عمود : محور اللقيا
التواصل Mass Communication صار علما قائما بذاته في دول الغرب خاصة في أمريكا , حيث يدرّس في الجامعات كفرع من فروع المعرفة , شأنه في ذلك شأن الإقتصاد و الإجتماع و السياسة و الأدب , و صارت له كلية يتخرج منها الطلبة بدرجة البكالوريوس . التواصل و ليس الإتصالات إن صحت ترجمتي للمصطلح الإنجليزي , يعني فيما يعني التخاطب و العرض و التقديم و الإقناع و الترويج في مجال المؤسسات و الشركات و الأفراد عن طريق الحاسب الآلي و الإنترنت و الإعلام .
الخطاب الجماهيري يدخل في نطاق التواصل , و لديه قاعدة هامة لا بد من مراعاتها و هي : ( تغيير الجمهور يقتضي تغيير مستوى الخطاب ) ! لكي أوضح المعنى سوف أقتبس لكم بعضا مما ورد في أدبنا العربي عن الشاعر العباسي بشار بن برد . قيل أنه كانت له جارية تصنع له الطعام , فأراد أن يقرظها شعرا فقال :
ربابة ربة البيتِ     تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات     و ديك حسن الصوت
و كان أن لامه النقاد على شعره ( المبتذل ) هذا و إستنكروه , و أشاروا عليه كيف يقول هذا الشعر و هو القائل :
إذا ما غضبنا غضبة مضرية     هتكنا حجاب الشمس أو مطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلةٍ      ذرى منبرٍ صلى علينا و سلما
و كانت إجابة الشاعر بشار : (( أجل , و لكن لكل شيء وجه و موضع ! فالقول الثاني جد , و الأول قلته في ربابة جاريتي , و أنا لا آكل البيض من السوق , و ربابة لها عشر دجاجات و ديك , و هي تجمع لي البيض , فهذا عندها أحسن من : ( قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل ) عندكم )) ! أخرج من إقتباسي هذا بمقولة بشار الواردة ( لكل شيء وجه و موضع ) , و على نفس المعنى أورد المقولة التي يرددها المثقفون : ( لكل مقام مقال ) ! و هذه أراها قد ذكرتني ببيت الشاعر أبي الطيب المتنبي :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا     مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
و القصد هنا هو التفريق متى تكون الشدة و متى يكون اللين , لأن الخلط في ذلك ضار , و قس على ذلك الخلط في مواضع عدة ..
إن تغيير الموضع أو المقام يحتم عادة تغيير الجمهور . مثلا إذا كان الموضع أو المقام خارج السودان , و الجمهور قد تغير من الجمهور السوداني إلى الجمهور العربي أو الأجنبي , نجد أن وجه المقال أو الخطاب يتغير أيضا من اللغة العربية العامية إلى اللغة العربية الفصحى أو إلى اللغة الأجنبية , و من الإهتمامات الذاتية الضيقة إلى الإهتمامات العامة . اما إذا كان الموضع أو المقام داخل السودان و الجمهور كلهم سودانيون تنوع وجه المقال أو مستوى الخطاب بناء على تغير ذلك الجمهور . مثلا إذا كان الجمهور من الإنتلجنسيا و المثقفين و المستنيرين يكون الخطاب موضوعيا و منطقيا و مخاطبا للعقول . أما إذا كان الجمهور من العامة و الدهماء و محدودي المعرفة يكون الخطاب متحديا و بارزا للعضلات و ( للرجالة ) و مهددا بالويل و الثبور و مخاطبا للعواطف . لقد إستوعب و أجاد الحكام الشموليون مخاطبة العواطف في العامة لأنهم قد إستعاضوا بها عن مخاطبة أهل العقول من المثقفين و المستنيرين الرافضين لهم و لأسلوب إستيلائهم على الحكم بقوة السلاح , و كأنهم بذلك يكسبون شرعية هم في دواخلهم فاقدون لها . لذلك نجد دائما أن الحكام الشموليين يركزون على الإلتقاء بالمواطنين العاديين و حشدهم و مخاطبتهم بما يروق لهؤلاء المواطنين العاديين سماعه من تمجيد للقوة و للشجاعة مع تقديم بعض الوعود الخلبية لهم لتحسين مستوى حياتهم .
هكذا وردت عند القادة الإنقاذيين كل تلك الألفاظ و التعابير الموغلة في العامية و التي يتداولها عادة المتخاصمون من الطبقات الدنيا في صراعاتهم , بينما ( يتفرج ) عليهم الآخرون و ينتشون و يشيدون بمن يكيل السباب أكثر . من منكم لم يسمع بالألفاظ و التعابير ( إياها ) مثل : ( تحت جزمتي ) و ( يموصها و يشرب مويتها ) و ( يلحس كوعه ) و ( اليشرب من البحر ) و ( الضحك شرطهم ) و ( الداير يشيلنا يلاقينا في الشارع ) و ( الزارعنا غير الله اليقلعنا ) و ( قبل ما نجي الشعب كان زي الشحادين ) و ( والله كديس ما نسلمه ليهم ) و ( الحشرة الشعبية ) .. و ما إلى ذلك . المشكلة هنا أن مراسلي وكالات الأنباء و الفضائيات صاروا متواجدين في كل بقاع العالم , و هم عادة ينقلون الخطب الرسمية التي تخاطب العقول في المحافل المختلفة و ليس في ذلك غضاضة , و لكن قد إمتد ظل تلك الوكالات و الفضائيات بواسطة مراسليها النشطاء الذين صاروا ينقلون أيضا تلك الخطب ( الخاصة ) التي تخاطب عواطف جمهورها المنتشي , و إذا تعذر وجود هؤلاء المراسلين النشطاء تم النقل رأسا من القناة السودانية القومية !
هكذا ظهرت على قنوات العالم الفضائية خطب تحتوي على أنواع من المفردات و التعابير شكلت إلتباسا في ترجمتها حرفيا , و بعد الإستعانة بالسودانيين لشرحها , شكلت أسفا و إمتعاضا عند فهمها !