عمود : محور اللقيا
كنت في مقالتي السابقة قد تطرقت إلى معنى الدولة العلمانية و أبنت أن كلمة العلمانية هي ترجمة لثلاث كلمات مختلفات في اللغات الأجنبية كالإنجليزية مثلا , لكل واحدة منها معنى مخالف و تطبيق مخالف و هي كلمات scientism , laicism , secularism  , و ذكرت أن هنالك الدولة شبه العلمانية و هي مرادفة في معناها للدولة المدنية و لها أمثلة في معظم الدول العربية و الإسلامية . أما مقالتي الحالية و كعودة إلى تراثنا الإسلامي فسوف أتطرق فيها إلى ( وثيقة المدينة ) أو كما عرفت عند الكتاب الإسلاميين الأوائل كإبن هشام بإسم ( صحيفة المدينة ) و قد أطلق عليها في العصر الحديث إسم ( دستور المدينة ) .
قبيل الهجرة في عام 622 ميلادية أضحت مكة غير قابلة للدين الإسلامي الجديد و إزدادت تعديات الكفار بالتعذيب و التقتيل على الذين أسلموا . من أجل ذلك إتخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم قراره بالهجرة إلى يثرب التي كان أهلها و فيهم خؤولة أبيه قد دعوه كي يهاجر إليهم , و هكذا إستقبلوه بالترحاب و الأهازيج حين طلع عليهم من ثنيات الوداع . في ذلك الوقت كانت تعيش في يثرب مجموعات قبلية متعددة تدين بأديان مختلفة , فكان هنالك المسلمون و اليهود و المسيحيون و عبدة الأوثان . من هذه القبائل كانت قبيلتا الأوس و الخزرج اللتان هاجرتا إلى يثرب من جنوب الجزيرة العربية بعد إنهيار سد مأرب , و كانت قبائل بني النضير و بني قريظة و بني قينقاع و هي قبائل يهودية هاجرت إلى يثرب من الشمال . كانت علاقات هذه القبائل غير مستقرة و كثيرا ما تنشب النزاعات بينهم و التي قد تستفحل و تقود إلى مواجهات دامية .
عندما وصل الرسول صلى الله عليه و سلم إلى يثرب قام بتغيير إسمها إلى ( المدينة ) ثم إجتمع بكل القبائل المكونة للمدينة بكل إختلافاتها الإثنية و الثيوقراطية و الثقافية و إتفق معهم في عام 623 ميلادية على وضع وثيقة تنظم لهم طريقة تعايشهم في مجتمع واحد يجد كل فرد منهم دوره فيه . لقد وقف بعض الكتاب المستشرقين على هذه الوثيقة – الدستور و قاموا بإبرازها و إعتبروها تمثل اول دستور مدني في التاريخ , و أن ما بها من حرية للمعتقد و عدالة و أمان و شعور جمعي بالمواطنة و بتكوين الدولة – الأمة يجعلها قابلة للتطبيق في عصرنا الحديث , في تعارض للإسلاموفوبيا التي نراها حاليا في الأصولية الجهادية المتطرفة و في الصراع بين الأديان .
تحتوي هذه الوثيقة على إثنين و خمسين بندا , يختص خمسة و عشرون بندا منها بأمور المسلمين , بينما يختص سبعة و عشرون بندا بالعلاقة بين المسلمين و أصحاب الديانات الأخرى في المدينة , و سوف أورد هنا أهم البنود التي وردت في وثيقة دستور المدينة و هي كالآتي :
1 – حرية المعتقد
2 – العدالة و عدم حماية الظالم و الآثم
3 – الدفاع عن أرض الوطن و إقتسام التكاليف
4 – عدم معاقبة أحد على جرم قد إقترفه غيره
5 – إقرار الحدود الجغرافية
6 – أمان الدولة و المواطنين
7 – أهمية وجود مرجعية للعمل بها في حالات عدم الإتفاق
8 – تأسيس أمن للمجتمع
9 – إستقرار العلاقات القبلية
10 – إيجاد نظام ضريبي لمساندة المجتمع
11 – إيجاد نظام لمنح الحماية للأفراد
12 – عمل نظام قضائي لحل الخلافات
13 – عمل نظام لضبط دفوعات التعويضات بين القبائل لحل التجاوزات في ما بينها
لقد منح دستور المدينة حقوقا لغير المسلمين نجدها في الآتي :
1 – أمان الله يتساوى و يشمل كل المجموعات في الأمة
2 – غير المسلمين يتمتعون بحقوق سياسية و ثقافية متساوية مع المسلمين و تشمل الجميع حرية الأديان
3 – غير المسلمين يحملون السلاح و يحاربون ضد أعداء الأمة و يتقاسمون تكاليف الحرب مثلهم مثل المسلمين
4 – غير المسلمين لا يلزمون بالمشاركة في الحروب الدينية التي تخص المسلمين
إن روح التسامح و القبول بالآخر التي كانت سائدة في المجتمع المديني قد ساعدت على عملية التآخي و الإندماج التي تمت للمهاجرين من مكة , و قد عزز في ذلك ما شملته بنود الوثيقة من حرية و عدالة و مساواة , و بذلك فقد عكست وثيقة الدستور معاني التسامح كما هي موجودة في القوانين الحديثة و ما في ذلك من حقوق و واجبات للأعضاء في المجتمع بمن فيهم المرأة التي لعبت دورا  كبيرا في مجتمع المدينة . لقد تطرقت وثيقة دستور المدينة عمليا لأمر التعددية و التي قد تم تعريفها حديثا بأنها ( شكل للمجتمع تصون فيه مجموعات مكوناته تقاليدها الثقافية المستقلة ).
لقد كتب الدكتور محمد عمارة الكاتب الإسلامي المعروف مجموعة مقالات في صحيفة الأهرام المصرية و قال في مقالة له عن دستور المدينة : (( يعتبر دستور المدينة أول و أقدم دستور محفوظ بالكامل حتى الآن , و فيه تقنين لخروج الإنسان من إطار ( القبيلة ) إلى رحاب الدولة و الأمة . لم تكن دولة المدينة دولة دينية لأن دستورها قد تميز عن القرآن و إن لم يخالف روحه و مبادئه , و رعية هذه الدولة لم تقف عند الجماعة المؤمنة بدين الإسلام بل كانت رعية سياسية إتخذت من المعيار السياسي و الإطار الحضاري ميزانا حددت و ميزت به الرعية من الأغيار , و قد إستخدم هذا الدستور مصطلح الأمة بمعنى الرعية السياسية , و أقر التمايز و التعددية الدينية في داخل هذا الإطار القومي – الحضاري – السياسي . إن أمة إقترن تأسيس دولتها الإسلامية الأولى بالدستور المكتوب , لا يليق أن تنكص على أعقابها فيحكمها الإستبداد متحللا من ضوابط الدستور شكلا و فعلا )) !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]