عمود : محور اللقيا
على المرء في شهر رمضان الكريم أن يقول خيرا أو يصمت , فالصيام يسمو بالنفس عن النقائص و عن فاحش القول و يوجه المرء إلى الله تعالى و طلب رضوانه و يذكر بالموت و النشور و الحساب , و أن إبن آدم إذا مات إنقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له , كما قال رسولنا الصادق الأمين صلى الله عليه و سلم . هذا في حكم الأفراد من بني آدم , و أما في حكم الرؤساء و القادة فتظل تلك الأعمال الثلاثة مطلوبة منهم حتى يدوم ذكرهم مصطحبا بطيب الدعوات و ليس بأسوأ اللعنات . إذا كان الرئيس عطوفا على رعيته فإنه يسعى لراحتهم جسديا و نفسيا فيزيد من ميزانيات الخدمات المجانية كالمستشفيات و المدارس و يوفر لهم خدمات الكهرباء و الماء و المواصلات و يدعم لهم تكاليف المعيشة و يحقق لهم الضمان الإجتماعي و الضمان الوظيفي و يضع علمه في التخطيط للمشاريع التنموية لزيادة دخل الفرد و يسعى للمساواة بين رعيته بدون عنصرية أو جهوية . عند هذا يصير أفراد رعيته أبناءً له و إن لم يكن لديه أبناء و يدعون له بالخير بعد مماته ! ألا رحم الله الرئيس إسماعيل الأزهري الذي صارع المستعمر و رفع علم إستقلال السودان و حكم في الناس بالديموقراطية و الوسطية و المساواة و العدل و النزاهة .
الجوع كافر , بمعنى أنه يكفر بكل القوانين و الروادع و يخرج بالإنسان شاهرا سيفه كما قال الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري , و لن يتحمل الجوع جبان إن إستشرى بل إن الجوع سوف يجعله إسدا هصورا , و هنا أرى في مقولة ( الشعب جوعان لكنه جبان ) التي يرددها المتظاهرون إستفزازا للآخرين كي يأتوا و يشاركوهم في التظاهر , أنها مقولة مغلوطة و صحيحها مقولة ( الشعب جوعان لكنه خائف ) ! الخوف هنا نوعان , نوع يخاف فيه الناس من قطع الأرزاق لأن الخروج للتظاهر له تبعات كالإيقاف عن العمل و الإحالة للصالح العام . إن الخائفين الذين أعنيهم هنا هم المتعايشون مع النظام و المداهنون له و المستفيدون منه و العاملون على تطويل أمده , و حري بنا أن نتركهم في خوفهم و تقاعسهم يعمهون لأنهم (إن خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا و لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) كما قال الله تعالى في سورة التوبة . أما النوع الثاني من الخوف فيتمثل في الإحباط و التراخي من الفعل الثوري الذي أصاب الناس من عدم وجود القيادة الكاريزمية التي يتبعها الناس و يثقون فيها للوصول بهم إلى غايات الثورة حتي لا يتم إختطافها كما حدث في الثورتين الشعبيتين الماضيتين في أكتوبر 1964 و أبريل 1985 .في بداية تسعينات القرن الماضي قال العراقيون : ( قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ) عندما تنازعوا مع دولة الكويت في دخل بترول المثلث الحدودي المشترك بينهما , فأدى ذلك النزاع إلى الأحداث المأساوية المعروفة .
في مقالتي السابقة تطرقت إلى مصداقية أحزاب قوى الإجماع الوطني في تبنيها لإسقاط النظام من خلال ميثاق البديل الوطني الذي وقعوا عليه , و ذكرت أن مجريات الأحداث القادمة سوف تثبت مصداقية زعماء أحزاب المعارضة من عدمها في شأن إسقاط النظام . ها هي النتيجة واضحة للعيان , فالزعماء التقليديون لا زالوا يمسكون العصا من نصفها و لا زالت قلوبهم مع إسقاط النظام بينما سيوفهم مع النظام , و أنهم قد فقدوا كاريزميتهم التي كانت تحرك جماهيرهم , بل صاروا أداة تقاعس و إحباط من التغيير . بذلك سوف يكون مصير تحالف قوى الإجماع الوطني كمصير التجمع الوطني الديموقراطي , إن لم يفتح أبوابه لتجمع القوى الثورية و لكل الأحزاب و المنظمات الشبابية , حتى يضحى وعاءً جامعاً لكل قوى الثورة . كما ذكرت منذ أكثر من عام , الشباب هم قياد و وقود الثورة , و ها هي الأيام تثبت ذلك , و ها هم في مدن دارفور يخرجون ضد النظام و يضحون بأنفسهم , و عليه فلا بد من وضعهم و تمثيلهم في الجسم القيادي للثورة المراد تكوينه , و ذلك لديناميكيتهم و تفانيهم و جسارتهم و مقدرتهم التواصلية .
يكثر الحديث هذه الأيام عن إتباع الخيار اليمني سلميا , و مروجوه يمنون أنفسهم بأنه المناسب لتغيير النظام و إنتقال السلطة , و لكنهم يتناسون ما كابده الشعب اليمني من هدر للدماء و للتقتيل بأيدي أجهزة القمع الموالية للنظام , و أن الحاكم الديكتاتوري لا يتنازل طوعا عن الحكم و إنما يرغم على ذلك إرغاما . إن أحزاب المعارضة لا تملك مفاتيح خيارات الربيع العربي , لأن الثوار عامة يمثلون الفعل أما الخيارات فيتحكم فيها رد الفعل من السلطة . لذلك لا أرى جدوى من سعي البعض ممن يحسبون على المعارضة كي يضعوا مقترحات نظرية لأي الخيارات نتبع .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !



omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]