عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

عمود : محور اللقيا
ما الفرق بين الإنتفاضة و الثورة ؟ في الأسابيع الماضية حدث إلتباس كبير بين مفهومي الإنتفاضة و الثورة عند اندلاع الإحتجاجات الشعبية في الشارع السوداني , فمن المثقفين من سماها انتفاضة و منهم من سماها ثورة , و لكن في نظري فإن الأمور بنهاياتها , و عند نهاياتها فقط يمكن وضعها في خانة الإنتفاضة أو الثورة ! ففي حالات ينحاز الجيش للشعب الثائر و يقطع على الثوار التقدم بالثورة لبلوغ غاياتها و هنا تسمى إنتفاضة , أما إذا تقدمت الثورة حتى بلغت غاياتها و أحدثت التغيير الجذري فهنا تسمى ثورة , و لنا مثال في حالة الثورة في ثورة أكتوبر 1964 , و مثال آخر في حالة الإنتفاضة في إنتفاضة أبريل 1985 . في أول مايو 1987 كتبت مقالة في صحيفة ( الخليج ) الأماراتية و التي كنت أكتب فيها بإنتظام متعاونا , بجانب عملي في المجال الهندسي . كانت تلك المقالة عن نظرية الإنتفاضة , و نسبة لتشابه الحال السوداني عبر السنين فقد رأيت أن أعيد نشرها فاليكم بها ...
بين يدي كتاب ( نظرية الإنتفاضة ) لمؤلفه إميليو لوسو , و الذي صدر بالعربية من المؤسسة العربية للدراسات و النشر . يفرق الكاتب بين الإنتفاضة و الثورة بأن الأولي هي الجزء بينما الثانية هي الكل , ثم يضع شروطا ثلاثة لا بد منها لإنجاح أي إنتفاضة . هذه الشروط هي :
أولا – لا يمكن القيام بأية إنتفاضة إن لم تكن الطبقات الحاكمة تعيش أزمة سياسية حادة , و غير قادرة على الحكم , و إذا لم يكن الإستياء و الحرمان المتصاعدان يدفعان الطبقات المقهورة إلى الثورة .
ثانيا – على الإنتفاضة ألا ترتكز على التآمر و لا على حزب , بل على الطبقة المتقدمة التي عليها أن تستند بدورها على الإندفاعة الثورية للشعب بكامله .
ثالثا – يجب أن تبدأ الإنتفاضة عندما يمكن الإعتماد ليس فقط على الإستيلاء على السلطة , بل و أيضا على الدفاع عنها و صيانتها .
من هنا يتضح جليا أن التغيير الذي يعتمد على التآمر لا يعتبر إنتفاضة بقدر ما يعتبر إنقلابا فئويا , سواء كان إنقلابا عسكريا أو حزبيا أو بلانكيا ( البلانكية هي مغامرة العنف تمارسه أقلية مشاغبة ) لأن الإنتفاضة شرطها الأساسي أن تكون شعبية . أيضا يتضح من شروط الإنتفاضة أنها ترتكز على الطبقة المتقدمة , و من الواضح أن المقصود بذلك الطبقة المتقدمة فكريا أي المثقفين , أو كما يحلو للبعض أن يطلق عليهم لفظ ( الإنتلجنسيا ) و الذي كان يطلق في الأصل على المفكرين في فترة ما قبل الثورة البلشفية في روسيا . هذا الدور القيادي للمثقفين و إن كان يظهر جليا سلبا أو إيجابا أثناء جني جني ثمار الإنتفاضة إلا أنه يظل باهتا في ما قبل ذلك لغير المتابع و يظل أكثر تعتيما للمراقب من على البعد .
ما من حركة وطنية قامت في السودان إلا و كان وراءها عدد من المثقفين سواء بصفتهم الشخصية أو بتنظيماتهم الفئوية و الحزبية , منذ جمعية اللواء الأبيض و ثورة 1924 و مرورا بمؤتمر الخريجين عام 1938 و مؤتمر جوبا عام 1947 و إستقلال السودان عام 1956 و ثورة أكتوبر عام 1964 و إنتهاء بإنتفاضة ابريل 1985 . في مجتمع شبه منغلق تصل فيه الأمية إلى حوالي 70% و ذي ولاءات طائفية و قبلية , في مجتمع كهذا تكون شريحة المثقفين هي الصفوة و هي قرن الإستشعار و بوصلة الحركة و زرقاء يمامتها , و هي التي ترصد عوامل الثبات و التغيير في المجتمع و هي التي تقود عملية التغيير معتمدة في ذلك كليا على ديناميكية عوامل الثبات .
لا أنكر هنا إنتهازية و وصولية بعض المثقفين ذوي النفس القصير و التي تتمثل خير تمثيل في ذاك الدكتور مفكر مايو الأول حينما كان أمينا للفكر و الدعوة بالإتحاد الإشتراكي , ثم الدكتور الآخر الذي كان يحلم بتطبيق أفكاره في قاعات المحاضرات و وجد الفرصة سانحة مع نميري فأتى بالشمولية و الفئوية و القفز بالعمود و الضباط الإداريين السيارة , ثم ضابط الجيش الأديب اللغوي و الذي أبرز ملكاته اللغوية في كتابة خطابات نميري و التي كان يقرأها الرئيس المخلوع بأخطاء لفظية كانت تغير المعنى و تثير في الناس الكثير من التندر و التسلية , ثم الدكتور مستشار الإمام المخلوع و الذي أشار عليه بقوانين سبتمبر و بايعه إماما , ثم أعداد أخرى من المثقفين المتساقطين الذين لم يمهلهم نميري طويلا في السلطة , فذهبوا و انزووا و منهم من ظهر ثانية في  غفلة من الحساب و العقاب .
إذا تركنا نوعية هؤلاء المثقفين جانبا و أخذنا جانب المثقف الملتزم , لوجدنا أنه كان على الدوام مرتبطا بقضايا وطنه , ففي بداية عهد نميري إلتف حوله غالبية المثقفين الحزبيين و غير الحزبيين و اعتبروه أملا جديدا , لكن مع إزدياد سنوات حكمه إزداد هؤلاء المثقفون بعدا عنه . لقد كان دور المثقف الوطني لا يمكن أن يغمط , فهو في مظاهرات الطلاب , و هو في إضرابات النقابات , و هو في لجان التجمع الوطني .. حتى المثقف المغترب لم يتقاعس و يحصر دوره في المتابعة فقط , بل حمل على كاهله دور الإعلام الخارجي فتكلم و كتب و عكس بأمانة ما كان يحدث بالداخل و فند مزاعم الإعلام التضليلي و أقام جبهة مقاومة خارجية لا تقل خطورة عن جبهة المقاومة الداخلية . إن دور المثقف الوطني في كثير من الأحيان لا يرجى من ورائه جزاء و لا شكورا , إنما هو واجب يعقبه رضا و راحة بال , و لذلك فقد سرقت إنجازات المثقفين الوطنيين في أحايين كثيرة , و لا أظن أن اللوم يقع عليهم بقدر ما يقع على لصوص الغنائم .
إلى هنا إنتهت مقالتي القديمة , أما ما حدث بعد كتابتي لها فقد كان إنقلاب الإنقاذيين في عام 1989 , و هو حسب التصنيف أعلاه إنقلاب حزبي بلانكي عسكري , تمكن في الحكم أولا بنكران حقيقته ثم تمكن ثانيا بتمكين أعضائه و أتباعه , و الذين حسب التصنيف أعلاه لا بد أن نكون في غاية الحرص أن نطلق عليهم مثقفين وطنيين !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !