عمود : محور اللقيا
الديموقراطية كنظام للحكم هي صنعة إغريقية ظهرت في أثينا القديمة في القرن الخامس  قبل الميلاد على يد فلاسفة الإغريق و هي تعني حكم الشعب للشعب  , ثم أصابتها يد العزلة لقرون عدة بعد تغول التسلط والتجبر و الإنفراد بالرأي في شؤون الحكم و الرعية حتى صارت الغلبة للقوة لا للمنطق , ثم ظهرت ثانية بمسماها القديم بعد إندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789 . لم تكن قرون عزلة الديموقراطية كلها مظلمة , بل كانت تتخللها فترات إستنارة تطبق فيها العدالة الإجتماعية بواسطة المصلحين و لا أرى إصلاحا كان أكثر من رسالة نبينا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذي أتانا بالشورى , و لكن الإنسان كعادته كان دائما يعود إلى غيه و يسدر فيه ضاربا بالقيم و المثل عرض الحائط أو آخذ منها ما يروق له و يترك ما عداها .
إذا عدنا إلى تاريخ السودان قبل العهد التركي أي قبل عام 1821 نجد هنالك مجموعة من الممالك و السلطنات تتناثر جنوب الصحراء على ما كان يعرف بالسودان النيلي و الذي يحده من الشرق البحر الأحمر و من الغرب بحيرة تشاد و من الجنوب المستنقعات و السدود على النيل الأبيض . أما غرب بحيرة تشاد و إلى المحيط الأطلنطي فقد كان يعرف بالسودان الغربي , و في عهد الإستعمار صار يطلق على هذين القسمين من السودان كل من السودان الإنجليزي المصري و السودان الفرنسي . إن الممالك و السلطنات التي كانت في السودان النيلي في ذلك الوقت كانت تتمثل في مملكة الشايقية و مملكة العبدلاب و السلطنة الزرقاء و مملكة تقلي و مملكة المسبعات و سلطنة الفور و كان الولاء للقبيلة طاغيا مع إنعدام الشعور القومي , و أرى انه بعد مرور مائتين عام قد عاد الولاء للقبيلة أكثر قوة و إنعدم الشعور القومي عند الكثيرين من أهل الهامش , و هذا أس إنفصال الجنوب و البقية تأتي .. و أخشى أن يعود بنا الحال و بالسودان إلى ما قبل عام 1821 و نعيش في تفتت و تشرذم و تحارب كما كنا !
الحكم التركي للسودان , كما علمونا في المدارس , كان من أجل المال ( الذهب ) و الرجال ( المحاربين ) , و لذلك كانت إدارته كلها تركية و مصرية مع بعض الأوربيين , و كان الأتراك تحت حكم محمد علي في مصر متسلطين , و لذلك لم يكن هنالك إحتمال لتطبيق أي نوع من الديموقراطية أو الشورى مع المحكومين و إنما كانت القوة هي المهيمنة على إخضاع الممالك و السلطنات و المشايخ حتى يتم تكوين وطن منها إسمه السودان  , و إشتهرت في ذلك الوقت (الفرمانات ) أو الأوامر التي كان يصدرها الحاكم التركي  . هنا لا أنكر للأتراك إختيارهم للخرطوم كعاصمة للسودان و قيام عثمان بيك و الذين بعده بتعميرها على نسق البناء الإسلامي خاصة المساجد . في فترة المهدية إستمر حكم القوة في محاربة الأعداء في الداخل و الخارج و في نزع الولاءات و الطاعة و النفرة للقتال . أما في فترة الحكم الإنجليزي المصري أو بالأحرى الإستعمار الإنجليزي فقد دخل السودان في العصر الحديث و لا أقول هذا جزافا , ففي عام 1901كان إنشاء كلية غردون التذكارية أي بعد عامين من إنتهاء فترة المهدية و قد تحولت هذه الكلية إلى جامعة الخرطوم بمبانيها التي لا زالت قائمة , و أعقبت ذلك الطفرة التنموية في كل مناحي الحياة و منها إنشاء ميناء بورتسودان في عام 1907 , و مد خطوط السكة الحديدية حتى الأبيض في عام 1912 و إنشاء شركة النور و إنارة العاصمة بالكهرباء منذ عشرينات القرن الماضي , ثم كان ربط العاصمة بالجسور على النيلين و إنشاء الطرق المسفلتة و إنشاء خزان سنار في عام 1925 , ثم الشروع في مشروع الجزيرة منذ عام 1911 و تكملته في عام 1925 حيث كان يعد أكبر مشروع مروي في العالم ذي إدارة واحدة .
حتما كانت للإستعمار مرامي و أهداف وراء تنميته للسودان و تمثل ذلك في مشروع الجزيرة الذي أسس من أجل إرسال منتوجه من القطن طويل التيلة إلى مصانع النسيج الإنجليزية في لانكشير و يوركشير , بجانب المنتوجات الزراعية الأخرى , لكن من ناحية أخرى كانت هذه المشاريع إرثا للسودان ستعود خيراتها عليه بعد أن ينال إستقلاله . لقد حكم الإنجليز السودان بعقلية المستعمر  المترفع حتى عن النزول إلى الأهالي و الإختلاط بهم , و كانت الإدارة من البريطانيين بمساعدة المصريين و كان الحاكم العام يصدر قراراته دون مشورة الجانب السوداني , حتى إزداد الوعي المستنير في خريجي المدارس ومن ثم دعوا إلى مؤتمر الخريجين الذي قام في عام 1937 , و أدى ذلك الوعي إلى تكوين المجلس الإستشاري في عام 1944  الذي كان بالتعيين و كانت صلاحيته محدودة في المشورة , ثم أعقبته الجمعية التشريعية في عام 1948 و التي تم إختيار معظم أعضائها بالتعيين و لذلك قاطعها الإتحاديون كونها صنيعة بريطانية بينما إنضم إليها الإستقلاليون , و بذلك فقد كانت سببا في تعميق الصراع السياسي بين السودانيين .
في عام 1953 أجريت أول إنتخابات برلمانية للأحزاب السودانية , و في يناير 1954 تكونت أول حكومة سودانية برئاسة إسماعيل الأزهري , و في يوم 19/12/1955 تم إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان و ليس عن طريق الإستفتاء الشعبي كما كان الإتفاق مع دولتي الحكم , و في 1/1/1956 كان إحتفال الإستقلال بإنزال العلم البريطاني و رفع العلم السوداني !
هل حقا كان الوقت مبكرا لإعلان إستقلال السودان ؟ الإستقلال يعني عدم الإعتماد على الغير في إتخاذ القرار و يعني القدرة على شق الطريق إلى المستقبل بالتسلح بالوعي و أهم شيء الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية و الذي كان في مرحلته الطفولية لكل السودانيين . النتيجة أن كانت أحداث مارس 1954 حين حضر اللواء محمد نجيب إلى السودان ليشارك في إفتتاح البرلمان , و كان تخوف الرئيس الأزهري من فتنة الحرب الأهلية بين دعاة الإتحاد مع مصر و بين دعاة إستقلال السودان , و بعد جولة للأزهري في مدن السودان ترسخت له هذه الحقيقة و لذلك فضّل التريث في إعلان الوحدة مع مصر حتى تتهيأ الظروف لذلك و ينتفي إحتمال نشوب الحرب الأهلية . إن نتيجة عدم الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية كان أيضا  في مجانبة الحكومة الوطنية للصواب في سودنة الوظائف و كان ذلك الدافع الأول لشعور الجنوبيين و ساكني الأطراف بالغبن . ثم كانت النتيجة في إنعدام التنمية المتوازنة بين الوسط و الأطراف , و أيضا كانت النتيجة في صراع المصالح الحزبية و الشخصية في عهود الديموقراطية مع جهل معظم النواب , مما حدا بالسيد عبد الخالق محجوب أن يطلق مقولته أن السودان يحكم من مناطق الجهل و التخلف ! و أيضا كانت النتيجة في صراع البقاء و التفرد بالسلطة و الثروة في عهود الدكتاتورية العسكرية . كل ذلك يؤكد أن فاقد الشيء لا يعطيه !
إن نتيجة عدم الوعي بالتطبيق العملي للديموقراطية أراه  يحدث الآن في الساحة السودانية في حروب قد طالت كل الجبهات المطلبية و أن لغة القوة هي اللغة التي لا زالت سائدة لحكم البلاد , و أن التفاوض لا يكون إلا لوضع الخصم داخل عباءة الحكومة , و هل بذلك يكون السلام مستداما ؟ لقد بذلت دولة قطر جهدا مقدرا لحل مشكلة دارفور و لكنها تبعت سياسة الحكومة السودانية التي تخلق إنقسامات في الحركات حاملة السلاح ثم تتفاوض مع أطراف ضد أطراف أخرى , و النتيجة إستحالة الإستقرار الكامل للإقليم و ها هي الإغتيالات تطال رئيس الموقعين على الإتفاقية و نائبه . لماذا لا تكون المساعي لعودة النظام الديموقراطي و الذي بعودته سوف تحل كل مشاكل السودان , بما فيها حروب الجبهة الثورية الدائرة في منطقتي جنوب كردفان و النيل الأزرق ؟ الآن الجيش السوداني منتشر في كل الجبهات و قد أصابه الإعياء من كثرة الحروب الداخلية التي يخوضها منذ العام 1955 حيث أنه طيلة هذه السنين لم يشترك في حرب خارجية مع عدو خارجي , و لن تجدي زيادة رواتب ضباطه و جنوده مع شعوره أنه يحمي نظاما و لا يحمي مواطنيه , و أرى هذه الأيام إستنفار الحزب الحاكم لعضويته للإنضمام إلى المليشيات التي ستدافع عن بقاء النظام و حزبه , و هذا يدل على أن النظام قد قرر البقاء بلا إصلاحات جذرية , و إن وجدت فسوف تكون نوعا من الشكليات أي ( مدغمسة ) , و لم يترك النظام حلا سوى مواجهته !
الديموقراطية تتطلب إستمرارية ممارستها و الصبر عليها حتى نكتسب خبرةً فيها و نتناسى خبرات التسلط المتراكمة في عقولنا الباطنة , مع رفع مصلحة السودان فوق كل مصلحة ! إن إدارة التنوع في السودان  تتطلب الإعتراف بالمواطنة حتى ننتقل إلى الشعور بالأمة السودانية .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !



Omar Baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]