عمود : محور اللقيا
رحى الإنتخابات الرئاسية المصرية تدور هذه الأيام و تجول أكثر من جولة , و مع جعجعتها الصاخبة نرى طحنها جليا و سيكون أجلى و أحلى , ناهينا عمن سيفوز فيها ! إنها المرة الأولى منذ سبعة آلاف سنة يخوض فيها الشعب المصري إنتخابات حرة دون ان يدري من سيفوز فيها . كان الشعب المصري على مر العصور محكوما بممالك و إمبراطوريات غازية لمصر أو بجماعات إنبثقت من داخله و لم تكن منه , حتى أتى الضباط المصريون الأحرار و إستولوا على السلطة بثورة و إنقلاب 23 يوليو 1952 , و ظهر من بينهم الرئيس جمال عبد الناصر كرمز للنضال الوطني و للمشروع الوحدوي العربي , و كان بذلك أول رئيس مصري مئة بالمئة يخرج من بين عامة الناس , لكن في عهده و في عهد أنور السادات و حسني مبارك كانت إنتخابات الرئاسة معروفة النتائج و بنسب مئوية عالية !
المحللون المصريون إعتبروا فترة حكم نظام 23 يوليو فترة الجمهورية الأولى في مصر , و أن مصر الآن داخلة على فترة الجمهورية الثانية , و هي فترة الحكم الديموقراطي التعددي المتمثلة في أحزاب سياسية متساوية أمام القانون و في بسط للحريات العامة و خاصة حرية الصحافة و التعبير , و في تفريق بين السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية . من المؤكد أن التجربة المصرية سوف تنعكس بظلالها على كل دول الجوار , و سوف يكون لطرح الأحزاب السياسية الإسلامية ,التي تعمل في مناخ ديموقراطي , تغيير في الرؤى و الأفكار , و حقيقة فإنني لا أعني حزب الحرية و العدالة و حزب النور الإسلاميين في مصر , و إنما الأمر يشمل كل الدول التي زارها الربيع العربي أو تلك التي تعيش وجوده . أخص هنا تجربة حزب النهضة في تونس و ما ورد في حلقة برنامج الشريعة و الحياة الأخيرة في الأسبوع الماضي و التي أستضيف فيها الشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة الإسلامي في تونس , و قد طرح فيها أفكارا جديدة عن الإسلام و السياسة و هي إمتداد لأفكاره التي ظل يطرحها منذ أن إتخذ قرار عودته من منفاه في فرنسا إلى تونس بعد أن غادرها بن علي من غير رجعة . يقول إن الإسلام يكفل الحرية حتى في الإيمان و الكفر و أن الإسلام يكفل تكوين الأحزاب و تداول السلطة و أن قضية الحكم ظلت غير مطروقة و مهملة بين العلماء المسلمين و أن المحاسبة في الفساد و إستغلال النفوذ تظل سمة إسلامية و أن الشريعة مطبقة في المجتمعات المسلمة في التعامل و في العبادات و في التقاضي و في الحياة العامة و في الدساتير النابعة منها و ان بعض التطبيقات في الشريعة تتطلب الكفاية .
الآن في مصر أعلن مرشح حزب الحرية و العدالة الدكتور مرسي أنه يتعهد للمسيحيين أمام الله أنهم سوف يكونون سواسية كالمسلمين في نظامه الليبرالي الجديد إذا ما فاز , و هو يدعو إلى تكوين حكومة إئتلافية ممن يناصرونه من الأحزاب الأخرى . إنه يقول حكومة إئتلافية و ليست حكومة ذات قاعدة عريضة ! سوف يتكشف في مقبل الأيام سؤ التطبيق الأعوج للإسلام السياسي في السودان , و سوف يظهر جليا رجعية النظام الذي عندنا عن هذه الأنظمة الديموقراطية الليبرالية التي تتعاطى السياسة في أجواء متفتحة . سوف يظهر جليا نظام السلطة الإنقاذية في السودان , و حري أن أطلق عليها السلطنة الإنقاذية في السودان , حيث تصدر فرمانات السلطان بالتعيين و بالعزل و بالهبات و بالقوانين الإستثنائية ! و الآن يبشروننا بالجمهورية الثانية و هي تختلف في معناها عن الجمهورية الثانية في مصر , لأنه لا تغيير عندنا قد حدث , سوى التغيير الجغرافي لمساحة السودان التي تقلصت إلى الثلثين .
الرواح في خبر كان الذي يعيشه السودان , قد تجمعت له مسببات عدة في ظل السلطنة الإنقاذية , أرى أجلها و أخطرها إتفاقية سلام نيفاشا , و التي حتما سوف تتكشف أجندتها الخفية التي جعلت النظام الإنقاذي يوافق عليها بما فيها من إستفتاء لتقرير المصير للجنوب , رغم أنها قد أفقدت السودان معظم بتروله و ثلث مساحته و أعادته إلى مكابدة الضائقات المالية و المعيشية . لقد إنهار الجنيه السوداني و هو الآن يقاوم الغرق بعد أن ألقي به في النيل دون معرفته بفن العوم , و بإنهيار قيمة الجنيه إرتفعت الأسعار تصاعديا و إزدادت معاناة المواطنين و بذلك تضعضعت الإستثمارات و تشتت المستثمرون كما تشتت مشروع الجزيرة و تشتت المحالون للصالح العام و الهامشيون و المعارضون أيدي سبأ .
النتيجة أن السودان صار كمّا مستباحا للطائرات الإسرائيلية في شرقه من غير ردع , و صار يحارب في جبهات عدة في غربه و في جنوبه الجديد , و صار يعاني من ضغوط عدة أفريقية و دولية لينسحب من بعض أراضيه و ليلجأ للحوار الذي لن يكون في صالحه مع وجود أجندة خفية جديدة , و هكذا تعاود إلكترونات التنازل حركتها في الدائرة المغلقة , و هكذا يتفتت السودان أكثر و أكثر .. و تبقى السلطنة الإنقاذية !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !




omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]