omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
عمود : محور اللقيا
أخبار صبيحة اليوم الجمعة عن السودان جعلتني أتحسس قلمي و اتمسك به واجفا و ذلك لخطورتها و        لتأثيراتها المصيرية على مستقبل السودان . لقد غلبني ان أحمل الهم وحدي و هأنذا أدعوكم كي تعيشونه معي  :
1 – إجتماع الرئيسين البشير و سيلفا كير اليوم في أديس ابابا بغرض التوصل إلى إتفاق بخصوص قضية ترسيم الحدود المختلف عليها و قضية إستمرارية ضخ البترول الجنوبي عبر أنبوب الشمال , و كما يقال هذا إجتماع الفرصة الأخيرة و التي بعدها سوف يحدد تقرير رئيس الإتحاد الأفريقي أمبيكي مصير ما تبقى من السودان إذا ما قرر رفع الأمر إلى مجلس الأمن ليبت فيه , و غالبية المتابعين للحدث متشائمين من نتيجة المحادثات خاصة في مناطق أبيي و الميل 14 . أما عن ضخ البترول و رغما عن الإحتياج الحاد لعائد أمواله سواء في الجنوب أو الشمال و وصول الطرفين إلى تكاليف رسوم عبوره في محادثات سابقة , فإن ضخه  مرتبط عند الوسطاء الشماليين بالإتفاق على الترتيبات الأمنية أولا و فك الإرتباط بين حكومة الجنوب و الحركة الشعبية قطاع الشمال . من هنا يتضح أن حكومة الإنقاذ تسعى إلى تأمين نفسها و ليس إلى تأمين شعبها من الضائقة الإقتصادية و تزايد الأسعار التي تنتهجها لسد العجز في ميزانيتها حتى فاق الأمر درجة الإحتمال !
2 – الخطاب الجماهيري الذي القاه الدكتور نافع علي نافع في الجزيرة و الذي هاجم فيه الموقعين على وثيقة ( الفجر الجديد ) و قال في حقهم أن لحس الكوع اقرب من إستلامهم للسلطة في السودان و وصفهم ببغاث الطير و بمقطوعي الطاري ! بهذا قد جعل الدكتور نافع من لازمته ( لحس الكوع ) رابعة للمستحيلات , بعد الغول و العنقاء و الخل الوفي ! حقيقة القول ان ليس هنالك مستحيل عند الله تعالى و ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) صدق الله العظيم . الله دائما مع المظلومين من عباده و ضد الظلمة و الطاغوت .
3 – بيان هيئة علماء السودان الذين ذكروا فيه أن الموقعين على وثيقة ( الفجر الجديد ) يعتبرون خارجين عن الدين ! لقد تمعنت في الخبر غير مصدقٍ , هل هذا يعني أن هؤلاء الموقعين قد صاروا مرتدين , و سوف تطبق عليهم عقوبة المرتد فيستتابون ثلاثة أيام  حتى يعودوا عن غيهم و إلا أقاموا عليهم الحد ؟ يا علماء السلطان مالكم كيف تحكمون !
4 – أسلوب الضغط أو رفع العصا الذي تنتهجه أمريكا على حكومة الإنقاذ هذه الأيام كي تجلس و تتفاوض مع الحركة الشعبية قطاع الشمال حتى تتوقف الحرب الدائرة في جنوب كردفان و النيل الأزرق , و حتما سوف ترضخ حكومتنا لذلك و أظنها سوف تعود إلى إتفاقية نافع مع مالك عقار التي كانت في أديس أبابا في العام الماضي .
5 – على نفس المنوال كانت زيارة الوزيرة مندوبة الحكومة البريطانية إلى السودان في اليومين الماضيين و قولها أمام الصحفيين أن بريطانيا على إستعداد لإلغاء كل ديونها على السودان و المقدرة ببضع مليارات إذا ما وافق السودان على وقف الحرب في جنوب كردفان و النيل الأزرق و دارفور . هذان الخبران الأخيران يؤكدان ما رشح منذ أسابيع من أن الدول العظمى قد قررت وقف الحرب في السودان , و هذا أيضا يؤكد القرض الصيني للسودان بمبلغ مليار و نصف المليار الذي وقعه الطرفان قبل أيام مضت , و هذا يؤكد ما هو معروف من أن ما يحدث في السودان كله بأيدي الدول الأجنبية !
6 – وثيقة ( الفجر الجديد ) التي تم التوقيع عليها قبل أسبوع و نيف بين الجبهة الثورية لتحالف كاودا و تحالف قوى الإجماع الوطني الممثلة لأحزاب المعارضة هي مسودة للجمع بين ما جاء في إتفاق البديل الديموقراطي لأحزاب المعارضة و إتفاق تحالف كاودا للجبهة الثورية , و بحكم إنها مسودة فهي قابلة للتعديل في بعض بنودها . لكن رغم ذلك فقد جوبهت بإنتقادات و تهديدات للموقعين عليها من قبل حكومة الإنقاذ , بل و وصل الأمر إلى التهديد بحظر الأحزاب الموقعة عليها , بجانب إخراجهم من الملة كما ذكرت قبلا . لماذا كل ذلك ؟ لأنه المرة الأولى التي تلتقي فيها مكونات المجتمع السوداني بكل أجناسها على قلب رجل واحد و ضد عدو واحد و إلى هدف واحد يسعون إليه في تناسق محكم , كل بطريقته , إما بحمل الشعارات و إطلاق الهتافات أو بحمل المدافع و الرشاشات و إطلاق الطلقات .. هذا التلاقي سوف ينهي حدوث اي فوضى أثناء إندلاع الثورة أو بعد إسقاط النظام , و إذا كان النظام حريصا على مصلحة الوطن حتى في غيابه - و ما أظنه غيريا إلى هذا المدى - فإنه حري به أن يحتفي بهذا التلاقي ! هجوم حكومة الإنقاذ على وثيقة ( الفجر الجديد ) كان منصبا من عدة جهات على العلمانية التي وردت فيها و صاروا ينددون بالوثيقة و أنها تدعو للإنحلال الخلقي و للتفسخ و للفجور , مع أن كل ما قالوه قد إستفحل في زمانهم هذا رغم مشروعهم الحضاري ! هنالك ثلاث كلمات  في اللغات الغربية و لكن لها في العربية ترجمة واحدة و هذه الكلمات بالإنجليزية هي : scientism , laicism , secularism  و لها معنى واحد بالعربية و هي كلمة علمانية , فقط في معنى الكلمة الإنجليزية الأولى تكون بكسر العين و في الكلمتين الأخريين تكون بفتح العين و هنا كثيرا ما يحدث الخلط . الكلمة الأولى أي العِلمانية تعني الإيمان بأن العلم يمكن له حل كل مشكلات الإنسان , بينما المعنى الثاني و الثالث يدلان على كيفية تنظيم سياسات الدولة تجاه الدين و يجتمعان في عنصرين هما فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية و حرية المعتقد الديني , لكن المعنى الثاني تلعب فيه الدولة دورا أكبر في عزل الرموز الدينية من الحياة العامة و حصرهم في الشؤون الخاصة فقط , بينما المعنى الثالث متسامح أكثر تجاه النظرة العامة للدين و يلعب دورا إيجابيا تجاه الرموز الدينية . في أوربا ظهر النوع الثاني من العلمانية بعد الثورة الفرنسية في عام 1789 و كلمة لايك هي كلمة فرنسية و نسبة لظروف تسلط الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت و التي كانت تمثل الشرعية و تمنح صكوك الغفران و تساند الملوك فقد أبعدها الثوار عن شؤون الحكم الجديد و أبعدوها عن هوية المواطنة .
بجانب كل ذلك توجد العلمانية الجزئية أو شبه العلمانية و هذا نوع تتخذ فيه الدولة دينا رسميا لها و ينص دستورها على المساواة بين الأديان  و قوانينها مستمدة من الدين و التقاليد و العرف و النقل , و هذا النوع يمثل عندي النوع المتبع في معظم الدول العربية و الإسلامية , و أنا أعود هنا إلى رأي الدكتور محمد عمارة الذي يقول أن الإسلام ليست به كل قوانين و أحكام الدولة الحديثة و لذلك لا بد من الإقتباس و الإجتهاد , و كذلك أورد دعوة السيد الصادق المهدي إلى الدولة المدنية أي دولة المواطنة التي تتمخض إلى تكوين الأمة . سوف تتم مراجعة وثيقة ( الفجر الجديد ) و سوف يتم تعديل مفهوم العلمانية فيها حتى يكون أكثر وضوحا و عاكسا لمعتقدات أطرافها من الموقعين و من ورائهم .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !