عمود : محور اللقيا
المادة الخامسة و العشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم 10/12/1948 تقول في جزئيها :
1 – لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة و الرفاهية له و لأسرته , و خاصة على صعيد المأكل و الملبس و المسكن و العناية الطبية و صعيد الخدمات الإجتماعية الضرورية , و له الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته و التي تفقده أسباب عيشه .
2 – للأمومة و للطفولة حق في تلقي أشكال خاصة من الرعاية و المساعدة , و لجميع الأطفال حق في التمتع بذات الحماية الإجتماعية , سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الأطار .
لقد إستمعت في الأيام الماضية إلى ما يرويه القادمون من السودان , و كلهم مشهود لهم بالنزاهة و الوضوح , أن البلاد تمر بضائقة مالية و أن الغلاء قد إستشرى حتى شمل كل شيء . هذا يضاهي ما شهدته في بعض القنوات الفضائية الشفافة , و ما قرأته في الصحف الإلكترونية السودانية . لقد صار الناس ينافسون الكلاب في العظام ! هذه ليست مبالغة بل أمر واقع , فقد صارت الدخول المحدودة جدا تحتم على الناس العيش على حد الكفاف مع تدني القدرة الشرائية , و صار معظم المواطنين يأكلون وجبة واحدة في اليوم و أية وجبة ! إنهم يذهبون إلى الجزارات في نهاية اليوم و يشترون العظام و ما بها من قليل لحم , و التي كانت في ما مضى تلقى للكلاب , حتى أصاب الكلاب الجوع من تنافس المواطنين لهم في حيازة العظام ! صار المواطنون يأخذون هذه العظام لسلقها مع البصل لتجهيز وجبة ( السليقة ) لتكون الوجبة الوحيدة لهم في اليوم , و هكذا أعادت ( السليقة ) المواطنين للعيش على السليقة , كبقية الحيوانات و خاصة الكلاب ! إنه أمر مخزٍ و يدعو للرثاء و للنحيب من سؤ الحال .
كل النظريات الإقتصادية اراها عاجزة عن فهم التركيبة المخبولة التي نكابدها في السودان . وفرة في معظم المواد تعادل كثرة في المعروض و إعراض عن الشراء بسبب محدودية الدخل يعادل قلة في الطلب , و بدلا عن إنخفاض الأسعار عملا بقانون العرض و الطلب الرأسمالي , نجد الأسعار في تزايد , و السبب أن الشعب السوداني قد صار شعبين أو ( ناسين ) , ناس عائشة و ناس ( دايشة ) كما تقول الحكمة الشعبية ! بذلك صار الشعب العائش هو الذي يقوّم قانون العرض و الطلب مع قدرته الشرائية العالية . أما الشعب ( الدايش ) فقد صار خارج التركيبة الإقتصادية لأنه لا يؤثر فيها نسبة لضعفه المالي . بهذا إمحت الطبقة الوسطى التي كانت في العقود الأولى بعد الإستقلال  تمثل 80% من عدد السكان . الآن صارت لدينا طبقتان : طبقة ذوي الدخل المحدود و المعدمين و تمثل 95 % من عدد السكان , و طبقة الأثرياء و تمثل 5% من عدد السكان , و هي الطبقة التي تتحكم في الإقتصاد السوداني كما أسلفت .
ما هي أسباب الإرتفاع الجنوني الأخير في الأسعار ؟ يقولون السبب الأساسي هو إرتفاع قيمة العملة الصعبة و إنخفاض قيمة الجنيه السوداني , و يزيدون أسبابا أخرى مثل قلة الإنتاج المحلي و زيادة الرسوم و الضرائب و تخزين التجار للسلع ثم التلاعب في أسعارها بزيادات وصلت إلى 300% مما كانت عليه في بداية العام الحالي . أولا لماذا إرتفعت قيمة العملة الصعبة و إنخفضت قيمة الجنيه السوداني ؟ السبب هو فقدان السودان ل 80% من قيمة بتروله الذي ذهب لدولة جنوب السودان مما سبب عجزا في الميزانية سعت الحكومة إلى تقليله بزيادة الرسوم و الضرائب و هذا قد قلل من كمية الإنتاج و التي في أصلها قد قلت بسبب الإهمال الذي أصاب المشاريع الزراعية و الصناعية . هل من ثمة حل لدرء الإرتفاع الجنوني في الأسعار ؟ الحل كما يراه معظم المتابعين يكون في العودة لمراقبة الأسعار ووضع قوائم لها حتى تتم محاربة الإحتكارات , و أن تعود السلع الضرورية التي بها ندرة إلى الصرف بالبطاقة التموينية مثل السكر و الزيوت التي قل المعروض منها فجأة . هنالك قانون تسعى الحكومة لإجازته و هو قانون حماية المستهلك الذي بذلت جمعية حماية المستهلك جهدا مقدرا في سبيل إجازته . في الأيام الماضية زارت بعثة صندوق النقد الدولي السودان و أوصت السيد وزير المالية برفع الدعم عن المحروقات , و قد نوقش هذا الأمر في أجهزة حكومية عدة و لكن لم يتم إجازته حتى هذه اللحظة خوفا من عواقبه على النظام .
رغم الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون , خرج علينا السيد وزير الدفاع بمشروع إعادة هيكلة الجيش ليغطي كل الحدود مع دولة جنوب السودان مع زيادة رواتب افراد القوات المسلحة إلى الثلاثة أضعاف . هذا بجانب حملة التبرعات لدعم المجهود الحربي التي دفع فيها رجال الأعمال قرابة ال16 مليار جنيه و تبرع فيها العاملون من فئات الشعب المختلفة برواتب يومين إلى خمسة أيام تستقطع منهم في نهاية الشهر . هذا ما ذكرته في مقالتي السابقة عن الإتجاه لإقتصاد الحرب , حيث تكون الأولوية في ميزانية الدولة للجيش و للأمن , و كما نعلم جميعا فإن ميزانية الجيش و الأمن قد ظلت في كل عهد الإنقاذ تمثل 80% من الميزانية , فإلى ماذا يا ترى سوف يتم رفعها بعد هذه الزيادات المقترحة ؟ كان الله في عون أهلنا في السودان .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !

omar baday [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\