا الإسلاميين في إنقلابهم في أفريقيا الوسطى , و أتوا بالسفن الحربية الإيرانية في البحر الأحمر من أجل زعزعة أمنه و تهريب السلاح إلى حماس , و رغم كل ذلك فإن أمرهذه العقوبات في نظر الإنقاذيين لا تتعدي  الإبتلاءات , مع انها في حقيقتها عقوبات قد أرادها الله جزاء حسابا لسؤ ما قدمت أيديهم , فالله يمهل و لا يهمل , و كما ذكرت في اكتوبر الماضي فإن دماء شهداء مظاهرات سبتمبر الطاهرة هي التي أسقطت القناع عن وجه الإنقاذيين الحقيقي فتكشف ذلك إلى دول الجوار و بقية دول العالم رغما عن آلتهم الإعلامية الضخمة التي كانوا يعتمدون عليها لتحسين صورتهم .
لقد شرع الإخوان المسلمون المنسلخون من التنظيم الحاكم و جلهم من الأكاديميين و أساتذة الجامعات الذين كانوا ينقدون الحكومة نقدا لينا و يوجهون مسارها , لقد شرعوا في تكوين حزبهم السياسي قبل يومين و اسموه حزب الحركة الوطنية للتغيير و يقولون أن الحزب ليست له صفة الإسلامي , و قد سبقهم في ذلك حزب الإصلاح الآن الذي كونه الدكتور غازي صلاح الدين و المنشقون معه من الإصلاحيين و ذكروا أن حزبهم لا يحمل صفة الإسلامي . سوف يبقى حزب المؤتمر الشعبي في مهب رياح التغيير الخليجية الجديدة , فإن عاد إلى المؤتمر الوطني أصابه الإعصار الذي فيه نار , و إن تمسك بتحالف قوى الإجماع الوطني فسوف ينجو حينا و لكن سيصيبه بعد هنيهة الإعصار الذي فيه نار !
هاهي محادثات منطقتي جنوب كردفان و النيل الأزرق بين الحركة الشعبية قطاع الشمال و الحكومة تنفض دون إتفاق للعام الثاني , و ها هي الحركات المسلحة في دارفور قد إحتلت مواقع عدة , و هاهو الشعب السوداني لم يعد يخاف على شيء بعد أن فقد مقومات الحياة و ذاق الذل و البؤس و القهر و التقتيل و التشريد , و هاهو الشهيد علي أبكر موسى يموت برصاص الأمن بالأمس في أحداث جامعة الخرطوم و الذي كانت شهادة وفاته شهادة لوفاة الحوار الوطني ! سوف يؤدي الحصار الإقتصادي الجديد إلى عزلة النظام الإنقاذي داخليا و إقليميا و عالميا , و إلى تفاقم الوضع الداخلي المتأزم فيزيد من العجز في الموازنة و يزيد الغلاء , و عندما تضيق و تستحكم حلقاتها يكون الخروج و لن يكون هنالك هبوط آمن !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !